الفتوى (1300): هل قصرُ الممدودِ ضرورةٌ شعريةٌ أو لغةٌ صحَّتْ بها القراءاتُ؟


الفتوى (1300): هل قصرُ الممدودِ ضرورةٌ شعريةٌ أو لغةٌ صحَّتْ بها القراءاتُ؟


السائل: عبدالباري العلمي

أحسن الله إليكم ودرّ الخير عليكم،
لا أكاد أقف على كتاب نحوي أو عروضي إلا وأُلفيه يعُدّ قصر الممدود من قبيل الضرورة الشعرية. ووجه الإشكال لديّ أن الإمامين حمزة وهشام يقفان بقصر الممدود في نحو: السفها، السما، الأنبيا، كله بلا همز، فكيف يصح أن يكون ذلك ضرورة شعرية، وقد اطردت فيه قراءتان متواترتان؟

الفتوى (1300):

مرحبًا بك أخي السائل، وزادك اللهُ بسطةً في العلم، واعلم أخي أن القراءة القرآنية إذا ثبتت في الأثر وصحَّت في النقل أُخِذَ بها ونُصَّ على فصاحتها من غير نظرٍ إلى الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، ولا إشكال في قراءة حمزة وهشام بالوقف على الممدود؛ لأن للوقف أحكامًا خاصةً لا تسري على الوصل في الكلام؛ إذ بالوقف مظنة استراحة القارئ، فلا يقف إلا وقد وهنت قوة لفظه وصوته ونَفَسِهِ فيما قرأ قبل الوقف، والعرب تخفف الهمز وتسهلها في فصيح استعمالها وقفًا ووصلًا إما بالقلب وإما بالحذف وإما بين بين، فلا ضير أن يقف القارئُ على الممدود مقصورًا بحذف همزته أو بقلب همزته ألفًا ثم حذفها لاجتماع ألفينِ؛ فيصير الممدود مقصورًا في حال الوقف. قال أبو شامة المقدسي في كتابه (إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع) في سياق شرحه قول الشاطبي (أجذم العلا):
“والعلاء بفتح العين يلزمه المد وهو الرفعة والشرف، وأتى به في قافية البيت على لفظ المقصور، وليس هو من باب قصر الممدود الذي لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، بل يمكن حمله على وجه آخر سائغ في كل كلامٍ نثرًا كان أو نظمًا؛ وذلك أنه لما وقف أسكن الهمزة ثم إنه قلبها ألفًا، فاجتمع ألفان فحذف أحدهما كما يأتي في باب وقف حمزة وهشام على نحو السماء والدعاء”. وقال في موضع آخر:
“قال بعضهم لغة أكثر العرب الذين هم أهل الجزالة والفصاحة ترك الهمزة الساكنة في الدرج والمتحركة عند السكت”.
وبذلك يُعلَم أن قراءة قصر الممدود في الوقف يندرج في ضمن تخفيف الهمز الوارد في القراءات القرآنية المتواترة والشاذة، ولا صلةَ لها بقصر الممدود في الضرورة الشعرية التي نص ابن مالك على الإجماع فيها بقوله في الألفية: (وَقَصْرُ ذي المَدِّ اضطرارًا مُجمَعٌ عليه.. ). مع التنبيه على أن قصر الممدود الذي يُعدُّ ضرورةً شعريةً يكثر ورودُه في الشعر، قد يَرِدُ قليلًا في غير الشعر في درج الكلام ووصله، وقد ورد في بعض القراءات. قال الألوسي في (روح المعاني) في سياق تفسيره قول الله تعالى: {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ }[النحل: 27]
“وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ «شُرَكَائِيَ» مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مَفْتُوحَ الْيَاءِ، وَفِرْقَةٌ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمْ سَكَّنُوا الْيَاءَ فَتَسْقُطُ فِي الدَّرَجِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخِلَافٍ عَنْهُ بِالْقَصْرِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ مَأْخُوذةٍ؛ لِأَنَّ قَصْرَ الْمَمْدُودِ لَا يَجُوزُ إِلَّا ضَرُورَةً، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي السَّعَةِ، وَقَدْ وُجِّهَ أَيْضًا بِأَنَّ الْهَمْزَةَ الْمَكْسُورَةَ قَبْلَ الْيَاءِ حُذِفَتْ لِلتَّخْفِيفِ وَلَيْسَ كَقَصْرِ الْمَمْدُودِ مُطْلَقًا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ قَصْرُ الَّتِي فِي الْقَصَصِ وَ{وَرَائِي} فِي مَرْيَمَ، وَعَنْ قُنْبُلٍ قَصْرُ {أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} فِي الْعَلَقِ فَكَيْفَ يُعَدُّ ذَلِكَ ضَرُورَةً”.
وقال أبو حيان في (البحر المحيط) في سياق ذكر القراءات المذكورة آنفًا في قصر الممدود في الدرج:
“وذَكَرُوا أنَّهُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، ولا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِثُبُوتِهِ في هَذِهِ القِراءَةِ، فَيَجُوزُ قَلِيلًا في الكَلامِ”.
والله أعلم!

اللجنة المعنية بالفتوى:

المجيب:
أ.د. أحمد البحبح
أستاذ اللغويات المشارك بقسم اللغة
العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة عدن
راجعه:
أ.د. محروس بُريّك
أستاذ النحو والصرف والعروض المشارك بكليتي
دار العلوم جامعة القاهرة، والآداب جامعة قطر
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *