الفتوى (1304): استعمال ضمير الذكور في خطاب الأنثى لنكتة التعظيم


الفتوى (1304): استعمال ضمير الذكور في خطاب الأنثى لنكتة التعظيم


السؤال:

هل يقال للنساء: السلام عليكم، أم: السلام عليكن؟

الفتوى (1304):

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اقتدى بهداه. وبعد:
فقد سُئلت قبل مدة طويلة عن قول الناس في مخاطبة النساء: السلام عليكم ورحمة الله، بضمير الجماعة المذكر.. وهو شائع، بل هو الواقع. ولا يكاد تسمع من يخاطبهن بـ”السلام عليكن” حتى في مخاطبة النساء لبعضهن.
والموضوع –هنا- لا يختص بالسلام، بل يشمل كل خطاب، ونحوه.
وكنت على يقين من صحة هذا الأسلوب، ووجدت له شاهدًا، هو قول العرجي:
فإن شئتِ حرمتُ النساءَ سِواكم … وإن شئتِ لم أطعَم نُقاخًا ولا بَرْدا
ثم لقيت شاهدًا آخر ذكره ابن عاشور، ونبه عليه في سورة المؤمنون. وهو قول جعفر الحارثي:
فلا تحسبي أني تخشعتُ بعدكمْ *** لشيء ولا أني من الموت أفرقُ
قال ابن عاشور: وقد حصَل لي هذا باستقراءِ كلامِهم، ولم أرَ من نبَّه عليه”.
ويمكن أن يكون منه قولُ الله تعالى في إخباره عن كلام النمل في سورة النمل (الآية: 18): (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ). وهو أوسع من ذلك.
والخطاب في آية النمل هو من باب تنزيل غير العاقل منزلة العاقل، وله نكتة بلاغية دقيقة، هي أنه لما أسند إلى النملة فعل القول، وجعل النمل مخاطَبًا –والقول والإصغاء من شيم العقلاء- أجراهن مُجرى العقلاء في ضمير الجمع، وقد أشار إلى نحو ذلك الفخر الرازي، كما بحث العلماء عن النكتة في قوله تعالى في سورة يوسف (الآية: 4): )إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ(، وهي أنها نزلت منزلة العقلاء؛ لأن السجود الذي نعلمه ونراه إنما يكون من العقلاء.
وأما خطاب النسوة بميم الجمع فالذي يظهر أن النكتة فيه قصد التعظيم؛ لأن التعظيم لا يكون بضمير الإناث الدال على الجمع، فلا يقال للأنثى الواحدة: أنتن قلتن، فيما أعلم.
إنما يكون التفخيم بميم الجمع، والمخاطِب حين يخاطب الأنثى أو الإناث بـ”أنتم” ونحوها لا يكون في باله غير التفخيم، وهو معنى صحيح، ولا خطاب له غير هذا اللفظ، فلم تضع له العرب لفظا خاصا، ولم يكن للنساء عظمة، إنما التعظيم للرجال.
وفي هذه الحالة يُستعمل في الخطاب ضمير الذكور، لا الإناث؛ لأنه هو الأليق بالتعظيم لِاعتبارات، منها:
أولها: أن الغالبَ في مقتضِيات التعظيم -من جاهٍ أو منصب أو مُلك أو نحوِها- أن تكون للرجال، شَرعًا وعُرفًا وواقعًا.
ثانيها: أن ضمير الذكور أعمُّ دلالةً من ضمير النسوة؛ لأنه يدخل فيه الإناث -على وجه التغليب- إن شاركن الذكور في مرجعه. وضمير النسوة لا يتمحض إلا للإناث، أو لغير العاقل من الذكور.
ثالثها: أن ضمير الذكور لا يُستعمَلُ لغير العاقل، إلا على وجه تنزيلِه منزلة العاقل. وأما ضميرُ النسوة فيستعمل للعاقل وغير العاقل، وفي هذا انحطاطٌ له عن درجة ضمير الذكور.
رابعها: أن استعمالَ ضمير الذكور في خطاب الأنثى للتعظيم أضحى نهجًا لغويًّا شائعًا في عصرنا في المكاتبات والمخاطبات؛ والعادة محكمة إن لم تخالف أصلًا أو قياسًا صحيحًا.
ويحتمل أن يكون ذلك من باب الكناية، ولا سيما أنهم يكثرون من الكناية في شأن الأنثى.
ومن ثم فيُعلم أن العرف اللغوي المعاصر المتبع في استعمال ضمير الذكور في خطاب الأنثى للتعظيم لا ينافي أصول اللغة، وله وجه من القياس الصحيح.
أعرض عليكم ما بدا لي، والرأي لكم بما تؤيده الأدلة. والله يحفظكم.

تعليق أ.د.محمد جمال صقر:

أحب أن أضيف وجهًا آخر من وجوه مخاطبة الإناث بضمير الذكور هو التستر والتحرج، وما زال في استعمال المعاصرين.
والله أعلى وأعلم!
والسلام.

اللجنة المعنية بالفتوى:

المجيب:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)
راجعه:
أ.د. محمد جمال صقر
(عضو المجمع)
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *