السّماعُ أوَّلاً ..!! ( 2 )


السّماعُ أوَّلاً ..!! ( 2 )


الفتوى   25  : تتمة لسؤال السّئول العَقُول (معاذ عبد الله) عن تعليم الأبناء اللّغةَ، وإسماعِهم غريبَها لتعتاد ألسنتهم النطقَ بها وحفظها .. إنّما قلتُ لك يا معاذ: على الخبير سقطتَ؛ لأنّي أردتُ قبل بضع سنين أن ينشأ بعض أبنائي نشأةً أعرابيّة، وليحذق مفردات اللّغة عن ممارسة بشغف، وعمَدتُ إلى تلقينه شيئًا من حوشيّها ليكون ما دنا منها أيسر، فقلتُ له: يا غلام، إنّي أعلمك كلماتٍ، لعلّها في الشّدة تنفعك بما ظنّ أبو علقمة النحوي أنّه ينفعه، ولم أردْ أن يتقعّر تقعُّر أبي علقمة، ولكني أردتُ أن ألقي بذرةً في أرض خصبة، وإنّما الأذهان حدائق للحقائق، توافيها، فإذا جادها الغيثُ ألقت ما فيها، فغدوتُ ألقّنه أسماء الأشياء، فقلتُ له
– وأشرتُ للفيلاّ -: سمِّها الصَّلْهَب، والفيلًجَة (الشّقة)، وصحن الدّار (الصّالة)، وعِراق الدّار هو المدخل بعد الباب (السِّيب)، والثَّوىُّ (المجلس)، والوصيد (السّاحة التي من خارج الباب)، والطَّنَف (البلكونة)، والمِرْبد (مكان القمامة)، والاصطبل (موقف السّيارات)، والقَرمَد (البوية)، وحجرتك العَرِين؛ لتكون كالأسد شجاعة، وقل: إنّي جائعٌ إلى الخبز، وقَرِمٌ إلى اللّحم، عطشان إلى الماء، بَرِد إلى التّمر، عَيمانُ إلى اللّبن، جَعْم إلى الفاكهة، واعلم أن سيارتنا البيضاء هي التَّولب (وهو في الأصل: الحمار الذي له حولٌ)، وسيارتنا الحمراء السَّمَحج (وهو الحمار طويل الظّهر)، فإذا خرجتَ لتشتري لبنًا من أسواق ابن داود – وكان من تحتنا – فقل: ذهبتُ إلى القُرْبَج لأشتري الجَلْعَطِيْط، فإذا أصابتك علّة فقل: إنّي مُتَبَغْثِر، أو مُسَخَّد، أو مُدْنَف، فإذ عُوفيتَ فقل: إنّي مُطْرَغِشّ، ثم مُبِلّ، وهذه الوسادة سمّها حُسْبانة، والمتكأ: المِسْورَة، وفنجان الشّاي: الطِّرْجهارة .. إلخ. وأوصيته بتقوى الله فيما عُلِّم، ثم لبثتُ مليًّا، فقلتُ: مَهْيَمْ يا عبد الغنيّ؟ أي: ما الأمر؟ فلم أجد عنده ما استحفظته إلاّ القُربج لأنّه يغدو إليه كلّ حين، وإلاّ العرين لأنه استأسَد . ولم يكُ ذلك عن قلّة فِطنة ولكن لقلة المُساعِد. وعندي في مثل هذا طرائف وعجائب لا مكان لذكرها؛ فإنّ مثل هذه المساحات تلقي صاحبها في مضايق الإيجاز في غير مقامه، فيبقى ملومًا محسورًا.

                                                                                                                                د. عبدالعزيز بن علي الحربي


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *