ديوان (الإنشاء المملوكيّ) في المَجْمَع اللُّغويّ المكّيّ


ديوان (الإنشاء المملوكيّ) في المَجْمَع اللُّغويّ المكّيّ


IMG_7555 (نسخ)

مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية - مكة المكرمة

في ليلة مقمرة، وأمسية مثمرة، من ليالي البلد الحرام، أقام مَجْمَع اللُّغة العربيّة على الشّبكة العالميّة بمكّة المكرّمة – حرسها الله تعالى – أُمسية لُغويّة لمحاضرة ماتعة بعنوان: “دور ديوان الإنشاء المملوكيّ في حماية اللُّغة العربيّة”، أعدّها وقدّمها الأستاذ الدّكتور سمير محمود الدّروبيّ؛ عضو هيئة التّدريس بجامعة أمّ القرى، وعضو المجمع، حضرها عدد من أعضاء هيئة التّدريس، والمختصّين، وطلاب العلم، ومحبّي لغة الضّاد.

وقد استُهلّت الأمسية بتقديم وترحيب بالحضور من رئيس المجمع اللُّغويّ الشّبكيّ المكّيّ الأستاذ الدّكتور عبد العزيز بن عليّ الحربيّ، الّذي أمتع الحاضرين باستعراض نظمه الجديد في (معاني حروف الهجاء)، تلا ذلك عرضٌ للسّيرة العلميّة للمحاضر، وممّا ورد فيها:

  • أستاذ مساعد بجامعة مؤتة من 1988- 1994م
  • أستاذ مشارك بجامعة مؤتة من 1994-1999م
  • رئيس قسم اللّغة العربيّة وآدابها في سنتي 1994-1995م
  • أستاذ مشارك بجامعة آل البيت في سنتي 1996-1997م
  • أستاذ بجامعة مؤتة من 1999-2008م.
  • أستاذ في الجامعة الهاشمية من 2007-2008.
  • رئيس هيئة تحرير المجلة الأردنيّة في اللّغة العربيّة وآدابها الصّادرة عن وزارة التّعليم العاليّ في الأدرن ( مجلة علمية عالمية محكمة ) من 2004-2008م .
  • رئيس هيئة تحرير المجلة الأردنيّة في اللّغة العربيّة وآدابها الصادرة عن وزارة التعليم العالي في الأردن ( مجلة علمية عالمية محكمة) من 2009-2012م.
  • عضو عامل في مجمع اللّغة العربيّة الأردنيّ من 2006 – بإرادة ملكية مدى الحياة.
  • عضو مشارك في اجتماعات الدورة الثلاثين للجنة اختيار الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية للغة العربية وآدابها /2007م.
  • رئيس لجنة امتحان الكفاية لمادة اللّغة العربية في وزارة التّعليم العاليّ 2007م.
  • عضو هيئة المجلس العلميّ للمعجم التاريخي للّغة العربيّة في مجمع اللّغة العربيّة في القاهرة بداية من 2007- 2012م (ممثل الأردن في المجلس المذكور).
  • رئيس لجنة الخطة الدّراسية لقسم اللغة العربية في الجامعة الهاشمية 2007/2008م.
  • رئيس لجنة التّعيين والتّرقية لقسم اللّغة العربيّة وآدابها في الجامعة الهاشمية 2008-2009م.
  • عضو مجلس مركز الوثائق والمخطوطات في الجامعة الأردنية 2008-2009.
  • عضو هيئة تحرير مجلة مجمع اللغة العربية الأردني 2009 – 2010م.
  • رئيس لجنة قطاع العلوم الاجتماعية والإنسانية واللغات (ومهمتها تحديد أولويات البحث العلمي في الأردن لمدة عشر سنوات.

ثمّ استهلّ المحاضر بشكر المجمع اللّغويّ الشّبكيّ المكّيّ، ورحّب بالحاضرين، واستعرض محاور المحاضرة؛ وهي:

المحور الأوّل:

الظّروف السّياسيّة الّتي مهّدت لقيام دولة المماليك.

المحور الثّاني:

الأخطار والتّهديدات الّتي تعرّضت لها اللّغة العربيّة في العصر المملوكيّ.

المحور الثّالث:

نهوض ديوان الإنشاء ودوره في حماية اللّغة العربيّة.

وتناول المحاضر لمحة تاريخيّة عن ديوان الإنشاء، وقال:

“أدى ديوان الإنشاء دورًا كبيرًا وخطيرًا في إدارة الدّولة المملوكيّة وتسيير أمورها، وامتدّت صلاحيات صاحبه المسمّى بكاتب السّرّ أو صاحب الدّواوين الشّريفة أو كاتم السّرّ إلى أكثر الجوانب أهمية في تصريف شؤون الحكم سواء أكانت مدنية أم دينية أم سياسية أم عسكرية أم اقتصادية.

فديوان الإنشاء ولا سيما كاتب سرّه مسؤول عن التعرف على أخبار الممالك المختلفة وعرضها على السلطان، وهو القائم بكتابة التعيينات لكبار موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين، وهو الراسم لحدود صلاحياتهم في وصاياه التي ترفق بتقاليدهم أو تواقيعهم أو مناشيرهم.

وفوق ذلك، فإنه كان مسؤولًا عن نشاط جهاز البريد وتنظيمه تنظيمًا دقيقًا برًا وبحرًا وجوًا، وكذلك عرض ما يحصل عليه البريدية من أخبار ، أو يأتون به من رسائل على السلطان، بل إن صلاحياته تجاوزت الإدارة الداخلية إلى تنظيم العلاقات الدبلوماسية مع الدول الأخرى عن طريق مخاطباتهم وتلقي رسائلهم، واستقبال سفرائهم ، وتنظيم إقامتهم ومقابلتهم للسلطان” .

وأوضح أنّه بناء على ما ذكر من مهمات الديوان وواجباته، فإن صاحبه يحتاج إلى عدد كبير من الكتاب المضطلعين بالعربية وغيرها من اللغات السائدة في ذلك الوقت، ولذا فإننا نجد في مصادر ذلك العصر ما يشير بوضوح إلى أولئك الكتاب التراجمة الذين يحسنون العربية وغيرها من اللغات.

ثمّ تناول المحاضر الأخطار والتّهديدات الّتي تعرّضت لها اللّغة العربيّة في العصر المملوكيّ، وأشار إلى أنّ من أشد الأخطار التي تعرض لها المسلمون والعرب غارة المغول والتتار على بلادهم في القرن السادس الهجري، ففي المحرم سنة 656هـ حاصر هولاكو (بغداد)، فدافع جيش الخليفة عنها، ولكنه لم يقوَ على الصمود لجيش المغول، فسقطت المدينة في أيديهم آخر الشهر، واستولى المغول على العراق، وأزالوا الدولة العباسية من الوجود.

ثمّ وضّح آثار الهجمة المغوليّة، وهي:

1- إتلاف الكتب ونهبها:

لقد اعتدى المغول على المكتبات وكتبها في المدن المحتلة، وكان من دأبهم أن يحرقوا المكتبات، وأن يجعلوا الكتب الثمينة طعامًا للنيران والمواقد، يقول السيوطي: “حكي عن الصاحب بن عباد أن بعض الملوك أرسل إليه يسأله القدوم عليه، فقال له في الجواب: أحتاج إلى ستين جملاً أنقل عليها كتب اللغة التي عندي، وقد ذهب جلُّ الكتب في الفتن الكائنة من التتار وغيرهم، بحيث إن الكتب الموجودة الآن في اللغة من تصانيف المتقدمين والمتأخرين لا تجيء حمل جمل واحد”، ولقد شاع بين أوساط الخاصة والعامة أن المغول دمروا مكتبة بغداد، ورموا كتبها في نهر دجلة، يقول ابن تغري بردي: “وأُحرقت كتب العلم التي كانت بها – يعني ببغداد – من سائر العلوم والفنون، التي ما كانت في الدنيا، قيل: إنهم بنوا بها جسرًا من الطين والماء عوضًا عن الآجُرِّ”، ولقد كان حرق الكتب وتدمير المكتبات وراء تخلف الأمة العربية والإسلامية، فقد ضاع حوالى ثمانية ملايين كتاب عربي بسبب الجهل والتعصب والغزو الأجنبي، وإن حرق الكتب وتدمير المكتبات يعد من بين أهم الكوارث التي واجهت الحضارة العربية والإسلامية منذ تاريخها الطويل وحتى يومنا هذا، وإنه السبب الرئيس لتخلفها عن النهضة العلمية وسر ضعفها، وجعلها نهبًا للمستعمر الأجنبي، فإن المتبحر في تتبع بناء الحضارات في العالم قديمًا وحديثًا، يجد أن تأسيس المكتبات، واحترام الكتب، والمحافظة عليها، وتبجيل العلماء والكتاب، هو سر بزوغ الحضارات في العالم، وسبب شهرتها.

 2-  تدمير المراكز العلمية ونهبها:

لقد اعتدى المغول وأحلافهم على المراكز العلمية في البلاد المحتلة، فأحرقوا بعضها، ودمروا أخرى، ونهبوا محتوياتها، وهذا ما فعلوه في بعض مدارس حلب وجوامعها سنة 679هـ، كما أحرقوا الكثير من المدارس ودور الحديث في دمشق سنة 699 هـ، ولم تأمن المساجد من أذى المغول، فاقتحموها، وعبثوا بمحتوياتها ونهبوها، وأحرقوا بعضها، وقد حملت المساجد منذ ظهور الإسلام أمانة هذا الدين، وتدريس علومه، وغيرها، فكانت مقصد طلاب العلم، ينهلون فيها العلوم من كبار العلماء، ولعبت المساجد دورًا مهمًّا في تنشيط الحركة العلمية، ونشر العلوم، في العصر المملوكي مثلاً، وهذا ما يؤكده مؤرخو هذا العصر، ومنهم المقريزي، إذ تحدث عن حال الجامع الأزهر آنذاك، فقال: “لم يزل في هذا الجامع منذ بُنِيَ عِدَّةٌ من الفقراء، يلازمون الإقامة فيه، وبلغت عدتهم في هذه الأيام سبعمائة وخمسين رجلاً؛ ما بين عجم، وزيالعة، ومن أهل ريف مصر، ومغاربة، ولكل طائفة رواق يُعرف بهم، فلا يزال الجامع عامرًا بتلاوة القرآن، ودراسته، وتلقينه، والاشتغال بأنواع العلوم، والفقه، والنحو، ومجالس الوعظ، وحِلَق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس بالله، والارتياح، وترويح النفس، ما لا يجده في غيره”.

 3- خَسارة جُلِّ العلماء والأدباء:

لقد نكَّل المغول بعدد كبير من علماء الأمة الإسلامية وأدبائها إبَّان غزوهم واحتلالهم المدن الإسلامية في العصر المملوكي، فقد أُصيب كثيرون منهم بجراحات خطيرة، وهم يشاركون الجيش الإسلامي جهاد المغول، وأُسِرَ آخرون، فنُكِّل بهم، وأُذيقوا من العذاب ألوانًا، وأبلوا بلاءً حسنًا، وهناك طائفة كبيرة وعظيمة من العلماء والأدباء الذين قتلوا إبَّان الغزو المغولي للبلاد الإسلامية، ويتبين من تراجمهم أنهم كانوا ذوي مكانة مرموقة في مجتمعاتهم، وأن دورهم كان كبيرًا في رصد الحركة الفكرية والأدبية في عصرهم، فقد تنوعت علومهم ومعارفهم، واشتغلوا بالفقه، والحديث، والأصول، والتفسير، والنحو، واللغة، والنجوم، والفروض، والأدب، والشعر، والكتابة، والخطابة، وغير ذلك، وصنفوا كتبًا كثيرةً في تلك العلوم والفنون، ومن هنا ندرك الخسارة الكبيرة التي مُنِيَ بها المسلمون بموتهم، وتتضح لنا همجية المغول.

 من الآثار الإيجابية للهجمة المغولية:

لقد كان للغزو المغولي أثر إيجابي في الثقافة العربية الإسلامية، ويتمثل ذلك في كتب التاريخ الخاصة التي سردت أحداث هذا الغزو، أو تناولت بعض جوانبه، وأَثْرت المكتبة العربية بما قدمته من معلومات، ومنها كتاب “تفتت الأكباد في واقعة بغداد”، لنجم الدين أبي الخير الدِّهْلي، المتوفى سنة 680هـ، ويتجلى الأثر الإيجابي في النصوص الأدبية الكثيرة، التي واكبت الغزو المغولي، وصورت أحداثه، والعلاقات السياسية والاجتماعية بين المغول والمسلمين، وما يهمنا هنا أن الغزو المغولي أثرى اللغة العربية بألفاظ كثيرة، مبثوثة في كتب التاريخ والأدب والتراجم، وهي ذات أصول مغولية، أو فارسية، أو تركية، والجامع بينها أن المغول كانوا ينطقون بها، ودخلت اللغة العربية جرَّاء غزوهم، كما لم يمتنع المغول من الأخذ بمقومات الحضارة الإسلامية، ولم يعترضوا على إنشاء المدارس والمعاهد العلمية، كما أن كثيرًا من المغول قد دخل الإسلام وحسن إسلامهم، وأبلوا بلاءً حسنًا في سبيل نشر الإسلام ونصرته، فبعد أن كانوا معاول هدم وتدمير لمجتمعاته، أصبحوا بعد عدة سنين لَبِنَات بناء قوية تصد عنه أنواء الأعداء العاتية، يقول غوستاف لوبون: “هؤلاء الهمج المتوحشون الذين هدموا الآثار والبنايات، وأحرقوا الكتب والمكتبات، وأراقوا الدماء، ونكلوا بالأشلاء، وخربوا بغداد، وعاثوا فيها فسادًا – هؤلاء الهمج المتوحشون أنفسهم أخذوا بعجائب هذه الحضارة، وأصبحوا من حماتها”، ويضيف الكاتب أنه في مدرسة العرب تحضَّر المغول، فتبنوا دينهم وحضارتهم، وقربوا إليهم علماءهم، وأكرموا أساتيذهم، وأقاموا في الهند إمبراطوريةً ودولًا كبرى، لا يمكن نفي عربيتها؛ لأنها قامت على عناصر هذه الحضارة العربية ومنجزاتها.

 

وحول المحور الثّالث في المحاضرة بيّن المحاضر  الدّور المهم للعلماء إبان العصر المملوكي، وقد تجلى ذلك الدور في تعليم الناس، وفي الوقوف في وجه الظلم، وفي شحذ همم الأمة ونفوسها؛ لتقف صخرة قوية في وجه ما يتهددها من أخطار عظيمة تجلت في سيول التتار الجارفة التي لا تنقطع، وفي غارات الصلبيبين وحملاتهم المتواصلة على السواحل الشامية والمصرية، وسواحل الجزيرة العربية في أخريات أيام الدولة المملوكية.

وكانت الترجمة من اللغات الأعجمية إلى العربية، أو من العربية إلى اللغات الأعجمية مما اضطلع به نفر من علماء ذلك العصر سواء أكانوا من الفقهاء أم المتصوفة أم المؤرخين أم الحكماء والفلاسفة، مقدمين خبراتهم العلمية والمعرفية سائغة لديوان الإنشاء المركزي في القاهرة، أو للدواوين الفرعية التي نسجت على غراره في النيابات الأخرى كدمشق وحلب وطرابلس وصفد وغزّة والكرك.

وبعد المحاضرة فُتح المجال للتّعقيب، والمداخلات، والأسئلة، وشارك عدد من الباحثين والخبراء، فبُدئت المشاركات بمداخلة للدّكتور صالح بدويّ، ثم الّدكتور أشرف سالم، ثمّ الأستاذ الدّكتور رياض الخوّام، ثمّ الدّكتور رضا الكشّو، وردّ المحاضر على التّعقيبات الأمر الّذي أثرى الأمسية.

وفي نهاية الأمسية قام رئيس المجمع بتكريم المحاضر عرفانًا وتقديرًا لجهوده المباركة في خدمة اللّغة العربيّة، ثمّ تناول الحضور طعام العشاء.

الأمسية على قناة المجمع في اليوتويب:

للمزيد من الصور:
اضغط هنا

IMG_7550 (نسخ) IMG_7563 (نسخ) IMG_7551 (نسخ)
IMG_7542 (نسخ)


2 التعليقات

    1. 1
      علي عمر سكيف

      بسم الله الرحمن الرحيم
      تحيَّة وبعد
      أنا الباحث علي عمر سكيف من سورية مقيم حالياً في أمريكا.
      أَوَّل مُكتشف لأصل ومنشأ الأبجدية واللغة العربية .
      إذا رغبتم فأنا على أتم الاستعداد لتزويدكم بنسخة من البحث المُوَثَّق بالقرائن المادية والأثرية يصل إلى درجة اليقين. علماً بأنَّ هذا الاكتشاف يُشير بأنَّ اللغة العربية هي لغة أزلية وليست من صنع بني البشر بل هي هبة من الله إلى الأمَّة العربيّة حصرياً.
      أمريكا – نورث كارولاينا
      14 / 6 / 2016

      (0) (0) الرد
      1. 1.1
        القسم التقني 1

        نرغب في ذلك ونرحب به، ونشكر لكم سلفًا جهدكم وعنايتكم باللغة العربية، ولكم التحيّة.
        يرجى إرسال مرفقاتكم على بريد المجمع: info@marabia.com.sa

        (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *