بلاغةُ التَّنويع في الخطابِ القُرآني – أ.د. عبدالرحمن بودرع


بلاغةُ التَّنويع في الخطابِ القُرآني – أ.د. عبدالرحمن بودرع



مَنْهَجُ البَيانِ القُرآنيّ في التَّنويعِ1، فقَد جاءَ أسْلوبُ التَّنْويعِ إيثاراً لبلاغة القَول الْمُجَدِّدَة، لِتَنْبِيهِ الفكر؛ فَمِنْ شَأنِ التَّجْديدِ تَحْريكُ الذِّهْنِ في مُخْتَلِفَاتٍ مِنَ الأساليبِ، والتَّمكينُ مِنْ وَضْعِ أفْكارٍ وأغْراضٍ بَيانيّةٍ وتَرْبويّةٍ في ظِلالِ النَّصّ، تُكْتَشف حيناً بعد حين، كلّما تكرّرَتْ قِراءَةُ النَّصِّ، أو تَكَرّرَ سَمَاعُه، مع جَعْلِ النّصِّ مُتَفَرِّداً بصِياغَتِه الكُليّة، كَتَفَرُّدِ كُلِّ مَخْلوقٍ بهَيْكلٍ وسِمَاتٍ تميّزه، مُراعاةً للإِبْداعِ الاخْتيارِيِّ في الأفْرادِ. أمّا الغَفْلَةُ عَن مُلاحَظَةِ هذا التّنويعِ في أساليبِ الأداءِ البَيانيّ، فإنّها تَحْجبُ عَن مُتَدبّرِ النّصِّ القُرآنيّ الترابُطَ الفِكْريَّ في موضُوع النَّصّ، فَلا يُدْرِكُه إلاّ وحَدَاتٍ مُجَزَّآتٍ غَيْرَ مُتَرابِطاتٍ، وتَنِدُّ عنْه بسبب ذلك روائِعُ مَفَاهِيمَ، وقَدْ يَقَعُ في أغَالِيطَ، إذْ يُحَاوِلُ أنْ يَنْتَزِعَ ارتِبَاطاً منْ قَريبٍ أَوْ بَعيدٍ لأدْنَى مُنَاسبَةٍ، أوْ شُبْهَةِ مُنَاسَبَةٍ، أوْ يخْتَرِعَ منْ عنده أُموراً لا أصْلَ لها ولا دليلَ عليها.

ومِن شَواهِدِ التَّنْويعِ في أساليبِ البَيانِ القُرآنِيّ ما جاءَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ مِنَ المنافِقينَ وضُعَفاء الإِيمان الذين في قلوبهم مَرضٌ، من أقْوالٍ وأعْمالٍ، هي مَظاهرُ لما في قُلوبهِمْ، «وإِذْ يَقولُ المُنافِقونَ والذينَ في قُلوبهِم مَّرَضٌ مّا وَعَدَنا اللهُ ورَسولُهُ إلاّ غُروراً»2. هذا جُزْءٌ ممّا كانَ منْهم عُبِّرَ عَنه بأسْلوب: «وإذْ يَقولُ» أي بإذْ الظَّرْفِيَّة، والتَّقْديرُ اذْكُرْ إذْ، وبالفِعْلِ المضارِعِ «يَقُولُ» الذي يَدُلُّ على أنّ المقالةَ دارَتْ على الألْسِنةِ حتَّى شاعتْ، فَقالها المنافِقونَ، وتأثَّرَ بهمْ وقالَ مثْلَ قولِهِمْ الذين في قُلوبهم مَرَضٌ دونَ النّفاقِ، وهو مَرَضُ ضعْفِ الإِيمان.

أمّا الجُزْءُ الثّاني ممّا كانَ منهُم فَقَدْ عُرِضَ على النَّحوِ التّالي: «وإذْ قالَت طّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعوا»3 . فجاءَ بأسلوب: «وإذْ قالَت» بإذْ الظّرفيّةِ، أي واذْكُرْ إِذْ، وبالفِعْلِ الماضي «قالَت» الذي يَدُلُّ عَلى أنّ هذهِ المقالَةَ قدْ قالَتْها طائفةٌ منْهم، ثُمَّ لم تتكرّرْ، ولم تَدُرْ عَلى الأَلْسِنة.

وأمّا الجُزْءُ الثّالثُ ممّا كانَ منهُمْ فقَدْ جاءَ أُسْلوبُ عَرْضِه عَلى النّحْوِ التّالي: «ويَسْتَأْذِنُ فَريقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقولونَ إنّ بُيوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُريدونَ إلاّ فِراراً»4.
فجاءَ بأسْلوب: «ويَسْتأذِنُ فَريقٌ مِّنْهُم» بِصيغَةِ المضارِعِ، للدّلالةِ عَلى تَكرارِ الاسْتئذانِ مِنْ أفْرادِ هذا الفَريقِ، أو عَلى الإِلحاحِ به، ولم يأتِ عَلى النَّسَقِ السّابقِ مِن اسْتعمالِ الظّرفِ «إذْ» قَبلَه؛ لأنَّ حالتَهُم هذِه كانَت مُستمِرّةً مُستقِرّةً لا تَسْتدْعي التّذْكيرَ بِزَمَنِ حُدوثِها.
واعْتنى القُرآنُ المجيدُ بتَربيةِ هذا الفَريقِ المستأذِنِ، وببيانِ حالتِه النفسيّةِ وإقناعِه، لتصْحيحِ العناصرِ المخْتلَّة فيه من عناصِرِ القاعِدَةِ الإيمانيّةِ.

وأمّا الجُزءُ الرّابعُ ممّا كانَ مِنهُمْ، وهو التَّعْويقُ والتّثبيطُ عَن الخُروجِ مَع الرَّسولِ صَلّى الله عَليْه وسَلّمَ لمواجَهةِ عَدُوّه، فقَدْ جاءَ أسْلوبُ عرْضِه على النَّحْوِ التّالي: «قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ والقائِلين لإخْوانهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا ولا يَأتونَ البَأسَ إلاّ قَليلاً» . فاخْتلَفَ الأسلوبُ هنا جُمْلةً؛ إذْ نُلاحظُ أنّ التّعويقَ قَد عُرِضَ وَصْفاً ثابتاً لِفَريقٍ مِن المنافِقينَ، ولم يَذْكُرْهُ عَلى أنّه مُجَرّدُ عَرَضٍ طارئٍ اسْتدْعَتْهُ حالَةٌ مُزْعِجَة، في غَزْوةِ الأحْزابِ، فَحصَلَ فَهْمُ قِسْمِ التّعْويقِ والتّثْبيطِ من ذِكْرِ المعوِّقينَ.

وقَبْلَ ذِكْر المعوّقينَ بيَّنَ اللهُ عزَّ وجلَّ تَحَقُّقَ عِلْمِه بهم، لِيُشيرَ هذا البَيانُ منْ طَرْفٍ خَفِيٍّ إشارةَ تَهْدِيدٍ لهم، بأنَّهُمْ مَكْشوفونَ مَعْلومونَ لله، وبأنّ عِقابَ الله يَتَرصَّدُهُمْ.
فمعَ التّنويعِ في الأسلوبِ لكَسْبِ التّعبيرِ جمالاً فنيّاً، وإبداعاً مُعْجِباً، اخْتِير لِعَرْض كلِّ جُزءٍ الأُسلوبُ الأنْسَبُ له، والأَكْثَرُ مضامِينَ فكريَّةً يُرادُ الدّلاَلَةُ عليها معَ ذِكْرِه، كإضافَةِ أنّ المعوِّقين مَعلومونَ لله عزّ وجلّ، وأنَّ تَعْوِيقَهُم لإِخوانهمْ صِفَةٌ ثابتَةٌ من صفاتهِم، ومُلازِمَةٌ لهم في كلِّ الأحْوالِ، فهم مُعوِّقّونَ دائماً، وقائلونَ في كلّ المعارك لإِخوانهم: هلُمَّ إلينا، لا تخرُجوا مَعَ محمّدٍ إلى قِتالٍ5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 البَلاغَةُ العربيّةُ، أسُسُها وعُلومُها وفُنونُها، عَبْد الرّحْمن حَسَن حَبَنّكَة المَيْدانيّ، دار القَلَم/دِمَشْق، الدّار الشّامية/بَيْروت، ط.2، 1428هـ/2007م، ج:2/ص:322
2 سورة الأحزاب: الآية: 12.
3 سورة الأحزاب: جزء من الآية: 13.
4 سورة الأحزاب: جزء من الآية: 13.
5 سورة الأحزاب: الآية: 18.


1 التعليقات

    1. 1
      محمد محمود أحمد محجوب

      أولا: النص القرآنيّ الكريم بحر لا ساحل له. فإن كان راكبه يجيد سباحة التدبر أخرج الله على يديه لآلئ ودررا عجيبة. وما سطر هنا مثال لذلك.
      ثانيا: من بلاغة التنويع في القرآن الكريم ما ورد في سورة الكهف ضمن قصة موسى مع الرجل الصالح:
      – “فأردت أن أعيبها”.
      – “فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما”.
      – “فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك”.

      الرد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *