قواعد لترجمة المصطلح الأعجمي إلى اللغة العربية


قواعد لترجمة المصطلح الأعجمي إلى اللغة العربية



بسم الله الرحمن الرحيم


الأسس العامة التي ينبغي الركون إليها عند إرادة نقل المصطلح الأعجمي إلى اللسان العربي، أهمها ما يلي:
1. مراعاة الدلالة الدقيقة للكلمة في لغتها ومجالها الاستعمالي.
2. انتقاء المرادف العربي المطابق.
3. مراعاة الأوزان والصيغ العربية عند صناعة البديل العربي.
4. ألا يُلجأ إلى تعريب المصطلح إلا عند تعذر وجود الترجمة المناسبة، لأن كثرة التعريب يؤدي إلى شيوع الألفاظ الأعجمية وتهجين اللغة.
5. مراعاة أصالة اللفظة العربية المقابِلة للمصطلح الأعجمي، وخلوها من العيوب اللفظية وما يخل بفصاحة الكلمة؛ ككثرة الحروف وتنافرها، وتوغلها في الغرابة…
6. وضع منهج موحَّدٍ ودقيق للترجمة مع التزامه.
ونتصور لهذا المنهج أن يكون وفق المعايير والخطوات التالية:
1) الانطلاق في ترجمة كل لفظة من أصول ثلاثة: أ/الدلالة اللفظية والاصطلاحية ـ ب/الاشتقاق؛ لربط اللفظة بجذرها اللغوي. ج/ الحقيقة الخارجية لمعنى اللفظة.
2) الرجوع إلى ما أنجز من ترجمات سابقة للمصطلح المراد ترجمته إن وُجِدَتْ، والاستعانة به، مع الحذَر من الثقة بكلِّ ترجمة قبل فحصها بدقة، وفق المعايير التي أذكرها هنا.
3) البناء الدقيق للحقول الدلالية التي تنتمي إليها لألفاظ؛ لأجل وضع كل لفظة في حقلها المناسب العام والخاص.
4) تحديد مجال استعمال اللفظة في لغتها الأصلية، ويعين على ذلك تعيين المعنى الدقيق الواضح للفظة الأعجمية في لغتها لإيجاد المطابق العربي المناسب لدلالتها، ومن أهم ما يعين عليه أيضا: الاستعانة بالمتخصصين في معرفة ألفاظ المصطلحات المترجَمَة لتعيين معانيها الدقيقة. وقد يحتاج الخبير اللغوي المترجِم لمعاينة الصور والألوان والمجسمات وذوات الأعيان المترجَمَة، وشم المشموم، وذوق المطعوم، وسماع الصوت، ونحو ذلك من محددات الدلالة.
5) الجمع بين المصطلحات المترادفة في الدلالة وفيما تحيل إليه، ثم مقابلتها بلفظة عربية واحدة شاملة، لأجل اجتناب تعدد المقابل مع تباين الترجمة.
6) مراعاة خصوصية اللغة العربية ومرونتها وسعتها اللفظية لانتقاء أنسب الألفاظ المقابِلة.
7) اجتناب المقابِلات المركبة قدر الإمكان.
8) محاولة مطابقة اللفظة المجازية في اللغة الأعجمية بمثلها المجازي في العربية.
9) توخي عدم وقوع اللبس واشتراك الدلالة، ومن أهم ما يعين على ذلك الفصل بين المتصورات والمفاهيم التي تحيل إليها المصطلحات، فيُعطى كلُّ متصوَّر ومفهوم ما يستحقه ويفسره على حدةٍ.
10) مراعاة الدلالة التي اشتُقتْ منها الكلمة الأعجمية، ثم مقابلتها بأخرى متصلة بأصلها الاشتقاقي في اللغة العربية، ومن هنا ينبغي الحذر من الترجمة الحرفية؛ لأن المراد إيجاد مقابِلٍ عربي مطابق للدلالة العرفية للفظة الأعجمية، وليس المراد ترجمة معجمية.
11) مراعاة دقة الإحالة إلى العلاقة الدلالية بين اللفظة وما تحيل إليه من المعاني، والمراد بذلك أن ينظر في المعاني التي تحيل إليها الكلمة المترجمة ونوع العلاقة بينها وبين تلك المعاني، فيختار لها المقابل المطابق للإحالة الدقيقة.
12) توخي تمايز المقابلات العربية وعدم تداخلها، ومن أهم ما يعين على ذلك وضع مقابِلٍ حاصرٍ ـ لكل كلمة مترجَمَة ـ لايُحيل على مفاهيم متعددة.
13) محاولة عدم صناعة مصطلح جديد إلا عند تعذر العثور على مقابل مناسبٍ في التراث العربي المحفوظ والمقيس، ومن هنا ينبغي التأكيد على تجنب الأخطاء التي وقع فيها بعض المترجمين للمصطلحات الأعجمية من المحدثين الذين صنعوا بدائل لها آثار سلبية على العربية، كابتداع أوزان وصيغ غريبة لا توجد في العربية، وبناء مصطلحات من مواد مهملة في اللغة العربية، وتهجين الألفاظ العربية بمزجها أو خلطها بألفاظ أعجمية…نحو: صوتيم ـ وميتالغة ـ وصيغم ـ وكُتابية ـ وقَوِلات….
14) المحافظة على الدلالة العربية الوضعية الأصلية، وعدم إخضاعها للألفاظ والتصورات الأعجمية، فإن عدم مراعاة خصوصية اللغة يجعل المصطلح ضائعًا مذبذبًا، ومن الأمثلة على ذلك أن الألفاظ المترجمة من بعض اللغات الأعجمية مليئة باللواصق واللواحق والدواخل، وتتحكم في معانيها وفروقاتها، ولا يلزم أن يكون ذلك في اللغة العربية؛ لأن الأصل في اللغة العربية الاستغناء عن هذه اللواصق واللواحق
15) استقراء دلالات اللفظة وجمعها، ثم ترشيح المقابل المناسب لكل دلالة، ومن أهم ما يعني على هذا مقارنة المعنى الذهني بالحقيقة الخارجية لها. واصطحاب كل مصطلح بشرح وافٍ لدلالاته وإطلاقاته.
هذه المعايير قد تكون صارمة، ولكن مراعاتها مهمة جدًا لدقة الترجمة ومقاربة ما أمكن من الكمال، ومع ذلك ينبغي أنْ يعلَم أنه توجد أمور تلزم مراعاتها في هذا الإطار، وأهمها:
أ‌- أنه قد يُقابل اللفظ بلفظٍ آخَر لأدنى ملابسة بينهما في الدلالة.
ب‌- أنَّ سعة اللغة العربية وكثرة مجازاتها تقتضي عدم اقتصار المقابِل اللغوي على لفظة واحدة، وتقتضي عدم الإحجام عن إطلاق لفظةٍ منها على شيء يمكن ربطه بدلالتها. وهذه السعة تُعدُّ من أهم مزاياها في الاستخدام البشري للغة وفي المجالات كافة، وهي أيضا أبرز سلبياتها في هذا المجال لتعدد الخيارات وتنوعها وصعوبة تحديد المقابل المناسب وتعيينه.
ت‌- أنَّ قوة المصطلح تعتمد على شيوع استعماله ورواجه لا على قوته اللغوية غالبًا، وبناءً على هذا يمرُّ المقابِل المترجِم بمرحلتين: الأولى: اختياره وتعيينه. والثانية: استعماله وترويجه وتعميمه.
ث‌- أنَّ تعدد المقابِل واختلافه أمر شائع في ترجمة المصطلحات، فلا ينبغي أن يُعوَّل عليه في رد المصطلح.
ج‌- تجب الثقة العلمية في استيعاب اللغة العربية للمعاني الطارئة مطلقًا، وعلى هذا يُعَدُّ وجود ألفاظ أعجمية غير مترجمة ولا معرَّبة في المجتمع العربي لا مبرر له، ولا سيما في المؤسسات العامة الثقافية والتجارية والاجتماعية وغيرها.
ح‌- لا مجال للذوق والأحكام العاطفية والنفسية في ترجمة الألفاظ، لأنّ المصطلح خاضع لمعايير علمية، والأحكام النفسية والذوقية لا تقاس ولا ترجع إلى قواعد مضطردة ولا ضوابط ثابتة، وإنما مرجعها إلى الطبع والأحوال النفسية المتقلبة.
والله أعلم.
من المراجع لهذا الموضوع:
1. تقدم اللسانيات في الأقطار العربية، وقائع ندوة جهوية، الرباط 1987.
2. صوغ المصطلح العلمي وتوحيده، الندوة العلمية الرابعة لمجمع اللغة العربية بليبيا 2007.
3. المصطلح العلمي في اللغة العربية، عمقه التراثي وبعده المعاصر، لرجاء دويدري.

عبد الله بن محمد بن مهدي الأنصاري. 1437هـ

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *