هل لاسم المصدر (تُقْيَة) وجه؟ – أ.د. إبراهيم الشمسان


هل لاسم المصدر (تُقْيَة) وجه؟ – أ.د. إبراهيم الشمسان



تزاد التاء في الفعل (وَقَى) فيقال (اتَّقَى)، قال الأزهري “اتَّقَّى كَانَ فِي الأَصْل اوْتقى، وَالتَّاء فِيهَا تَاء الافتعال”(1)، فالمصدر (اتّقاءٌ)؛ لأن افْتَعَلَ مصدره اِفْتِعالٌ(2)، وأما قول ابن الأعرابي “التُّقاة وَالتَّقِيَّة والتَّقْوَى والاتِّقاءُ كلُّه واحدٌ”(3)، فصحيح من حيث المعنى لا التصريف؛ إذ ليست بواحد فالتُّقاة والتَّقِيَّة والتَّقْوى أسماء مصدر وأما الاتِّقاء فهو مصدر اتّقى. والتاء في ثلاثة أسماء المصدر على توهم أصالتها، قال الجوهري “اتَّقى يَتَّقي، أصله اِوْتَقى على افْتَعَلَ، فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها وأبدلت منها التاء وأدغمت، فلما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء من نفس الحرف”(4)، ولذلك (التُّقاة) أصله (التُّقَيَة) على بناء (الْفُعَلَة)(5)، والتَّقِيَّة أصله (التَّقِييَة) على بناء (الْفَعِيلَة)، و(التّقْوى) أصله (التَّقْيا) على بناء (الْفَعْلَى).
والمطرد استعماله في التراث استعمال (التَّقِيَّة) مع الفعل (اتّقى)، وهكذا وردت القراءة بها، قال الأزهري “وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس فِي قَول الله جلّ وَعز: ﴿إِلاَ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمرَان: 28]، وَقَرَأَ حُميد(6): (تَقِيَّةً)، وَهُوَ وجهٌ إلاَّ أنّ الأُولى أشهر فِي الْعَرَبيَّة”(7). وأما (التُّقْيَة) التي تدور على ألسنة كثير من الناس اليوم فلم أجدها في نصّ قديم ولم أجد معجمًا أثبتها؛ ولكني وجدت أحمد مختار عمر يضمنها في معجمه وأحسب هذا من قبيل الوهم، قال “اتَّقى/ اتَّقى بـ يَتَّقِي، اتَّقِ، اتِّقاءً وتُقاةً وتُقْيةً، فهو مُتَّقٍ، والمفعول مُتَّقًى”(8)، فتراه أهمل الموروث (تَقِيَّة). وقال أيضًا “تُقْية [مفرد]: مصدر اتَّقى/ اتَّقى بـ”(9). والصحيح أنّ (تُقْيَة) ليست مصدرًا للفعل (اتّقى)؛ ولكن أنقول: اتّقى تَقِيَّةً وتُقْيَةً؟
توهم العرب التاء أصلًا فخفّفوا الفعل بحذف إحدى التاءين، قال ابن سيده “اعْلَم أَن الْعَرَب تَقول: تَقَى يَتَقِي، بِفَتْح التَّاء فِي الْمُسْتَقْبل، وَكَانَ الظَّاهِر من هَذَا أَن يُقَال: تَقَى يَتْقِي، وَإِنَّمَا هُوَ على الْحَذف، وَأَصله اتَّقى يَتَّقِي، حذفوا فَاء الْفِعْل وَهُوَ التَّاء الأولى من اتَّقى، وَهِي سَاكِنة فَسَقَطت ألف الْوَصْل من اتَّقى؛ لِأَن بعْدهَا متحرِّكًا، وَفِي الْمُسْتَقْبل يَتَّقِي، حذفوا مِنْهُ التَّاء أَيْضا الأولى فَبَقيَ يَتَقِي”(10).
ولكن الفعل المخفف (تَقَى يَتَقِي) لا يوافق بناءًا من أبنية أفعال العربية فأتوا بغيره، قال الجوهري “ثم لم يجدوا له مثالًا في كلامهم يلحقونه به فقالوا: تَقَى يَتْقِي مثل قَضَى يَقْضِي. قال أوس:
تَقاكَ بِكَعْبِ واحِدٍ وتَلَذُّهُ *** يَداكَ إِذا ما هُزَّ بِالْكَفِّ يَعْسِلُ
وقال آخر[خفاف بن ندبة]:
جَلاها الصَّيْقَلونَ فَأَخْلَصوها ***خِفافًا كُلُّها يَتْقِي بِأَثْرِ
وقال آخر[الأسدي]:
ولا أَتْقِي الْغَيُورَ إذا رَآني ***وَمِثْلِي لُزَّ بِالْحَمِسِ الرَّبِيسِ
ومن رواها بتحريك التاء فإنما هو على ما ذكرنا من التخفيف”(11).
وقال الأزهري “وَيُقَال فِي الأول تَقَى يَتْقَى ويَتْقِي”(12).
وإذا تحصّل لدينا الفعل المجرد تَقى ومصدره تُقًى(13)، فليس ببعيد أن نقبل منه ما وضعه الناس من اسم مصدر على بناء فُعْلَة أي (تُقْيَة)، وهو نظير (غُنْيَة)، قال الجوهري “غَنِيَ به عنه غُنْيَةً”(14)، و(قُنْيَة)، قال الجوهري “وقَنَيْتُ أيضًا قِنْيَةً وقُنْيَةً، إذا اقتَنيتَها لنفسك لا للتجارة”(15). ومثله (جُرْأة، وحُرْمة، وغُرْبة، وقُرْبَة)، ولكن الذي أود التنبيه إليه أنّ (تُقْيَة) اسم مصدر للفعل تَقَى يَتْقِي أو يَتْقَى، وأما اتّقى فاسم مصدره (تَقِيّة)، والذي ننتهي إليه أنّ (تُقْيَة) لها من اللغة مساغ.
إن يسغ استعمال (تُقْيَة) فهل يسوغ استعمال الناس في قولهم (اتّقى تُقْيَة)؟ أقول يسوغ فهو مثل (اغترف غُرفة) قال تعالى ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾[البقرة-249].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأزهري، تهذيب اللغة، 9: 200.
(2) ابن السراج، أصول النحو، 3: 130.
(3) الأزهري، تهذيب اللغة، 9: 200.
(4) الجوهري، الصحاح، 6: 2526- 2527.
(5) الخليل بن أحمد، العين، 5: 239.
(6) حُمَيْد بن قيس الأعرج.
(7) الأزهري، تهذيب اللغة، 9: 200. وانظر: عبداللطيف الخطيب، معجم القراءات، 1: 473.
(8) أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، ط1، 2008م، 3: 2486.
(9) عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، 3: 2486.
(10) ابن سيده، المخصص، 4: 334.
(11) الجوهري، الصحاح، 6: 2527.
(12) الأزهري، تهذيب اللغة، 9: 200.
(13) ابن سيده، المحكم، 6: 599.
(14) الجوهري، الصحاح، 6: 2449.
(15) الجوهري، الصحاح، 6: 2467.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *