الفتوى (1322): هل كتابُ سيبويهِ أصلٌ أو مُسوَّدةٌ؟


الفتوى (1322): هل كتابُ سيبويهِ أصلٌ أو مُسوَّدةٌ؟


السائل: القلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
كرمًا:
هل صحيح بأن (الكتاب) الموجود في مكتبات التراث العربية ليس الكتاب الأصلي لسيبويه وإنما هو مسودة؟
وهل الكتاب الذي تذكر القصص بأن زوجة سيبويه اقتصّت منه هو نفسه الكتاب لا غيره؟ وهل هذه القصة حقيقية؟
بالرغم من أن أكثر الروايات تشير إلى أن سيبويه لم يتزوج وقد كان ككوكب سحر.
أليست تلك الروايات في مقام الدعم والتشجيع للمتعلم أم أنها حقيقية؟
مع الشكر.

الفتوى (1322):

مات سيبويه – رحمه الله – في عنفوان شبابه وقد خلَّف للعربية كتابًا فريدًا ليس له مثيلٌ في فنِّه أعجز به المتقدمين والمتأخرين والمحدثين، فاستوعب النحوَ العربيَّ نُضْجًا واكتمالًا ، ولا يصح في الأذهان أن هذا الكتاب الذي بلغ غايةً رفيعةً في التأليف أنْ يكون مْسوَّدًا من كتابٍ آخرَ أُفنِيَ، أو أنه أنشأه بعد كتابٍ آخرَ قبله . قال المقري التلمساني عن كتاب سيبويه في كتابه نفح الطيب [4/ 85] : ” وأما كتابه الجاري بين الناس فلم يصح أنه أنشأه بعد كتاب آخر قبله على أن ذلك قد ذُكِرَ”.
ولا يُعاب على كتاب سيبويه خُلوُّه من مقدمةٍ، فالمُحقَّقُ والمُقرَّرُ أنَّ أبوابَه السبعةَ الأولى تُعدُّ مقدمةً لِمَا فصَّله سيبويهِ في كتابه. وقد أثنى العلماء على مر العصور ببراعة سيبويه في تأليف كتابه، وتكاد الرواياتُ تُعدَمُ بأنَّ كتابَه مُسوَّدٌ من كتاب آخر غيرَ روايةٍ متقدمةٍ أشبه باليتيمة في بابها، منقولةٍ عن أبي علي الفارسي، نقلها عنه تلميذُه أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي البغدادي المتوفَّى سنةَ سبعَ عشرةَ وأربعِ مئةٍ للهجرة في كتابه الفصوص[ 5/ 8] :
“قال لنا أبو علي: تزوَّج سيبويهِ بالبصرة بجارية عشقته وهو قد بنى عَقْدَ كتابِه، وصنَّف أوائل أبوابه، وهي جُزازاتٍ وقِطَعِ جلودٍ، وخِرَقٍ، وأَشْقافٍ بِيْضٍ، فلم يكن يُقبِل على الجارية، ولا يشتغل بها، وهي مشغوفة بحبه، ولم يشغَله غير النظر والسهر والكتب، فترصدتْ خروجه إلى السوق في بعض حوائجه، وأخذت جذوة نارٍ فطرحتها في الكتب حتى أُحْرِقَتْ، فرجع سيبويه فنظر إلى كُتُبه وهي هَباءٌ فغُشِي عليه أسفًا، ثم أفاق فطلّقها، ثم ابتنى الكتاب بعد ذلك ثانيةً . قال لنا أبو علي: وذهب منه علمٌ كبيرٌ أخذه على الخليل فيما احترق له، وإنَّا لله على ذلك”.
وهذه الرواية – على افتراض صحتها – ليست دليلًا على أن كتاب سيبويه الذي بين أيدينا مُسوَّدٌ من كتاب آخر، إنما جاء في هذه الرواية المتفردة في كتب التراجم والطبقات أن زوجة سيبويه أحرقت أوائل أبواب كتابه التي صنّفها في حينِه، وليس الكتاب كله، بل في هذه الرواية دليلٌ على أن سيبويه ابتنى الكتاب مرَّةً أخرى ؛ فالابتناء يراد به التأليفُ على وجه جديدٍ غيرِ مُسوَّدٍ من سابقٍ ، مع التنبيه على أن كثيرًا من العلماء دأب على تبييض مؤلفاته بعد تسويدها زيادةً في التنقيح والضبط والإتقان، وحرصًا على الخلوِّ من العيوب، وليس في ذلك تنقيصٌ أو تقليلٌ من إنتاجاتهم العلمية .
وسواء أَثَبَتَتْ هذه الروايةُ أم لم تثبتْ، يبقى كتابُ سيبويهِ غايةً في النضوج والاكتمال تأليفًا ومادَّةً؛ مَثَّلَ إعجازًا في النحو العربي على مرِّ تاريخِه.

اللجنة المعنية بالفتوى:

المجيب:
.د. أحمد البحبح
أستاذ اللغويات المشارك بقسم اللغة
العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة عدن
راجعه:
أ.د. محمد جمال صقر
(عضو المجمع)
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *