تقرير محاضرة “من اتجاهات القرارات اللغوية في مجمع اللغة العربية بالقاهرة” لـ أ.د. ياسين أبو الهيجاء


تقرير محاضرة “من اتجاهات القرارات اللغوية في مجمع اللغة العربية بالقاهرة” لـ أ.د. ياسين أبو الهيجاء


2O1A0678

مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية - مكة المكرمة

في مساء السبت الخامس من جمادى الآخرة لعام 1438هـ، الموافق للرابع من مارس لعام 2017م، نظم مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة أمسية علمية بعد صلاة العشاء في مقره بحي الزايدي بمكة، وتلك سُنَّةٌ درج عليها المجمع في السبت الأول من كل شهر هجري.
وتوافد الحضور من أهل العلم والثقافة لشهود الأمسية حتى غصّ بهم المكان، ثم بدأت فقرات الأمسية -وكانت بتقديم الأستاذ هاني الحارثي-، بكلمة افتتاحية للأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن علي الحربي رئيس المجمع، رحب بها بالمحاضر والحاضرين، ثم تكلم -كالعادة- بين يدي المحاضرة عن موضوع لغوي تفسيري، واختار الحديث عن النكتة اللغوية في تقديم الثيبات على الأبكار في قوله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا}، فذكر وجهين، أحدهما لفظي، وهو مراعاة اتصال النسق في جمع المؤنث السالم، والثاني: معنوي؛ وهو مراعاة الواقع وقت التنزيل، وهو أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كلهن ثيبات سوى عائشة. وثمة وجه لفظي آخر، وهو أنه قال بعد هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، فجزء هذه الآية عند قوله {نَارً} يصلح فاصلة مع الآية السابقة، ولا يلزم أن تكون الفاصلة رأس آية.

ثم شرع المحاضر في تقديم ورقته العلمية، والمحاضر هو الدكتور يس محمد أبو الهيجاء/ حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة اليرموك في الأردن/ أستاذ في كلية اللغة العربية- جامعة أم القرى- مكة المكرمة.
عنوان الورقة هو (من اتجاهات القرارات اللغوية في مجمع اللغة العربية بالقاهرة)، وقد استهلها المحاضر بالتنويه بمكانة هذا المجمع، ودوره العظيم في خدمة اللغة العربية، فهو أكبر مؤسسة خدمت العربية في تاريخها، وكان أعضاؤه من كبار اللغويين والأدباء في العصر الحديث، ومنهم خضر حسين، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، والعقاد، وعلي الجارم، وغيرهم.
والمجمع هو ثمرة جهود جماعية، غير أنه بلغ أوج عطائه في النصف الأول من القرن العشرين.. ثم تراخى بعد ذلك؛ لأسباب مختلفة.
وفي المجمع لجان عديدة متنوعة الاختصاصات، فثمة لجان للأصول والأساليب والمصطلحات واللهجات وغيرها، وتكلِّف اللجنة عضوًا منها بكتابة بحث في لفظ أو تركيب معين، ثم يُعرض البحثُ على اللجنة التي ترفعُه إلى مجلس المجمع، ثم يقدَّم إلى المؤتمر، ولا يُقَرُّ إلا إذا صادق عليه المؤتمر، ونُشر في المجلة.
وتناول المحاضر ظاهرة التجديد في قرارات المجمع، مستفيدا من رسالته للدكتوراه التي خصصها لهذا الموضوع، وقد قسم اتجاهات القرارات اللغوية إلى أربعة:
1- اتجاه تراثي.
2- اتجاه حداثي.
3- اتجاه تفصيح العامية.
4- اتجاه التيسير.

الاتجاه الأول: الاتجاه التراثي، وهو قسمان:
القسم الأول: تناول فيه المجمع قضايا لغوية كبرى، منها التضمين، والاستشهاد بالحديث، وغير ذلك، وقد خرج المجمع بقرارات جيدة تمتاز بالتنظيم والتلخيص والبيان، في بعض هذه القضايا، كظاهرة التضمين.
وأبحاث المجمع في هذا المجال تتّسِم بالتجديد والإضافة.. ومن ذلك إجازته الاشتقاق من الجوامد في حقول العلوم والمصطلحات الحديثة.
القسم الثاني: هو من قبيل الترف الفكري، إذ تناول فيه المجمع مسائل تراثية غير ملحة في استعمال الناس اليوم.. مثل النعت بالمصدر. وهذا النوع لا بأس ببحثه، ونشره في المجلة. ولكن عرْضه على المؤتمر وإخراجَه في صورة قرارات فيه تضييع للجهد، وخروج عن الأولويات التي ينبغي للمجمعيين الاشتغال بها.
الاتجاه الثاني: الاتجاه الحداثي، وهو ثلاثة أقسام:
1- انحرافات لغوية في بناء التراكيب والأساليب. ومن أمثلتها تقديم لفظ النفس أو العين على المؤكَّد، وجوازُ وقوع الشرط ماضيًا في نحو (مهما فعل)، وغيرُهما من المسائل التي بذل فيها المجمع جهودا كبيرة، في البحث وصياغة القرارات، وهي جهودٌ أعظمُ مما تستحقه هذه المسائل الصغيرة.
2- تراكيب وأساليب وافدة عن طريق الترجمة، لم ينتبه المجمعيون لبيئتها الأصلية.. فعاملوها -في البحث والدراسة- كما يعاملون الأساليب العربية الأصلية.. ومن ذلك مسألة الكون العام، نحو: (حَمض يوجد في عسل الشمع)، وكذلك مسألة (أحسن من ذي قبل)، ومسألة الكاف في نحو قولهم (أنا كباحث..)، وأسلوب (لم ولن أفعل)، وغيرها. واستدرَك عليهم المحاضر أسلوبًا مشابها لم يَعرِضوا له، وهو التركيب (من وإلى الإسكندرية).
3- تراكيب وتعابير أدرك المجمعيون أنها غير عربية، ولكنهم ساروا في تسويغِها على الطريقة الأولى دون النظر إلى بيئتها أو أصلها، ومثال ذلك كلامهم عن تركيب (حتى أنت يا فلان).
الاتجاه الثالث: اتجاه تفصيح العامية
تبنى المجمعيون هذا الاتجاه منذ أيام المجمع الأولى، وجعلوه من صلب أعمال المجمع واختصاصاته. وأشار المحاضر إلى أن دراسة اللهجات العامية مهمة، ولكن الخلل هو في إدخال ألفاظها ضمن القرارات المجمعية، وذكر أن ذلك أثار حفظية بعض الأعضاء غير المصريين كالشيخ العلايلي.
ومن الألفاظ العامية التي أجازها المجمع القاهري (استعبط، الكسوف، كويس..).
الاتجاه الرابع: اتجاه التيسير..
وبدأ من حملة إبراهيم مصطفى على النحو القديم بدعوى التيسير، حيث تبناها المجمع رسميًّا ضمن خطته للتيسير، وبنى عليها بعض قراراته المتعلقة بمناهج النحو العربي.. لكن سرعان ما تراجع المجمع بعد أن علت شكاوى اللغويين الغيورين من هذا التصرف؛ لأنه عبث باللغة وقواعدها.
وكان للدكتور شوقي ضيف جهد فردي في تيسير النحو العربي على طريقة إبراهيم مصطفى، وقد أخفق ولم تلقَ دعوته صدى، مثل سلفه؛ لأنهما انطلقا من فرضية أن الخلل والتعقيد هو في المادة النحوية نفسها، تبعا لما يراه طه حسين، والحق أن السبب هو في الأساليب والطرائق، لا في المادة.
وانتهت المحاضرة هنا، فبدأ المداخلون يفدون للمنصة؛ للتعقيب والتعليق.

فبدأ المداخل الأول -وهو الأستاذ الدكتور سمير محمود أحمد الدروبي- الحديث، منوها بجهد المحاضر في المادة العلمية، ورأى أنه بالغ في تعظيم دور المجمع القاهري في خدمة اللغة العربية، وأشار المداخل إلى أن المجمع كان من ضمن أعضائه مستشرقون، وباحثون متغربون، حتى إنهم ناقشوا في المجمع مرةً اقتراحًا يقضي بكتابة العربية بالحرف اللاتيني، فلولا رجال مخلصون لمضى القرار.
وذكر الدكتور الدروبي في مداخلته أن لبقية المجامع العربية جهودا عظيمة، وثمة فرق بين الجهود السطحية، والجهود التي تتناول الجوهر والعمق؛ فأول مجمع عربي هو مجمع اللغة العربية في دمشق الذي كان أولُ جهوده تعريبَ الإدارة التي طغت عليها اللغة التركية، بسبب قرون من الحكم العثماني، ومن جهوده كذلك تعريب العلوم في المناهج والجامعات.
وأما المجمع الأردني فكانت له جهوده، وإن كانت أقل، بسبب ضعف تمويله، وما اعترض نشأته واستمراره من عقبات مادية.
وأما المجمع القاهري فقد مكث عشرين عاما في إعداد المعجم الوسيط، وهو لا يعدو أن يكون تلخيصًا واقتباسا لما في القاموس المحيط، ومحيط البستاني.
وقد شرع المجمع في “المعجم الكبير” منذ الخمسينيات، ولم يتجاوز ثلثه حتى الآن.
واتفقت المجامع العربية على إنشاء معجم حديث لألفاظ الحياة العامة المعاصرة في بلدانها، فأكمل المجمع الأردني معجمه في نحو ستة أعوام، ولم تنجز البقية أي شيء.

ثم تقدم المداخل الثاني إلى المنصة، وهو الأستاذ الدكتور عبدالحميد النوري عبدالواحد، عضو المجمع، فتحدث عن أهمية موضوع المحاضرة، مستدركا أن دور المجامع ليس مجرد تصحيح التراكيب أو الألفاظ، بل هو أعظم من ذلك.
وانتقد الدكتور عبدالواحد في مداخلته جهود المجمع القاهري المعجمية، ولا سيما “المعجم الوسيط”، فعيوبه كثيرة، تحتاج إلى إصلاح. وتكلم عن قضية المصطلح، وشدة الحاجة إلى بحثها ودراستها في ضوء الترجمة؛ وعن إشكالية التعليم سواء من حيث المناهج أم من حيث الأساليب، مبينا أن حل تلك الإشكالية لا يكون بالتيسير المزعوم، بل ببث اللغة العربية الفصحى بين الأبناء والطلاب حديثًا واستماعًا.

أما المداخل الثالث، وهو الأستاذ الدكتور سعد بن حمدان الغامدي، عضو المجمع، فقد أشار إلى بعض الجهود التي كانت تحاول النهوض بالعامية ومحاربة الفصحى في بدايات القرن العشرين، ونوه بجهود المجامع والجامعات المصرية والعربية للدفاع عن الفصحى، والمحافظة على الهوية العربية.

وتكلم المداخل الرابع، وهو الأستاذ الدكتور محمد ربيع الغامدي عضو المجمع، فانتقد صياغة العنوان بتصديره بـ”من” التبعيضية، حيث رأى في ذلك نوعا من التحفظ يدل على غياب الحصر والاستقراء عن الموضوع.. غير أنه نوه بالجهد الذي بذله المحاضر في بيان هذه الاتجاهات، التي تمثل الهيكل الأساسي لجهود المجمع اللغوي القاهري.
ووافق على ما ذكره المحاضر من أن المجمع ناقش بعض الموضوعات، وأخرج فيها قرارات، وهي لا تستحق ذلك. وأضاف المداخل أن ذلك يعود إلى نقص وعي المجمعيين بطبيعة اللغة، وبالمهمة المنوطة بهم.
ثم توجه بملحظه الأخير إلى مجمع اللغة العربية بمكة الذي يستضيف الأمسية، متسائلا عن الفرق بين التنبيه والقرار، بعد اطلاعه على تنبيه المجمع المتعلق بضبط راء (معرض).
ثم تناول الكلمة المداخل الخامس، وهو الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الطلحي، عضو المجمع، فانتقد استعمال كلمة (اتجاهات) في صياغة العنوان، وإيراد كلمة (حداثي) ضمن الاتجاهات، وهي مصطلح نقدي وليس لغويا.

وأما المداخل السادس، وهو الدكتور حسن عثمان، فقد أضاف استدراكًا إلى حديث المحاضر عن ظاهرة التضمين، مشيرا إلى أن المجمعيين عُنوا بها من الناحية البلاغية، وأهملوا جانبيها الصرفي والدلالي وهما أهم كثيرا من الجانب البلاغي؛ ومناقشةُ التضمين من هذه الجوانب تخدم قضايا لغوية مهمة، منها التعدي واللزوم، والتطور الدلالي، والوضع ابتداءً، ومعاني صيغ الزيادة، والوظيفة الإعرابية..
وانتقد الدكتور حسن عثمان على المحاضر وصفه لتركيب (أحسن من أن) بأنه تركيب محدث، والصحيح أنه مولد.

ثم شرع المداخل السابع، وهو الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن علي الحربي، رئيس المجمع، -في كلمته التي بدأها بالدفاع المجمع القاهري، فذكر أن بحثه لبعض المسائل الصغيرة، كان تلبية لحاجة الناس آنذاك؛ لما كانت تثيره من الجدل والخصومة، فأراد المجمع حسمها والبت فيها، ولا يكون ذلك إلا بإخراج قرار فيها.
ووضح الدكتور عبدالعزيز الحربي مفهومًا للقرار المجمعي، فهو يأتي لحسم الخلاف في المسألة، مع الإشارة إلى الأقوال الأخرى فيها.. ثم استطرد الدكتور بذكر الفرق بين مصطلحي القرار والتنبيه المستعملين في مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة، فالقرار يكون في المسائل التي يختلف فيها أهل العلم، أو تحتاج إلى تخريج لغوي. وأما التنبيه فيكون في ما اتفق عليه أهل العلم من مسائل، شاع فيها الخطأ على ألسنة العامة، وبعض الخاصة؛ فيُحتاج إلى أن ينبه عليها، حتى لا يضيع الصواب من استعمال الناس.
وعرض بعد ذلك لأهمية التوسعة والتيسير في عمل المجامع، ولا سيما في ما عمت به البلوى، مما لا يمكن منعه. واستدرك على كلام المحاضر الذي نفى فيه جواز تنازع الحروف، وبين أن فيها آراءً للعلماء، عُرض لها في أحد الأنظام العلمية، وتلا على الحاضرين تلك الأبيات.

وهنا عاد الكلام إلى المحاضر الدكتور ياسين أبو الهيجاء للرد والتعقيب على المداخلين، فأثنى على جهود جميع المجامع، مذكرا أنّ جهود المجمع القاهري لا يقاس بها غيرها، ووافق على كلام المداخل الأول أن المجمع في بداياته كان محضنا للمستشرقين ودعاة التغريب، لكن ذلك لم يطل.. ووافق على كلام الدكتور عبدالحميد عن أهمية المصطلحات والمعاجم وأن ذلك من صلب اختصاصات المجامع، التي ينبغي العناية بها أكثر من غيرها.
ووافق على كلام بقية المداخلين، وأثنى على كلام الدكتور حسن عن التضمين.. ونوه بمداخلة الدكتور الحربي، ولا سيما كلامه عن التوسعة والتيسير، ودفاعه عن المجمع القاهري.
ثم أُلقيَت بعد ذلك إحدى القصائد الفائزة في مسابقة المجمع الشعرية لعام 1437هـ، ومطلعها:
مِلْءَ الدُّنَا لَـمْ تَزَلْ مَنَازِلُـهَـا

وَمِلْءَ هَذِي الرُّبَا قَوَافِلُهَا

وخُتمت الأمسية بتكريم رئيس المجمع للمحاضر الكريم، ثم كرم الجميع بالاجتماع على مائدة التي أعدت بهذه المناسبة.

2O1A0734 2O1A0665 2O1A0689


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *