ما نسيه سيبويه – أ.د. رياض الخوام


ما نسيه سيبويه – أ.د. رياض الخوام



 

من يقرأ سيرة هذا الرجل الألمعي يشعر أنه أمام رجل حر شريف، لاسيما بعد لسعة الزنبور، وانكفائه في مسقط رأسه يندب نفسه لترحل روحه إلى مالك يوم الدين لينصف هناك، لقد تحدثت  أيها العبقري الأصيل عن أقسام الكلام في أول كتابك، وجعلت منه قسماً محالاً، لأنه لا يُتصور وجوده  ولا يُعقل حدوثه كقول القائل: شرب فلان ماء البحر، فهو مع قبوله من جهة الصنعة النحوية لكنه فاسد محال من جهة المعنى، فمن يقدر على شرب ماء البحر المالح؟ وكأني بك تلوّح إلى تلك التراكيب أوالألفاظ التي لاصدق فيها، فهي عبارات كاذبة، لأنه لا يمكن تحقيقها، والعقل يرفضها لمجافاتها الواقع ،وحين ذهبتَ إلى تقسيم المستويات اللغوية ذكرت – رحمك الله – منها اللغة الخبيثة ،وكأني بك أيضاً تريد منها أنها مخبوثة – أي فعيلة هنا بمعنى مفعولة، والذي خبَّثها – والله أعلم – هو المتكلم بها، فهو خبيث لا يُخرج إلا خُبثاً، ما أسجله الآن تداعى إلى خاطري بعد رؤيتي مجزرة “خان شيخون” ومتابعتي لما سيكون، فقرأت في شاشة إحدى الفضائيات أن بعض الدول التي تؤيد المجرمين تتطلع إلى إصدار قرار من مجلس الأمن يتضمن “إدانة” النظام الذي ارتكب هذه الجريمة، قلت في نفسي: قاتل الله هذه الكلمة وما رادفها من نحو الشجب والاستنكار وغير ذلك من الكلمات التي باتت “تُعْلَكُ” وتُجترُّ” في كل حين يُقتَّل فيه الأطفال، وتُرمّل فيه النساء، وتُهدم فيه البيوت فوق ساكنيها، ويُقهر فيه الأحرار من الرجال، وتشوه فيه الحقائق من قبل الفجرة، وقد سئم الناس هذه الكلمات، لأنها باتت فارغة من معناها! وصارت مقززة مستكرهة لأنه لا أثر لها ولا دلالة تدل على أي أثارة من نتيجتها، والغرض دائماً من الكلام هو الفائدة المرجوة منه، وهذه ألفاظ لم تعد تفيد شيئاً، بل إن السامع صار إلى  اعتقاد أنه لا إدانة ولا شجب ولا استنكار، بل تزوير وغش وخداع ؟ ومثلها كلمات مثل “الممانعة” و”محور الممانعة ” والتصدي والصمود إلخ هذه الكلمات الباهتة التي باتت أيضاً ممجوجة قبيحة ، لأن المرددين لها لاخلاق لهم، جُبلوا على الكذب والخيانة، يراؤون الناس، ويخادعون أتباعهم من البله الجهلة، يهاتفون إسرائيل ليلاً ليطمئنوها على أنهم ملتزمزن  بحراسة حدودها وضامنون أمنها، وفي النهار يملأون الدنيا جعجعة وعواء، لقد أفرغوا – قاتلهم الله – الكلمات العربية الأصيلة الحرة من مضامينها ، ومعاني الكلمات والمصطلحات لاتتضح بدقة فيما أحسب إلا إذا كان لها نصيب من الصدق، صدق المتكلم بها، وصدق الواقع، فحينئذ يأنس المتكلم لدلالتها ومن ثمَّ يقبلها ويحسنُ السكوت عليها، ولم يقتصر الأمر على ألفاظ يستعملها الدجالون، بل هناك عبارات صارت مرذولة تمجها الأسماع ولا يقبلها حر، من أبرزها نحتفظ بالرد “أو سنرد في الوقت المناسب والمكان المناسب”، فهذه العبارة تُقال من ثلاثين سنة بعد كل غارة تشنها إسرائيل على الفجار الخونة وهي عبارة صيغت بدقة، وصار يستخدمها من يزعمون أنهم محور “الممانعة ” وهم على يقين أنهم لم ولن يردوا أبداً إلا ضمن تمثيلية يمكن أن يُقنعوا بها علوجهم ، فلما كان شأن هذه الكلمات والعبارات على ما شرحناه فلعلي لا أزعج سيبويه حين أقول: لقد نسي رحمه أن يصنف مثل هذه الاستعمالات، فربما لوكان حيا لوضعها في مستوى “الرذيل” بمعنى مرذول، والذي أرذله هو من استخدمه كثيراً في غير دلالاته الواقعية، لقد أصر الأراذل على تفريغه من المعنى حين صار اللفظ مبتذَلاً، يشمئز منه الإنسان الحر، لأنه لا يمثل واقعا حقيقياً، وصار المتبادر منه عكسه، والكلام تقبله النفس لصدق قائله وتمجه لكذب صاحبه، نُسب إلى سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: “تعلموا العربية، فإنها تعلم المروءة “، والمروءة هي تلك الأبعاد الأخلاقية التي تنشدها كل الأمم، كإغاثة ملهوف وإكرام ضيف وصدق في الحديث، واستقامة في السلوك، لقد تأثر السموأل اليهودي بأخلاق العربي فصار مشهوراً بالوفاء والصدق! فمن أي جنس هؤلاء الذين يقتلون المروءة ودلالاتها الأخلاقية، ويتكئون على  لغة الكذب والدجل وتشويه الحقائق والخيانة، يزعمون أنهم من العرب، كذبوا وايم الله، فالعرب لا تعرف الدناءة ولا الخسة التي نراها في أخلاقهم ولغاتهم السياسية! والعذر لسيبويه على تركه الحديث عن مستوى لغوي مرذول – وهو اللغة  السياسية لهؤلاء الأراذل- هو أنه لم يخطر بباله  أن سيكون هناك عصر تُستخدم فيه اللغة على هذا النحو المرذول، فبئس القوم هم، وساءت لغة لا ينطق بها إلا كل كذاب أشر. لقد شوهوا العربية، – شاهت وجوههم –  وواخجلتاه من الأجيال القادمة حين تنظر في لغة هؤلاء السياسيين الفجرة إذ لن ترى فيها لفظة صادقة، ولا قولاً سديداً كفروا بالصدق اللغوي وتمسكوا بلغة الكذب الصفوي والدجل الفارسي، وإلى الله المشتكى.. اللهم اجعلنا صادقين في لغاتنا وأخلاقنا ، واكشف الهم والغم عن أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *