على خطى المتنبي – أ. د. إبراهيم الشمسان


على خطى المتنبي – أ. د. إبراهيم الشمسان



هذا اسم الكتاب الرائع الذي كتبه أستاذي أ.د.عبدالعزيز بن ناصر المانع وتفضّل فأهدى إليّ نسخة منه، وهو من منشورات كرسي الدكتور عبدالعزيز المانع لدراسة اللغة العربية وآدابها، عام 2017م، ولعله آثر طريقة الكوفيين في رسم (خطى) لتتجانس أواخر ثلاث الكلمات (على خطى المتنبي)، وأما العنوان الشارح فهو (طريق هروب أبي الطيب المتنبي من الفسطاط إلى الكوفة، المغادرة: الأحد 19 ذوالحجة 350ه، الوصول: السبت 25 ربيع الأول 351ه)، وربما يتوقف في تاريخ الوصل؛ لأنه اعتُمد فيه على باحث متأخر هو أحمد رمزي الذي قرر أنّ وصول أبي الطيب إلى الكوفة يوم 25 ربيع الأول 351ه، قال أستاذنا “ولم أجد تحديد اليوم في مصدر آخر عند غيره، وعليه اعتمدت بعد الله” [ص197]، فهل يصح الاعتماد عليه؟
وقد سبقني إلى الكتابة عن هذا الكتاب أستاذان جليلان أما أولهما فملك البيان والبديع أستاذنا الدكتور أبويزن إبراهيم بن عبدالرحمن التركي، وهي كتابة متفوقة بمبادرتها وجمال سبكها، في زاوية (إمضاء) صحيفة الجزيرة (ع 16284 في 3 شعبان 1438م) وأستأذن أستاذنا أبا يزن في اقتباس مقدمة مقاله لما زوي فيها من جمال وإجمال، يقول “سمع صاحبكم منه عن مشروعه فأكبره دون أن يراه، ورآه فازداد إكبارًا، ولو كان بحثًا مألوفًا فلن نعجب إذ دأبُ صاحبه التميز، أما أن يكون دراسةً متعددةً ذات وجوهٍ جغرافية – تأريخيةٍ – أثريةٍ – أدبيةٍ استدعت السفر والسهر والإحباط والإصرار والاستعانة بالخرائط والأدلَّاء والمسؤولين والأصدقاء واستغرق أكثر من ثمانية أعوام فلا جدل أننا موعودون بقراءةٍ مختلفة نتتبع فيها «طريق هروب أبي الطيب من الفسطاط إلى الكوفة» بدقةٍ متناهية وتفاصيل مذهلة وكتاب ضخمٍ كضخامة المبحوث، عميقٍ كعمق الباحث، مضيءٍ بالحكاية والصورة والرسم والمعلومة والتخمين والاستنتاج”، أما ثانيهما فأستاذ الأدب العالم المحقق أستاذنا أ.د. عبدالله بن عبدالرحيم العسيلان، كتب حلقتين في المجلة الثقافية في صحيفة الجزيرة (ع16398 في 17 شعبان 1438ه/ ع16305 في 24 شعبان 1438ه)؛ ولذلك سأحاول أن أتناول الكتاب متحاشيًا، ما أمكن، تكرار ملحوظات أستاذنا العسيلان التي أوافقه في بعضها.
وهذا الكتاب الجليل تتويج لمشروع بحثي أفنى أستاذنا المانع سنوات من عمره لإنجازه، نشأت فكرته بعد زيارة له لمنطقة الجوف، فوقوفه على محطة من محطات سير رحلة المتنبي من الفسطاط إلى الكوفة، ومنذ تلك الزيارة شرع في تحقيق مشروعه، وهو تتبع رحلة هروب المتنبي من الفسطاط نجاةً بحرّيته من كافور عبر سيناء حتى الكوفة، وأحسن أستاذنا أن شفع الكتاب بخريطة للطريق وبرقاقة تحكي بالصوت والصورة سير الرحلة التي رحلها المتنبي، وبالصوت تسجيل لقصة الهروب وللقصيدة التي وصفت الرحلة، أما الكتاب نفسه فهو تحفة نادرة بطباعته وتقسيمه ولغته الواضحة المشرقة وطريقته المراوحة بين إثارة الأسئلة التي تشوق القارئ ثم الإجابة المؤيدة بالأدلة والحجج، وهو مع ذلك يدرك أن من المسائل ما يتعذر الجزم فيها فيعقب عليها بلفظ الاحتمال (ربّما)، وهو بهذا يشرع باب البحث لمن أراد أن يواصل البحث.
هذا كتاب زوى ثلاث رحلات، أما الرحلة الأولى فهي رحلة المشروع فكرته وتنفيذه، ومعاناة أستاذنا صاغها في فاتحة الكتاب بعنوان (تجربتي الميدانية مع طريق الهروب) [ص13-32]، وهي قطعة أدبية من أدب الرحلة تمتع القارئ وهو يشارك الكاتب في تنقلاته المختلفة ويحس معاناته، وأما الرحلة الثانية فهي رحلة رأسية في بطون الكتب والبحوث التي تناولت المتنبي ورحلته التي هي موضوع الكتاب، وأما الرحلة الثالثة فهي رحلة أفقية على الأرض رحلة المؤلف المتتبعة خُطا المتنبي في رحلة هروبه، ووقوفه على المواضع التي ذكرها في قصيدته، وتحقيق ذلك ثم إثباته على خريطة دقيقة.
جُعِل الكتاب بعد فاتحته تحت ثلاثة عنوانات أولها (مدخل: المتنبي بين بلاطين) [ص33-62]، وثانيها (الاستعداد للهرب) [ص63-78]، وثالثها (يوم الهرب) [79-189]، ولا نجد عنوانات لمحطات الرحلة بل كلها سيقت مساقًا واحدًا تحت عنوان يوم الرحلة؛ إذ نجد بعد هذا ملاحق الكتاب الثلاثة [ص191-281]: أولها قراءة في الأعمال السابقة حول رحلة هروب أبي الطيب المتنبي، وثانيها خبر الهروب والقصيدة من الديوان، والثالث الصور الموثقة للرحلة. والمألوف أن تكون الدراسات السابقة في أول الكتاب لبيان ما فيها من جهود أو قصور وبيان ما يمكن أن يضيفه العمل الجديد، وفات أستاذنا من الأعمال السابقة كتاب (على خطا المتنبي في أسفاره وأشعاره: رحلة في التاريخ والجغرافيا والشعر) كتبه: قاسم وهب، ونشرته الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، 2013م، وهو مرفوع على الشابكة، وإن نشر قبل كتاب أستاذنا فهو غير سابق في الحقيقة؛ لأن عمل أستاذنا في مشروعه بدأ في 2008م، وشتان بين العملين؛ فكتاب قاسم وهب نظري أدبي شامل لحياة المتنبي، وليس لرحلة الهرب في هذا الكتاب سوى عشر صفحات [292-302]، أما كتاب أستاذنا فهو تطبيقي تحقيقي لطريق هروب المتنبي والأماكن التي ذكرها في قصيدته. وقد أخذ أستاذنا الدكتور عبدالله العسيلان عليه هذا في الحلقة الأولى من كتابته عن (خطى على طريق المتنبي)، ولكنّ المتوقف فيه قوله “غفل المؤلف أو تغافل عن الإشارة إلى جهد سابق يحمل العنوان نفسه وهو كتاب (على خطى [الصواب: خطا] المتنبي في أسفاره وأشعاره رحلة في التاريخ والجغرافيا والشعر) لمؤلفه الأستاذ قاسم وهب”، ثم قوله “وأستبعد أن يكون قد علم به”؛ فما مكان القول بالتغافل؟
أما الصور فلم تظهر بالجودة المرجوة في عصرنا إما لضعف في التصوير وقلة مرشحات الضوء، وإما لضعف التنفيذ الطباعي.
أعجبني كثيرًا اطّراد كتابة تنوين المنصوب على الحرف لا على الألف سوى موضع واحد، وهو الوارد في غلاف الكتاب (ميدانياً)، ولعله يصير في نشرة ثانية (ميدانيًّا).
كتاب جدير بالاقتناء والقراءة، يصف تجربة بحثية مثيرة، وقف وراءها باحث عالم وهب نفسه لتحقيق آداب العربية، شكرًا لأستاذنا الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *