“موضوع علم الصرف، ومجالاته المعرفية” محاضرة لـ أ.د. عبدالحميد النوري بمقر المجمع


“موضوع علم الصرف، ومجالاته المعرفية” محاضرة لـ أ.د. عبدالحميد النوري بمقر المجمع


2o1a0665-%d9%86%d8%b3%d8%ae

مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية - مكة المكرمة

في مساء السبت السابع من المحرم سنة 1438هـ، نظم مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية أمسية علمية بعد صلاة العشاء في مقره بحي الزايدي بمكة، وتلك سنة درج عليها المجمع في أول سبت من كل شهر هجري.

وتوافد الحضور من أهل العلم والثقافة لشهود الأمسية حتى امتلأ المكان بهم، ثم بدأت فقرات الأمسية -وكانت بتقديم الأستاذ هاني الحارثي-، بكلمة افتتاحية للأستاذ الدكتور عبدالعزيز الحربي رئيس المجمع، رحب بها بالمحاضر والحاضرين، ثم عرض قراءة لغوية وتفسيرية في آيتين من القرآن الكريم، هما قوله تعالى في الآية الثالثة والثلاثين بعد المئة من سورة آل عمران: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، وقوله تعالى في الآية الحادية والعشرين من سورة الحديد: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}، حيث ذكر بعض الوجوه التفسيرية والفروق اللغوية بين لفظي {وسَارِعُوا}، و{سَابِقُوا}.

ثم عرَّف المقدِّم بالضيف المحاضر، وهو عضو المجمع وهيئةِ التدريس بجامعة أم القرى، الأستاذ الدكتور عبدالحميد عبد الواحد النوري، تونسي الجنسية، ولد سنة 1954م بقابس في تونس، حاصل على الدكتوراه في تخصص اللغة العربية (نحو/ صرف ولسانيات)، ويعمل في جامعة صفاقس بتونس، ملحق حاليا بجامعة أم القرى في مكة.

نال شهاداته العليا من الأستاذية إلى الدكتوراه من جامعة باريس 3 (السوربون الجديدة).

وله نشاطات تعليمية في جامعات تونس وأم القرى، وله كتب منشورة، منها:

- من أصول التصريف. شرح التصريف الملوكيّ، كليّة  الآداب  والعلوم الإنسانيّة بصفاقس ودار قرطاج  للنشر والتوزيع، صفاقس- تونس، 2010م.

- الكلمة في اللّسانيّات الحديثة، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيةّ بصفاقس ودار قرطاج للنشر والتوزيع، صفاقس- تونس، 2007م.

- الكلمة في التراث اللّساني العربيّ، نشر مكتبة  علاء  الدين.  صفاقس- تونس، 2004.

وللمحاضر دراسات وبحوث أخرى نُشر بعضها، وبعضُها لم ينشر.. وكُتب بعضها باللغة الأجنبية.

ثم شرع المحاضر في تقديم ورقته، وهي بعنوان “موضوع علم الصرف، ومجالاته المعرفية”. وبدأ في ذكر مسألة تعدد المصطلح، مع نبذة تاريخية موجزة عن مسيرة المصطلح، ثم بعض تعريفات هذا العلم، فذكر تعريف الإستراباذي، ودورَه في بلورة هذا العلم، واستقراره. ثم تعرض المحاضر إلى شرح جزئيات التعريف كالبنية وأحوال الكلم، دون أن يهمل الإشارة إلى مفهوم التصريف عند ابن جني.

ثم أشار المحاضر إلى اشتمال ورقته العلمية على ثلاثة عناصر، وهي مقدمات عامة، وموضوع علم الصرف، ومجالاته ومستوياته.

وذكر أن الصرف من حيث المنهج قائم على الملاحظة والرصد والتفسير والتعليل لبعض الظواهر اللغوية، واعتمادِه على الاستقراء للقواعد، مما يجعل فيه أنساقًا نحوية وصرفية.. وتقوم هذه القواعد على الانطلاق من الجزئيات لاستنتاج الكليات، ومن الكليات لتطبيق الجزئيات.

وذكر أن الصرف نظرية علمية؛ لأن مقومات العلمية متوفرة فيه، كالاستنباط والاستقراء والتحليل والوصف والتفسير..

ثم تعرض لبعض أقوال القدماء في التصريف، ومن ذلك قولهم أن فيه غموضًا ولطفًا، وهو أشرف شطري العربية كما يرى ابن عصفور.

ثم عرَض للتصريف عند سيبويه، وذكر أن مسائله في الكتاب مشتتة.. وأن الصرف لم يستقل عن النحو إلا عند المازني في كتابه “المنصف”. وتتابع التصنيف في الصرف بعد ذلك على منحيين، إما بدمجه مع النحو، أو بإفراده بالتصنيف..

ثم يعود المحاضر إلى مفهوم مصطلح التصريف عند ابن جني، وموضوعِه، ومفهومُه هو تقليب الكلمات والتغيراتُ التي تطرأ عليها، والتصرفُ في الأصول بالزيادة أو الإبدال أو الإعلال.. ويرى أن مفهوم ابن جني للمصطلح يتداخل مع مصطلح الاشتقاق؛ ليَعرِض المحاضر هنا لبعض أوجه العلاقة بين التصريف وبين الاشتقاق والإعراب.

وانتقل المحاضر إلى النقطة الأخيرة، وهي مجالات علم الصرف، فنقل كلامًا لابن جني، وهو قوله: “التصريف وسيط بين النحو واللغة يتجاذبانه، والاشتقاق أقعد في اللغة من التصريف، كما أن التصريف أقرب إلى النحو من التصريف”.

وعرَض المحاضر بناءً على هذا النقل علاقة التصريف بالاشتقاق، فكلاهما يقوم على تقليب أوجه الكلمة إلى صيغ مختلفة، وهذا جزءٌ من وظائف التصريف، فهو أعم من الاشتقاق.

ثم نقل المحاضر نصوصًا لبعض القدماء في تقسيم التصريف، ومن ذلك قول ابن جني: “التصريف خمسة أنواع: زيادة ونقل وبدل وحذف وتغيير حركة وإدغام”. وأشار إلى أن الإستراباذي فرق بين مصطلحين في تعريف الصرف، هما الأبنية وأحوال الأبنية؛ فهو يجعل الأبنية أقرب إلى الاشتقاق، والأحوال هي التغيرات اللاحقة للأبنية كالإعلال وما شابهه.

ثم أشار إلى ابن هشام وتفريقه بين التصريفين اللفظي والمعنوي، فالمعنوي ما يتعلق بالصيغ كالفعل واسم الفاعل واسم المفعول، واللفظي ما يتعلق بالتغيير الصوتي داخل البنية كالإبدال والإعلال وما شابههما.

ثم ذكر تقسيم ابن عصفور الثنائي للتصريف، حيث يرى أنه نوعان، أولهما هو جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني، والآخر هو تغير الكلمة عن أصلها، من غير أن يكو التغيير دالًّا على معنى، وهو ما يعبر عنه بالإعلال والإبدال ونحوهما.

ثم خرج المحاضر بملحوظات عامة، منها أن بين التصريف والاشتقاق نسبًا، وأن كل اشتقاق تصريف، ولا عكس؛ وأن مسائل الصرف في قسمه اللفظي شديدة الارتباط بالمسائل الصوتية؛ وأن الصرفيين القدماء يكادون يجمعون على التقسيم الثنائي للتصريف، وهو لا يتعارض مع تقسيم ابن جني، حيث يمكن اختزال تقسيمه الخماسي إلى نوعين فقط.

وشدد المحاضر على أهمية التمييز بين نوعي التصريف، أي ما يتعلق بتقليب الكلمات على صيغ مختلفة لمعان متعددة، وما يتعلق منه بالتغيرات الصوتية في الأبنية؛ والقسم الأول المعني بتقليب الكلمة إلى صيغها المختلفة هو ما يطلق عليه في عصرنا المورفولوجيا. وأما القسم المتعلق بالتغيرات الصوتية كالإعلال ونحوه فهذا هو التصريف الصوتي، ويطلق عليه في عصرنا الفونولوجيا.

وأشار المحاضر إلى أن القدماء لم يفرقوا بين القسمين في التسمية بمصطلح التصريف عامة، وإن كانوا فرقوا بينهما في التقسيم داخل المصطلح، فهذا تصريف معنوي، وذاك تصريف لفظي. أما المحدثون ففرقوا بينهما في التسمية الاصطلاحية، كما رأينا في مصطلحي المورفولوجيا والفونولوجيا. والثاني يطلق عليه الأصوات الوظيفية والتشكيل الصوتي عند المشارقة، والصوتوية والصواتة عند المغاربة.

وختم المحاضر ورقته بالتنويه بأهمية توحيد المصطلح، وتحريره في هذا المجال.

ثم فُتح المجال للمتدخّلين، للرد والتعقيب؛ فأخذ الدكتور محمد ربيع الغامدي الكلمة، وانتقد على المحاضر إيرادَه نقولًا للقدماء في غير سياقاتها الصحيحة، كتفسير مصطلح التصريف عند ابن جني ومَن تبعه؛ واستدرك عليه أن لفظ التصريف في كتاب سيبويه لم يَرد بوصفه الاصطلاحي، غيرَ مرة واحدة، حيث عَنى به مسائل التمرين، وهو أول معنى مستخدم للمصطلح.

وتعقب المحاضرَ في كلامه عن الفرق بين الاشتقاق والتصريف، وجاء بنقول تفيد معنى للتصريف لم يَذكره المحاضر، وهو التمرين، وهو مختلف عن تقليب الكلمة إلى صيغ مختلفة، وهو المناسب للاشتقاق.

وأشار إلى ورود بعض الإشكالات في كلام المحاضر عن العلاقة بين التصريف والاشتقاق كتفريقه بين النزول من الأصل للفرع، والصعود من الفرع إلى الأصل، بتسمية الأول اشتقاقًا، والثاني تصريفًا.

ثم طرح الأستاذ هاني المطرفي سؤالًا عن إنجازات اللغويين في حوسبة اللغة العربية، وهل هناك جهود في هذا المجال؟

ثم تدخل الأستاذ الدكتور حسن العثمان معقبًا على المحاضر منتقدًا عدم وضوح كلامه عن العلاقة بين التصريف والاشتقاق، حيث اقتصر في حديثه على نوع من الاشتقاق هو الاشتقاق الصغير، وأهمل بقية أنواع الاشتقاق. وتساءل الدكتور العثمان عن علاقة بقية أنواع الاشتقاق بالتصريف واللغة.

وبين الدكتور العثمان أن ابن جني يرى أن الاشتقاق أوسع من التصريف، وهذا مخالف لما ذكره المحاضر من أن الاشتقاق نوع من أنواع التصريف، والتصريف أعم منه.

ثم تدخل الدكتور محمد شادي، وتناول كلامًا للخليل في مقدمة العين عن صفات صوتية كالذلاقة والإصمات، متسائلًا عن علاقة ذلك بالتصريف.

وانتقد على المحاضر أهمالَه مسائلَ التمرين في ورقته، وهي المعنى الأول للمصطلح في نشأته، وإغفالَه التطور التاريخي لعلم الصرف، ولا سيما مسائل القلب والإعلال والإبدال.

وردّ على ما رأى أنه إهمال من المحاضر لبيان دور ابن جني في علم الأصوات وعلاقته بالتصريف، فذكر أن ابن جني تحدث كثيرًا عن ذلك في “الخصائص”، ولا سيما عن المناسبة بين الأصوات والمعاني.

ثم تدخل الدكتور عبدالعزيز الطلحي، وذكر أن المحاضر اقتصر في درسه لمجالات علم الصرف على العلوم البينية، أي المشتركة بين العلوم اللغوية، ولم يدرس المجالات المختصة بعلم الصرف. كما أهمل المحاضر معنى مصطلح التصريف في أحد إطلاقاته، وهو ما يقابل معنى الجمود في الأفعال. ومصطلح الجمود يقابل التصريفَ في الأفعال، والاشتقاقَ في الأسماء.

وانتهى الوقت المخصص للردود والتعقيبات، وعاد الكلام للمحاضر، فثمن ردود المتدخلين وتعقيباتهم، من حيث قيمتُها العلمية، ودورُها في إغناء الموضوع.

وذكر في رده على تعقيب الدكتور الغامدي أن الورقة تشتمل على قراءة معرفية، ولا تتعرض للمسيرة التاريخية لهذا العلم إلا بقدر ما يخدم العنوان. ومنهجُ المحاضرة هو اختيار نصوص قديمة للتفسير والتحليل. وكل النصوص المقتبسة كانت في سياقاتها الصحيحة. ثم نبه الدكتور إلى أهمية إعادة قراءة النصوص القديمة، والتمعن فيها.

ثم ذكر أنه لم يركز على قضية المصطلح كثيرا، وإن كان عرَض له بإيجاز دون إهمال معاني المصطلح، ومسيرته.

وفي جوابه عن سؤال الأستاذ المطرفي عن الحوسبة اللغوية، ذكر أن ثمة جهودا في المغرب وتونس وفرنسا تصب في هذا المجال، ولكنها ما زالت في بداياتها، وطلب إحالة السؤال إلى المعنيين بالحوسبة من اللغويين.

وتعقيبًا على كلام الدكتور العثمان، ذكر أن أنواع الاشتقاق غير الصغير لا تهم الورقة، ولا علاقة لها بالتصريف.

وفي رده على مشاركة الدكتور محمد شادي الذي أشار إلى البدايات المبكرة لعلم التصريف منذ الهرّاء، ذكر أنه يركز على النصوص الموثقة للقدماء، دون عرض موسع للمسيرة التاريخية لهذا العلم، كما ذكر في رده على متدخل سابق. ورأى أن ما أشار إليه المتدخل من ذكر الخليل لبعض المصطلحات الصوتية كالذلاقة والإصمات يعد من الجهود الأولى في التصريف الصوتي، وأضاف إليها طريقته في ترتيب المعجم، وحصر الجذور اللغوية.

وفي رده على الدكتور شادي الذي اتهمه بإهمال دور ابن جني في علم الأصوات، أنكر ذلك، بل أشار إلى بعض جهوده الصوتية في كتابيه “سر صناعة الإعراب”، و”الخصائص”.

وفي رده على مشاركة الدكتور الطلحي ذكر المحاضر أن العلوم البينية، التي أسماها هو مجالات، لا مفر من تناولها.

ثم عقب على استدراك الدكتور الطلحي بالحديث عن مصطلح الجمود، فذكر أن مصطلحي التصريف والجمود المتقابلين في الأفعال لا علاقة لهما بموضوع الورقة، فهي تُعنى بالتصريف مصطلحًا للعلم المعروف. ثم بين معنى التصريف في مقابل الجمود والاشتقاق، الذي أشار إليه الدكتور الطلحي في مشاركته.

وهنا انتهى المحاضر من الرد والتعقيب، وكان موعد إلقاء القصيدة الفائزة بالمرتبة الأولى من مسابقة المجمع في التنويه باللغة العربية، حيث ألقاها الأستاذ أحمد سالم الشنقيطي. ثم تلا ذلك كلمة ختامية للأستاذ الدكتور عبدالعزيز الحربي، ذكر فيها حيثيات المسابقة الشعرية، ثم سرد أهم أخبار المجمع ومنجزاته.

2o1a0621-%d9%86%d8%b3%d8%ae 2o1a0638-%d9%86%d8%b3%d8%ae 2o1a0715-%d9%86%d8%b3%d8%ae 2o1a0722-%d9%86%d8%b3%d8%ae

 

للمزيد من الصور:
اضغط هنا


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *