التحكيم العلمي بين الموضوعية والذاتية (3) – أ.د. إبراهيم الشمسان


التحكيم العلمي بين الموضوعية والذاتية (3) – أ.د. إبراهيم الشمسان



هذه الحلقة الثالثة من التعريف بموضوعات الندوة العلمية التي نظمها قسم اللغة العربية في جامعة القصيم يوم الأربعاء 14 شعبان 1438ه، بعنوان (التحكيم العلمي بين الموضوعية والذاتية).
التحكيم العلمي المشكلات والحلول: للشمسان
بدأت المحاضرة ببيان أركان التحكيم الأربعة، وهي: الْمُحكِّم (بكسر الكاف)، وموضوع الحكم، والْمُحكَّم (بفتح الكاف)، والحكم، والتنبيه إلى أنّ لكل ركن من أربعة الأركان مشكلاته وأنّ من السهل التعرف على المشكلات ولكن وضع الحلول الناجعة لكل المشكلات قد يكون متعذِّرًا لتعلقه بأمور أخلاقية ذاتيّة.
أما الْمحكِّم (بكسر الكاف) فهو طالب الحكم أي من يُحكِّم غيره في عمل من الأعمال؛ ولذلك يُقال مجلة محكِّمة أي تطلب هيأة التحرير فيها الحكم على البحوث التي تريد نشرها، وكذلك المجالس العلمية تحكّم لأعمال الترقية، والأقسام العلمية التي يتقدم طلابها برسائلهم العلمية يكلفون لجنة مناقشة يحكمونها في الرسالة وجهات النشر العلمي للكتب تحكِّم في ما يقدم إليها الخبراء ليجيزوا النشر أو يمنعوه. ومن مشكلات المحكِّم (طالب الحكم): عدم اختيار المحكَّم الملائم للموضوع، فقد يكلف متخصص بالأدب النظر في أعمال لغوية، وقد يكلف متخصص بالتفسير النظر في أعمال أدبية أو نحوية، وحلّ هذه المشكلة بإنشاء قاعدة بيانات مرجعية بالتخصصات الدقيقة، ومن المشكلات عدم التنبه لاختلاف المدة المحددة للحكم وفاق كل بحث، فقد يمنح الفاحص شهرًا لفحص عمل طويل دقيق كما يمنح لفحص بحث قصير، والحلّ جعل المدّة مناسبة للعمل، ومن المشكلات أن من الجهات المحكِّمة ما لا يستأذن المحكَّم قبل إرسال الأعمال إليه بل يضعه أمام الأمر الواقع ويحرجه. ومن المشكلات اختلاف استمارات الحكم فمنها الدقيق الموجه لكيفية التحكيم ومنها ما هو عام يترك الفاحص ليجتهد ويحسن أن تكون لكل جهات التحكيم استمارات مفصلة تفي بغرض التحكيم، ومن المشكلات إهمال مكافأة المحكم أو التأخر فيها، وهذا قد يضعف الدافعية للعمل أو الامتناع عن الفحص، وآخر هذه المشكلات مشكلة خاصة ابتدعتها جامعة الملك سعود وهي طلب سيـرة ذاتيــة للمشرف أو المناقش الخارجـي للرسائل العلمية وفاق نموذج خاص متعب قد لا ينطبق على كل أحد، ويطالب المناقش بأن يطلب التسجيل في نظام الجامعة ليمنح رقمًا وظيفيًّا مؤقتًا، وفي هذا من العنت ما يصدّ المناقشين ويرغبهم عن المشاركة في المناقشة.
وأما مشكلات موضوع الحكم من بحوث للنشر، أو بحوث للترقية، أو رسائل علمية فلها مشكلات منها أنّ الموضوع قد يكون مسلوخًا أو مسروقًا، وربما أفاد اكتشاف ذلك بحث عنوانه أو جزء من نصوصه في برامج البحث العنكبية، والنظر في تباين المستوى اللغوي في نصّه واشتماله على أخطاء كتابية خاصة ببيئات معينة كأن يكون الباحث من وسط جزيرة العرب فتجد في كتابته خطأ في كتابة الذال والزاي. ومن المشكلات كون الموضوع لا جديد فيه، فقد يكون البحث مستوفيًا الإجراءات البحثية سليم اللغة؛ ولكنه تجميعي ركامي لا جديد فيه البتة شكلًا ولا مضمونًا؛ ولذلك نجد بعض استمارات التحكيم تسأل عن إضافته للبحث العلمي. ومن المشكلات كونه معتمدًا على أصول مترجمة وهذا يقتضي محكَّمًا يتقن اللغتين ليعرف الأصول التي اقتبست، وربما يحتاج حلّ هذه المشكلة إلى لجنة مشتركة فيها من يتقن اللغة الأجنبية. ومن المشكلات البحوث المشتركة التي يصعب تحديد نصيب الفرد منها، وقد يكون أحد الباحثين هو صاحب العمل وأما غيره فشريك في العمل ليس إلا. ومن المشكلات أن يكون البحث من البحوث المنحولة أي من البحوث التي صنعتها المراكز التجارية وهي في الغالب مصنوعة من مجموعة ركامية من أعمال أو كتب مختلفة من غير صياغة بحثية سليمة، ويتبين هذا باختلاف المصطلحات بين أجزاء العمل الواحد والتناقض الظاهر في الأفكار واختلاف جهات التوثيق وتعدد نشرات المرجع أو المصدر الواحد.
وأما المحكَّم (بفتح الكاف) فهو المطلوب حكمُه على ما يراد نشره من بحوث أو كتب أو حكمُه في بحوث الترقية أو حكمُه على الرسائل العلمية، ولا يخلو أمره من مشكلات منها مدى معرفته بميدان العمل الذي يحكَّم فيه، لغة كان، أم أدبًا، أم نقدًا، أم بلاغة، أم تحقيق نصوص؛ إذ لابد أنّ يكون المحكَّم صاحب اختصاص عارفًا بدقائق العلم الذي يتناوله العمل المعروض ولا تكفي الثقافة والمعرفة اليسرة في ذلك. ومن المشكلات أيضًا أن المحكَّمين ذوو اتجاهات فليس اهتمامهم بميدان العلم واحدًا ففي العلوم اللغوية من اتجاهه نحوي تقليدي قديم، ومنهم من اتجاهه لسانيّ حديث، ومنهم من تجمع التقليدي واللسانيّ، وحل المشكلتين بمراجعة سير من يراد تحكيمهم لمعرفة اهتماماتهم العلمية، ومن أهم المشكلات مخالفة المحكَّم في آرائه صاحبَ العمل، وحلّ هذا في تجنب الذاتية بأن يكون النظر إلى مقومات العمل البحثي بغض الطرف عن الرأي الذي يراه المحكَّم، ومن المشكلات محاسبة الكاتب على أخطاء غيره (المقتبسات)، وحلّ هذا تنبّه المحكَّم إلى ما هو من لغة الكاتب وما هو من لغة غيره، وربما يحسن بالباحث أن ينبّه إلى هذه الأخطاء في حواشي البحث. ومن مشكلات المحكَّم الهوى والتعصب والمجاملة، وهي أمور متعلقة بأخلاقيات البحث التي أشار إليها أستاذنا الدكتور إبراهيم الحندود، وحلّ هذه المشكلة هي النظر في الأسباب التي يبسطها المحكم، وقد يعسر حلّ هذه المشكلة. ومن المشكلات غياب الدقة في الفحص فقد يكون العمل فيه من العيوب ما يغفل عنه المحكَّم أو يتجاوزه لأنه نظر في جوانب وأهمل أخرى كأن يهتم بالمحتوى وجدّة المعلومات ويهمل سلامة لغة البحث، ولعل الاستمارات الدقيقة الموجهة للمحكم تعين على ذلك؛ ولكن النظر في الرسائل العلمية لا استمارة له وكثير من جهات المحكِّمة (الطالبة للحكم) لا استمارات تقود الحكم على أبحاث الترقية، غير أنه يمكن الاستفادة من استمارة التقرير الذي تكتبه لجنة المناقشة فلعل من المناسب أن يصحب خطاب التكليف بالمناقشة بالجوانب التي يحسن بالقارئ المناقش الوقوف عليها والتنبه لها. ومن هذه المشكلات أيضًا ضعف ثقافة المحكَّم الحاسوبية والشبكيّة؛ لأن هذه الثقافة أداة تعينه على معرفة ما نشر من البحوث على نحو واسع وتكشف الاختلاس. وآخر هذه المشكلات التأخر في الفحص والحكم وله أسباب مختلفة؛ ولكن علاجه استئذان المحكَّم قبل تكليفه والتأكد من قدرته على الإنجاز ورعاية الوقت المناسب للعمل كمًّا وكيفًا.
أما الحكُم فهو أهم أركان التحكيم لأنه الهدف الذي يراد الوصول إليه، وهو معتمد على الأركان الثلاثة السابقة، ولا يعدو جملة احتمالات تذكر في الغالب في نهاية استمارة التحكيم، وهي: قبول العمل كما هو، أو قبول العمل بعد إجراءات طفيفة أو قبول العمل بعد إجراءات جذرية، أو رفض العمل، ويستثنى من ذلك أعمال الترقية؛ إذ فيها احتمالان القبول أو الرفض. ولهذا الركن (الحكم) مشكلاته وأهمها كونه غير موضوعيّ، فيكون أميل إلى الذاتية لضعف التزامه بالقيم الأخلاقية المقومة للحكم ولافتقاره إلى التمكن من مفردات العلم، ومن مشكلاته كونه غير شامل كأن يكون معتمدًا على جانب أو جوانب من العمل وإهمال جوانب أخرى لها أهميتها في تقييم العمل، ومنها كونه غير دقيق ويظهر ذلك في الخلط بين الملحوظات الجوهرية وغير الجوهرية، فقد يحكم على العمل بأن التغييرات جوهرية بسبب جملة من الأخطاء الطباعية أو التوثيقية التي لا تخل بالمنهج أو تقدح بقيمة المحتوى وسلامة النتائج، وحلّ مشكلات الحكم مرهون بحل مشكلات الأركان السابقة أي المحكِّم وموضوع الحكم والمحكَّم.
هذه محاولة للإشارة إلى أبرز جوانب مشاركتي في ندوة التحكيم العلمي وكانت عن التحكيم العلمي: المشكلات والحلول، ولمن أراد أن يشهدها بالصوت والصورة أن يرجع إليها بهذا الرابط. https://www.youtube.com/watch?v=mlPzeZD5lwE


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *