الفتوى (1359): أيهما أصحُّ: الرّئيسُ أم الرئيسي؟


الفتوى (1359): أيهما أصحُّ: الرّئيسُ أم الرئيسي؟


السائل:

السلام عليكم ورحمة الله
حياكم الله
من فضلكم أرجو التفضل بتوضيح استعمال كلمة “الرئيس”.
أعني أيهما أصح في الاستعمال: الرئيسة أم الرئيسية؟
بارك الله فيكم.

الفتوى (1359):

الرّاجح أنّ الأصوبَ “الرّئيس” وليس “الرئيسي” ولا يُنْسَبُ بياء النّسبة فلا يُقالُ:”الرئيسي والرئيسية”، تُسْتَعْمَلُ هذه الصّفةُ للإنسان دون غيره فيُقال: فلانٌ رئيس في قومه أي سيِّدُ قومه، والـجمع رُؤَسَاء. وقد يُجاوَزُ بِهذه الصّفةِ موضِعُها الحقيقي إلى معنى مجازي فيطلَقُ لفظ (الرئيس) مَجازًا لوصف الشيء بالرئاسة؛ نظرًا لأن هذا الشيء يتبوأ منزلة عالية على غيره مما هو من جنسه. فالإطلاق على سبيل المجاز لا غير. وهذا القولُ مُقرَّرٌ في بابِه وتُؤيِّدُه قاعدة أنّ (الزّيادةَ في اللّفظِ زيادةٌ في المعنى)، فإذا زدنا ياء النّسبة وقلنا: [الرئيسي] فلم نزِد معنى جديدًا على المعنى الذي يدلّ عليه لفظ “الرئيس”، فنقول: دخل الوزير من البابِ الرئيس؛ لأنّ هناك أبوابًا أخرى ثانوية أو خلفية يدخل منها صغار الموظّفين… ونَقولُ: الخبر الرئيس في النشرة؛ لأن هناك أخبارًا جانبية… فالنسبة هاهنا [الرئيسي] لا تعني شيئًا، فإذا زعمْنا أنّ الصَّوابَ زيادة ياء النّسبَة في قولنا: [النشرَة الرّئيسيّة] فكأننا ننسب النشرة إلى سيادة الرئيس، أو ننسب الباب إلى فخامة الرئيس إذا قلنا “الباب الرئيسي”، وكأنّه الباب الوحيد الذي يدخل منه هو دون غيره فهو منسوب إليه وحدَه، ومثلُه قولُنا (البابُ الوِزاري) لا يدخل منه إلا الوزراء، أو المرسوم الوزاريّ أو القرار الرئيسي أي القرار الصّادر عن فخامة الرئيس…
والرأي عندي أنّ العلّةَ دخلَت علينا من الترجمة الحرفية ولم ننتبِه فرُحْنا نلتمسُ العللَ والمُسوِّغاتِ ونُقدّم الأيمانَ المُغَلَّظَةَ على صحّة “الرئيسي”. أقول الآفَةُ آتيةٌ من التّرجمة، فأصلُ الكلمةُ: Principal نسبةً إلى prince أي الأمير، أو نسبةً إلى principe أي المبدأ، فينبغي أن نضرب عن الترجمة الحرفية صفحًا وننظر في أسلوب كلّ لغة وطريقتها في الدّلالة والتّعبير.
ومن مَعاني الرّئيس في اللّغة: الذي شُجَّ رأسُه، مثل القتيل: الذي قُتِلَ، والجَريحُ الذي أُصيبَ بجُرحٍ-والرَّئيس والرّأس: سيّد القومِ والمُقَدَّمُ فيهِم والمُعظَّمُ فيهِم. وهذِه كما قُلْتُ: هي في الأصلِ صِفةٌ من صِفاتِ الإنسانِ فقط، وقدْ يُجاوَزُ بها عنْ موضِعِها إلى الأشياءِ… ولكن يُلتَزَمُ ما سُمعَ أو القياسُ على ما سُمعَ؛ لأنّ مبنى اللّغة على السّماعِ فإن لَم يكن فَعَلى القِياسِ على المسموع، ولا تُبْنى اللغة على الذّوقِ أو الاستساغة أو الشّهرةِ المُعاصِرةِ في زمانِنا؛ لأنّ زَعْمَهُم الشّائعَ: خطأ مَشهورٌ خَيرٌ من صَوابٍ مَهجورٍ؛ ادِّعاءٌ لا مُسوِّغَ له وضربٌ من القواعدِ المُفْتَراةِ على هذا اللِّسانِ.
ومثل الرئيس والرئيسي: الأساس والأُسُّ والأسيسُ: كُلُّ مُبتدإ شيء، والأساس أصلُ البِناء، وما قُلْناه في الرّئيس يُقالُ في الأساس، فالأساس صفةٌ للذاتِ أو المَعْنى، فتقولُ: العُنصرُ الأساسُ أي العُنصرُ الذي هو مُبتدأٌ لغيرِه من العناصرِ، والفكرةُ الأساسُ أي الفكرةُ المُنطَلَقُ منها لفهمِ غيرِها من الأفكار، ويستوي في الوصفِ بـ(الأساس) المذكّرُ والمُؤنّث، والوصفُ بالأساسِ -خاصّةً- نعتٌ بالجامدِ فهو جامدٌ غير مشتقٍّ ويجوزُ الوصفُ بِه؛ لأنّه مُؤوّلٌ بمشتقّ، ولا حاجةَ إلى النّسبة فلا نقولُ (الأساسي)، لأنّ الأساسي يُمكن أن ننعتَ بِها الشيءَ المنسوبَ إلى أساسِ البِناءِ، وهذا تعقيدٌ وإعضالٌ.
وقريبٌ مما سَبَقَ: المبدأ؛ فهو كُلُّ ما رَقِيَ إلى مستوى المعاني السّامية واستحقّ أن يُضحّى من أجلِه فهو مبدأ ويُجمعُ على مبادئ، ومن مَعانيه مُبْتَدَأ الأشياء ومُنطَلَقُها، ويحسُن ألا ننسبَ إلى المبدإ بل ننعت به كما ننعت بالرئيس والأساس، فتقولُ هذِه قضيةٌ مبدأ (بتنوين الرفع للقضية والمبدإ)، وتقول: هذه قضيّةُ مبدإٍ (بالإضافة). وأمّا الاستعمالُ المُعاصر (للمبدئيّ) فالياء هنا ليست مصدريّة صناعيةً ولكنّها ياء النسبة إلى كلمة (المبدأ) وهي زائدةٌ بلا مسوغ، وكلمة المبدأ تدلّ على المكان المجازي أي مكان البدء أو المبتدإ، فهو مكان معنوي متصَوَّرٌ، فإذا جاز وصحَّ أن ننسبَ إليه فإنّما ننسبُ إلى المكان المجازي.

اللجنة المعنية بالفتوى:

المجيب:
أ.د. عبد الرحمن بودرع
(نائب رئيس المجمع)
راجعه:
أ.د. محمد جمال صقر
(عضو المجمع)
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *