الفتوى (1277): ما الفرق بين الاستئناف والقطع؟


الفتوى (1277): ما الفرق بين الاستئناف والقطع؟


السائل: العربية اعتزازي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
في أثناء دراستي لبعض المسائل النحوية في كتب التفسير؛ التبس عليَّ استعمال النحاة لمصطلحي القطع والاستئناف في توجيه إعراب القراءات، فمنهم من يجعلهما مترادفين فيقول على سبيل المثال: الرفع على القطع والاستئناف. ومنهم من يفرق بينهما فيقدر مبتدأ أو خبرًا محذوفين عند استعماله للاستئناف.
فقد نجد في توجيه قراءة واحدة من يجعلها على القطع والاستئناف معًا، ونجد غيره يقول: كلام مستأنف، وثالث يقول: هذا على قطع الفعل واستئناف القول.
سؤالي: ما الفرق بين المصطلحين؟ ولماذا يجمع بينهما بعض النحاة في التوجيه الإعرابي؟

الفتوى (1277):

عليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه،
يستعمل النحويون مصطلح القطع في باب الاستئناف للتدليل على قطع الكلام عمّا قبله وانفصاله عنه، فلا يكون في حيِّزه الإعرابي؛ للبدء بكلام جديد مُستأنَفٍ به لا تعلُّقَ له بسابقه من جهة الإعراب، فلا يكون الاستئناف إلا بقطع الكلام الجديد إعرابًا عمّا قبله، فدل ذلك على أن الاستئناف ناتجٌ من القطع الإعرابي، فهما – أعني القطع والاستئناف- مصطلحان متلازمان في باب الاستئناف يكون أحدهما سببًا للآخر، ومثال ذلك قوله تعالى: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ} فقد قُرئ “ويذرهم” بالجزم والرفع، فالجزم عطفًا على الجزاء في قوله: “فَلَا هَادِيَ لَهُ”؛ لأنّ موضعه جزمٌ. والمراد بالموضع أنه لو كان الجواب فعلًا، لكان مجزومًا. وأما رفع الفعل “يذرُهم” فهو على القطع والاستئناف؛ أي على قطع الفعل وفصْله عن الحيِّز الإعرابي لما سبقه، فيكون الرفع على معنَى “وهو يذرُهم في طُغْيانهم”. وكذا قولُ اللهِ- عز وجل-:{وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ}، قُرِئ الفعل (يغفر) عطفًا على فعل جواب الشرط المجزوم (يحاسب)، وإدخالًا له في حيزه الإعرابي، وقُرئ بالرفع بالقطع الإعرابي عن الأول، والاستئناف لما بعده . وكذا قولهم: لا تدنُ من الأسدِ يأكلُك، بقطع الفعل يأكل عن حيز الجزم جوابًا للطلب، فلا يكون جوابًا للنهي عن الدنو من الأسد؛ لعدم استقامة الكلام في جعْله جوابا للطلب؛ لأن التقدير بجعله جوابًا للطلب: إنْ لا تدنُ من الأسد يأكلْك، وهذا محالٌ، فكانت الاستقامة الكلامية بقطع الفعل عما قبله والاستئناف لما بعده على تقدير: لا تدنُ من الأسد فإنه يأكلُك، وكأنّ المعنى أنه قال له: لا تدنُ من الأسد، ثم قال له: إنه مما يأكلُك. فدل ذلك على أن القطعَ مُترتِّبٌ عنه الاستئنافُ؛ مما جعل النحويين يصرحون في السياق الإعرابي للاستئناف بمصطلحي القطع والاستئناف معًا للمقصدينِ المذكورينِ آنفًا، غير أن بعض النحويين اكتفى في سياق الاستئناف بمصطلح القطع ولم يصرح بمصطلح الاستئناف لدلالة التوجيه الإعرابي عنه، وبعضهم الآخر اكتفى بمصطلح الاستئناف ولم يصرح بمصطلح القطع لوضوح المراد من أن الاستئناف لا يكون إلا بالقطع الإعرابي.
ومما ينبغي الإشارة إليه دفعًا للبس أن مصطلح القطع يَرِدُ عند النحويين في بابي النعت والحال على خلافٍ بينهم في توجيه المصطلح؛ فالقطع في سياق التبعية له مقصد عند البصريين يُخالف مقصد الكوفيين فيه، فالبصريون يقصدون بالقطع قطع الصفة عن الموصوف لدلالةٍ مقصودةٍ مثل المدح أو الذم أو الترحم أو التخصيص، فتنفصل الصفةُ وتنقطع عن موصوفها في التبعية الإعرابية، نحو قولنا: مررتُ بمحمدٍ الكريمِ، فتُقطَع الصفة (الكريم) عن موصوفها لدلالة المدح بالنصب على المفعولية بتقدير الفعل أمدح؛ أي أمدحُ الكريمَ، أو بالرفع على الخبرية بتقدير المبتدأ هو؛ أي هو الكريمُ . وأما الكوفيون فاستعملوا مصطلح القطع للمخالفة بين النعت والمنعوت بجعل النعت حالًا لوقوعه نكرةً بعد أن كان في التقدير نعتًا معرَّفًا لمنعوته المعرَّف، نحو قولهم: رأيتُ محمدًا كريمًا، فنصْبُ (كريمٍ) على الحالية لقطعه عن منعوته في تقدير التعريف في نحو: رأيتُ محمدًا الكريمَ، فلما خالف النعتُ المنعوتَ بتنكيره صار حالًا له، مع التنبيه على أن بعض الكوفيين توسّع في مصطلح القطع وجعله عامًّا في كل ما كان حالًا عند البصريين، فيجعلون المنصوب في نحو: أنت محسنًا أفضل منك مسيئًا، منصوبًا على القطع.
هذا ما بدا لي في هذه المسألة. والله أعلمُ!

اللجنة المعنية بالفتوى:

المجيب:
د. أحمد البحبح
أستاذ اللغويات المشارك بقسم اللغة
العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة عدن
راجعه:
أ.د. محروس بُريّك
أستاذ النحو والصرف والعروض المشارك بكليتي
دار العلوم جامعة القاهرة، والآداب جامعة قطر
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *