“القواعد الكبرى: دليل عبقرية العربية وحكمتها وإحكامها” محاضرة لـ د. حسن العثمان بمقر المجمع


“القواعد الكبرى: دليل عبقرية العربية وحكمتها وإحكامها” محاضرة لـ د. حسن العثمان بمقر المجمع


2o1a0835-%d9%86%d8%b3%d8%ae

مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية - مكة المكرمة

في مساء السبت الخامس من صفر سنة 1438هـ، نظم مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية أمسية علمية بعد صلاة العشاء في مقره بحي الزايدي بمكة المكرمة، وتلك سُنّة درج عليها المجمع في أول سبت من كل شهر هجري.

وتوافد العديد من رجال العلم والأدب والثقافة لشهود الأمسية حتى امتلأ المكان بهم، ثم بدأت فقرات الأمسية -وكانت بتقديم الأستاذ هاني الحارثي-، بكلمة افتتاحية للأستاذ الدكتور عبدالعزيز الحربي رئيس المجمع، رحب فيها بالمحاضر والحاضرين، ثم انتقى من عنوان المحاضرة كلمة «عبقري»، فعرض لها في حديث لغوي وتفسيري من خلال قوله تعالى: {عبقري حسان}.

ثم عرَّف المقدِّم بالضيف المحاضر، وهو عضو المجمع وهيئةِ التدريس بجامعة أم القرى، الأستاذ المشارك الدكتور حسن العثمان، حاصل على دكتوراه في النحو والصرف، من جامعة أم القرى عن أطروحته “شرح شافية ابن الحاجب للخضر اليزدي: دراسة وتحقيق”. ومن كتبه الأخرى:

- بغية الطالب في الرد على تصريف ابن الحاجب لابن الناظم (دراسة وتحقيق).

- إيجاز التعريف في علم التصريف لابن مالك (تحقيق).

- الأمهات في الأبواب النحوية (تأليف).

ثم شرع المحاضر في تقديم ورقته العلمية، وهي بعنوان «القواعد الكبرى: دليل عبقرية العربية وحكمتها وإحكامها».

استهل المحاضر ورقته بالحديث عن القواعد الكلية الكبرى والقواعد الجزئية الصغرى، وذكر أن من خصائص الكبرى الشيوع والانضباط، في حين تختص الصغرى بأبواب معينة تندرج تحتها، وتكون وراء العلل التعليمية الأول. وساق المحاضر نماذج للقواعد الصغرى منها: «اتحاد السبب والمسبب ممتنع»، و«عدم التقدير أولى من التقدير»، و«التجوز في الأواخر أسهل»، و«غير المختص لا يعمل»، و«المختص يعمل»..

ورأى المحاضر في عرضه أن القواعد الكبرى هي أربع فقط، وهي التماس الخفة، وأمن اللبس، وإقامة العدل، والاتساق (ويسميه تمام حسان بالطرد أو الاطراد).

ثم بين منطلقاته التي ارتكز عليها في هذا التقسيم، وهي:

الأول: اتفاق علماء الفقه والأصول على أن قواعد الفقه التي بُني عليها خمس، وهي: «الأمور بمقاصدها»، و«اليقين لا يزول بالشك»، و«المشقة تجلب التيسير»، و«الضرر يزال»، و«العادة محكمة». وثمة قواعد أخرى أقل شمولًا من هذه القواعد الخمس.

الثاني: أن اللغة نظام، ولكل نظام ثوابته ومتغيراته.. فالمتغيرات هي القواعد الجزئية الصغرى التي هي تبع لأبوابها الخاصة. والثوابت هي القواعد الكبرى التي أجملها الباحث في الأربع المذكورة.

الثالث: عدم خروج تعليلات النحاة لجميع قواعدهم الجزئية عن هذه الأربع المذكورة.

الرابع: إشارة الدكتور تمام إلى هذا الموضوع، إذ عدًّ ثلاثًا من هذه القواعد وسماها ظواهر لغوية، ولم يسمها قواعد، وزاد المحاضر الرابعة، وهي إقامة العدل.

ثم ساق المحاضر أمثلة عديدة لتقديم مراعاة القواعد الكلية الكبرى عند اجتماع إحداها مع قاعدة جزئية صغرى؛ فقاعدة أمن اللبس تقدم في المراعاة على قاعدة التقاء الساكنين، كما في «اكتبانِّ»، وعلى قاعدة الإعلال كما في «رميَا»، وعلى قاعدة المحافظة على رتبة المبتدإ، كما في نحو «في الدار رجلٌ»، «إنما في الدار زيدٌ»؛ وذلك لأن قاعدة أمن اللبس قاعدة كبرى، وما عارضها قواعد صغرى.

ومثَّل المحاضر لتقديم قاعدتيْ إقامة العدل والاتساق في المراعاة بتقديم الخبر في نحو «أين زيد»، حيث قُدم الخبر «أين»؛ لأنه مما له الصدارة مراعاةً لإقامة العدل والاتساق، مع إهمال قاعدة المحافظة على رتبة المبتدإ؛ لأنهما قاعدتان كبريان، عارضتهما قاعدة صغرى.

ومن أمثلة مراعاة التماس الخفة مع أمن اللبس أيضا حذفُ الخبر وإغناءُ غيره عنه في نحو: «أقائم الزيدان؟»، و«لولا زيد لحضرت»، و«ألذُّ شربي العصير باردًا»، و«كلُّ كتاب وعنوانه». وقد قُدمَ هنا مراعاة التماس الخفة وأمن اللبس على قاعدة ذكر الخبر.

ثم شَرع المحاضر في الحديث المفصل عن القواعد الكبرى، مستهلًّا إياها بالحديث عن أمن اللَّبس، فذكر وسائله وأبوابه، وبسَط القول فيها، ولا سيما القرائن.

ثم انتقل إلى القاعدة الكبرى الثانية، وهي التماس الخفة. ومن أمثلة الثقل اللفظي توالي الحركات، وتوالي الأمثال، وتنافر الحروف، والتقاء الساكنين…

ثم ساق أمثلة للخفة والثقل المعنويين، وذكَر بعض مظاهر الخفة، ومنها: كراهة توالي المتحركات أو الأمثال، والمناسبة، والمجانسة، والمماثلة، والإتباع، والتوسع، والإعلال كله، والإبدال كله، والإمالة كلها، والإدغام، وتخفيف الهمز، ومنع التقاء الساكنين، والترخيم، والإضمار، والحذف، والاكتفاء، والعدول..

ثم استطرد في الحديث تفصيلًا وتمثيلًا عن بعض هذه المظاهر، كالحذف، والاكتفاء، والاشتباك، والاختزال، والعدول.

وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن القاعدة الكلية الكبرى الثالثة، وهي إقامة العدل، وهي من الأصول التي بُنيت عليها اللغة، ومقصودُها تنزيه اللغة عن الظلم والجور، وإعطاؤها كل ذي حقٍّ من الكلمات والجمل والتراكيب حقَّه.

ولهذه القاعدة أربعة مظاهر: أولها معرفة القدر، وثانيها عدم الظلم والإجحاف، وثالثها جبر الكسر ودفع الوهن، ورابعها التسوية بين الشيئين في ما مِن حقه التسوية. وقد شرح المحاضر هذه المظاهر بإيجاز.

ثم انتقل إلى القاعدة الكبرى الأخيرة، وهي الاتساق، وهذه القاعدة هي نتيجة لتضافر الثلاثة الأول، فإن تخلفتْ واحدة منها لم يقع الاطراد. ثم وازن بين القواعد الكبرى الثلاثة الأول في الأولوية والترتيب، مبينًا أن لكل قاعدة مواردها واستعمالاتها المقدمة فيها على غيرها؛ ففي الثقل تقدم قاعدة التماس الخفة على غيرها، وهكذا.

وهنا اختتم المحاضر محاضرته، ليُفتح المجال للاستفسارات والتعليقات..

وبدأت المداخلات بكلمة للأستاذ الدكتور ياسين أبو الهيجاء حيث رأى أن الحاجة في المحاضرة إلى التمييز والمزايلة بين اللغوي والنحوي، وبين التنظير والاستعمال قائمة، وأن ثمة فروقًا دقيقة بين بعض المصطلحات الواردة في المحاضرة لم تستوف كفايتها من البحث، كالفرق بين العلة والعامل، وبين التقديم والتأخير..

وتساءل عن معنى العبقرية والحكمة، وجدوى وصف اللغة بهما انطلاقًا من المعايير والأصول التي ذكرها الباحث، ورأى أنه لا خصوصية للعربية في توفرها على هذه المزايا، بل كل لغة لها نصيب من ذلك، حتى اللهجات.

وانتقد على الورقة تداخلَ المصطلحات، والخلط بين التنظير والاستخدام.. والحاجة إلى المزايلة والتحديد.. وعدم دقة عنوان المحاضرة، حيث كان ينبغي أن يكون حول القواعد لا اللغة. وأثنى أخيرًا على مستوى المحاضرة، وقيمتها العلمية، وغزارة مادتها.

 

ثم تقدم الأستاذ الدكتور عبدالحميد النوري، فتساءل عن مكامن عبقرية اللغة، أهي في القواعد أم في اللغة ذاتها؟ وعن سر تحديد عدد القواعد الكبرى بأربع فقط.

ورأى أن المحاضر لم يُعرف القواعد نفسَها، ولم يبين حدودها، وكان الحديث عنها إجماليًّا.

وأضاف أن ما رآه المحاضر قواعد كبرى هو عند التحقيق مبادئ لغوية توجد في كل لغة، في العربية وغيرها، وتحديدُها في أربع قواعد غير دقيق.

ورأى كذلك أن القواعد الأخرى التي ذكرها المحاضر هي نتائج لشروط وظواهر لغوية.

ثم استطرد في الحديث عن بعض الظواهر اللغوية المتصلة بموضوع المحاضرة.

ثم تقدم الأستاذ الدكتور محمد ربيع الغامدي فأثنى على المحاضرة ونوّه بقيمتها العلمية، وثمّن جهد صاحبها في الجمع والتفريع. وقدَّم ما سماه اعتراضاتٍ على بعض الجزئيات، دون فكرة المحاضرة.

فاعترض على الربط بين أصول النحو، وأصول الفقه؛ ورأى أنهما متعارضان، واستبعد أي صلة بينهما. واقترح تخصيص إحدى جلسات المجمع أو أمسياته لبحث هذا الموضوع ودراسته.

واعترض كذلك على قاعدة إقامة العدل، وذكر أنه لم يجد مثالًا أو صورة في اللغة تحقق فيها العدل.

ثم تقدم الأستاذ الدكتور سعد حمدان الغامدي فشكر المحاضرَ على جمعه الجيد لمادة الورقة، وأشار إلى جهد الدكتور تمام حسان في هذا المجال.

وانتقد التسمية بالقواعد الكبرى؛ ورأى أنها أدلة جدلية.. وهذه الأدلة روعي في وضعها مناهج الأصوليين. بل إن بعض الباحثين يرى أن النحويين لم يراعوا النحو في أول وضعهم لهذه الأصول، بل اخترعوها وفقا لأصول الفقه.

وانتقد كذلك الربط بين هذه الأصول، وبين عبقرية اللغة وحكمتها.

وتقدم المداخل الأخير، الدكتور عبدالعزيز الطلحي فذكر أنه سيحاول التوفيق بين المحاضر والمداخلين، فبين أن المحاضر لم يُلق محاضرة، بل كتب متنا يحتاج إلى شرح.

ورأى أن ثمة علاقة بين النحو وأصول الفقه، كما ذكر المحاضر في منطلقه الأول؛ لكنه رأى أن أصول النحو أسبق من أصول الفقه، وابن جني ذكَر شيئا من هذه الأصول، وربما دُوِّن في أصول النحو تصانيف قديمة مفقودة، فأصول الفقه متأخرة عن أصول النحو، عالةٌ عليها.

ورأى أن الأصول الكبرى للعربية لا تقتصر على الأربعة التي ذكرها المحاضر، بل يمكن الزيادة عليها بغيرها نحو: الإفادة، والاقتصاد، والوضوح، والعرف..

تعقيب المحاضر الدكتور حسن:

وبعد انتهاء المداخلات تحدث المحاضر، فأثنى على المداخلين، ورد على بعض الاستفسارات والانتقادات. فعقد موازنة بين العربية ولغات أخرى في مسألة ضبط الضمائر انتهى فيها إلى غنى العربية في هذ المجال، واحتج بذلك على إحكام العربية وإتقانها.

وبين في الموازنة بين التقعيد والاستعمال أن اللغة لم يصنعها النحويون، بل هم حكوا ظواهر اللغة، واستقرأوها.

ثم تحدث عن نموذج التماس الخفة، وشموله وما ينضوي تحته من قواعد صغرى كثيرة، وارتباطِ كثير من الظواهر اللغوية بهذه القاعدة.

وعلل اختياره لهذه القواعد الأربع بكونها هي الظواهر الأعم والأشمل، وأن جميع القواعد الصغرى تتجه نحوها، وتُراعَى هي دونها. والضوابط الكلية الكبرى هي كالقائد الذي يمشي بالصغرى لتنساق نحوها. أما الضوابط الجزئية الصغرى فهي التي تنضوي تحت كل باب، ولا تراعى في حال معارضة الواحدة منها لقاعدة كبرى.

ثم تقدم رئيس المجمع الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الحربي، في ختام الأمسية، فشكر المحاضر، ونوه بجهده العلمي، وما تشتمل عليه ورقته القيمة من تأصيل وتجديد؛ كما أثنى على كلمات المداخلين وتعقيباتهم، وشكر كذلك جميع الحاضرين على الحضور. وأعلن عن عنوان المحاضرة القادمة، وهو «أثر القراءات القرآنية في التوجيه البلاغي في سورة طه» للدكتور السيد حمدان عضو هيئة التدريس في جامعة طيبة – فرع ينبع، وموعدها في أول سبت من شهر ربيع الأول القادم.

للمزيد من الصور:

اضغط هنا

2o1a0851-%d9%86%d8%b3%d8%ae 2o1a0855-%d9%86%d8%b3%d8%ae 2o1a0858-%d9%86%d8%b3%d8%ae


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *