الحِثْل والحِذْل في لهجة الباحة والفصحى – أ.د. سعد حمدان الغامدي


الحِثْل والحِذْل في لهجة الباحة والفصحى – أ.د. سعد حمدان الغامدي



[هذا المقال ثمرة من ثمرات الحوارات الجادة التي تتبادل بين أعضاء المنتديات، وهم شتّى في تخصصاتهم، والذين ترد أسماؤهم في هذا البُحيث هم من أعضاء منتدى قبيلة بني خثيم إحدى قبائل غامد، وقد غيَرتُ وبدَلتُ فيه، كما حذَفْتُ بعضًا مما جاء في الحِوَارِ وأثبته في الحواشي.
الحِذْل والحِثْل:
– الحِثْل والحِذْل، كلاهما مستعمل في اللغة قديما مع تغيير الحركة، وسأبين ذلك بعد قليل، ولكن لنسلّم أوَّلًا أنّ اللفظتين في العامية الغامدية وما جاورها أو تأثر بها، وأنّ المشهورَ أنْ تكون بالثاء في جُلّ ما أسمعه، ويسمعه غيري، ولنسلّم ثانيًا أنّ الضبط الصحيح لها في عامياتنا بكسر الحاء، وسكون الثّاء والذّال.
– ولكن لنفكر بالمعنى قبل هذه وتلك؛ فمن الذاكرة أنّ المرأةَ أو الرجل أو الطفل لا فرقَ بينهم في ذلك إذا وضعوا شيئا في حجروهم قالوا: الوَلْد (بسكون اللام في اللهجة) أو الشيء في حِثْلها أو حِثْله وهكذا، فإذا قام الشخص ورفعَ ثوبه على شكل وعاء ليستقبل شيئا، قالوا: هَبَهْ في حِثْله، وإذا سئل عن سن أحد الأطفال قالوا: (بَعَدْ في حِثْل اُمُّهْ) أي أنَّه صغير، وأظنُّني سمعت أحدهم يقول عن أحد الأطفال: ما شا الله الوَلْد ذِهْ في نعمة من يوم هو في حِثْل اُمَّه.
– فيظهر بهذا معنيان: الأوّل يقصد به الأعضاء السفلية للإنسان من الفخذين والساقين وما بينهما من تجويف عند جلسة التّرَبُّع، سواء كان لابِسًا أم عاريًا، وإذا كان واقفا فلا حِثْلَ ولا تسميةً للأعضاء بها، والثاني المقصودُ به أسفل الثوب الأماميّ من الصرّة تقريبا إلى طرفه عندما يمسكه صاحبه من أطرافه السفلية ويشكّله كالوعاء.
– ومن أمثالنا في اللهجة (زِبِيْب الحِثْل) كناية عن حبّه لأمه بحيث لا يغادر حثلها، ذكره المحاورُ، وجاء في تفسيره أنّ المرادَ بالحِثْل (كما يتخاطب به الناس هنا هو إِزَار الرجل أو المرأة الذي يغطي فخذيه إذا تربّع في جلوسه حيث ينتج عن ذلك مكان منخفض، توضع فيه حاجة الإنسان، ويستقر فيه الولد عند الرضاعة أو وقت المداعبة).
ويقول أبو عبد العزيز: (الحُثُوْل: هي مُقَدِّمة الأثواب مما يلي الرُكب، يعني يمسك الثوب باليدين مَعًا من فوق القدمين، ويرفعه إلى مستوى الركبتين، مع تباعد الساقين)، وفيه إضافة لطيفة، وهذان القولان من المعنى الثاني الذي ذكرته.
– وذكر الكاتب المبدع محمد أحمد قحنون [الخفّاش]: أنّ تقارب مخرجي الثاء والذّال مما يُيسّر الإبدال بينهما، وهذا صحيح إلى حدّ ما في شطره الأخير وهو أن تقارب المخارج أو اتحادها قد يتسبب في الإبدال*.
– وحقيقة الأمر فيما أورده أنّ (الثاء والذال) من مخرج واحد هو (طرف اللسان وأطراف الثنايا) وهما رِخْوان (الرخاوة مقابل الشدّة)، ويختلفان في أنّ الذال مجهورة والثاء مهموسة، ثم يلتقيان في أنهما مرقّقان (والترقيق يقابله التفخيم)، هذا حسب جدول أصول الحروف الذي وضعه شيخنا تمام حسان حفظه الله في كتاب الأصول آخذا إياه من كلام سيبويه والخليل.
– فلولا الفرق بينهما في صفتي الجهر والهمس لكانا حرفا واحدا، فلا غرو أن يقع أحدهما مكان الآخر، وهو من قبيل الإبدال اللغوي لا الصرفي القياسي المجموع في (هدأت موطيا)، وقد وجدت من إبدال الثاء والذال في المزهر: (وجَذَوْتُ وجَثَوْت، والجذْوُ: أنْ تقوم على أطراف الأصابع).
– بل إنّ الأمر في الإبدال أوسع من ذلك، لأنه كثير في اللغة ويقع بين الحروف وإن تباعدت مخارجها وصفاتها، وقد نقل السيوطيُّ عن أبي حيان عن شيخه أبي الحسن ابن الضائع: (قلما تجدُ حرفا إلا وقد جاء فيه البدلُ، ولو نادرا)‏.‏
– وعودة إلى كلام شيخ المنتدى أبي أحمد محمد ربيع، وخلاصته أنه لم يسمع الحِذْل، وتواضُعًا منه لم يجعل عدم سماعه حجة في بطلان هذا الاستعمال، وكأنه يقول مع الأوائل: من حفظ حجّة على من لم يحفظ، وقد تأكد من النصوص في المعاجم أن الحِذْل في المعنيين مستعملة.
– وأهم نصّ في هذا هو ما جاء في اللسان من قوله: (والحَذَل والحُذَال والحُذَالة: مستدار ذيل القميص. الجوهري: الحُذْل حاشية الإِزار والقميص. وفي الحديث: من دخل حائطاً فليأْكل منه غير آخِذٍ في حَذْله شيئاً؛ الحَذْل، بالفتح والضم: حُجْزة الإِزار والقميص وطَرَفُه، وفي حديث عمر: هَلُمِّي حَذْلَكِ أَي ذَيْلَكِ؛ فَصَبَّ فيه المال. والحِذْل، والحُذْل، بكسر الحاء وضمها وسكون الذال فيهما: حُجْزة السراويل؛ عن ابن الأَعرابي، وهي الحُذَل، بضم الحاء وفتح الذال؛ عن ثعلب. الأَزهري: الحُذْل الحُجْزة، قال ثعلب: يقال حُجْزته وحُذْلته وحُزَّته وحُبْكته واحد).
– ويلي النص السابق في الأهمية ما جاء في القاموس: (والحُذْلُ، بالضم والكسرِ، وكصُرَدٍ: الأَصْلُ، وكصُرَدٍ: حُجْزَةُ السَّراويلِ، وهو في حُذْلِ أُمِّهِ: في حِجْرِها) وفيه: (وِالحُذْلُ والحُذْلَةُ، بضمهِما: أسْفَلُ النِطاقِ، أو أسْفَلُ الحُجْزَةِ).
– ويلحظ أن الحُجْزة، ومستدار القميص يطلق عليهما (الحُـِـَذْل) بضم الحاء وكسرها وفتحها، ولغة رابعة بضمها وفتح الذال، والحُجْزة التي يذكرون على ما فسرها القاموس (مَعْقِد الإِزار، ومن السراويل موضع التَّكَّة)، وأمّا حِجْر الأم فبفتح الحاء وكسرها وضمّها حسب القاموس، فهي من المثلَّث المتّفق المعنى.
– كما تبين من كلام المحاور، ومحمد بن أحمد الباهوت، ومن أهل بيتي، – وهذه مفاجأة كمفاجأة أبي حسام سعيد الرباعيّ (عندما وجد أهل بيته ينطقونها بالذال) أنهم يسمعونها وينطقونها الحِذْل بالذال، ويبدو أن هذا بتأثير حياتِهم في جدّة، عدا المحاور؛ لأني لا أعرفه ولا مكان إقامته، وكأنها مستعملة عند الجماعة في جدّة خصوصًا.
-وفي كلام أبي أحمد إلماح إلى كثرة استعمال الحِثْل بالثاء في لهجات الجزيرة، عندما ذكر شيخ قبيلة العُجْمان (ابن حِثْلَيْن)، وهذا صحيح، كما فيه إشارة إلى أنَّ معاجم اللغة لم تسجِّل كُلَّ اللغة، وهذا صحيح أيضا.
– وبَقِي أنَّ نثبت ورودَ الحِثْل في الفصحى، ولقد أتحفنا سعيد الرباعي بنصوص من المعاجم، ولكنه لم يعرج على الجذر (حثل) التي ورد فيها النص التالي عن اللسان: (الحَثْل: سُوءُ الرِّضَاع والحَالِ، وقد أَحْثَلته أُمُّه. والمُحْثَل: السَّيِّءُ الغِذَاءِ؛ قال مُتَمَّم:
وأَرْمَلةٍ تَسْعَى بأَشعثَ مُحْثَل = كفَرْخ الحُبَارَى، رِيْشُهُ قد تَصَوَّعا
والحِثْل: الضَّاوِي الدقيقُ كالمُحْثَل. وفي حديث الاستسقاء: وارْحَم الأَطفالَ المُحْثَلة، يعني السَّيِّئِي الغِذاء من الحَثْل، وهو سُوء الرضاع وسوء الحال. ويقال: أَحْثَلْتِ الصبيَّ إذا أَسأَتْ غِذاءَه. وأَحْثَلَهُ الدَّهْر: أَساءَ حالَه. الأَزْهري: وقد يُحْثِله الدهرُ بسوءٍ الحال؛ وأَنشد:
وأَشْعَثَ يَزْهاه النُّبُوحُ مُدَفَّعٍ = عن الزَّادِ، مِمَّنْ حَرَّفَ الدَّهْرُ، مُحْثَلِ
-وفيه أيضا: الجوهريّ: وأَحْثَلتِ الصَّبيَّ إذا أَسأَتْ غذاءه:
قال ذو الرمة:
بها الذِّئْبُ مَحْزوناً كأَنَّ عُوَاءَه = عُوَاءُ فَصِيلٍ، آخِرَ الليل، مُحْثَلِ
وقال أَبو النجم: خَوْصَاء تَرْمِي باليَتِيْمِ المُحْثَلِ
وقال امرؤ القيس:
تُطْعِم فَرْخاً لها سَاغِباً = أَزْرَى به الجُوْعُ والإِحْثالُ).**
-وبتأمل هذا النص أستطيع الخروج بالنتائج التالية:
1- أنّ الحِثْل مستعملة في الفصحى في معنى قريب ممّا ذكرنا، وتفسير ذلك من جهات منها:
أنَّ الكلام الذي جاء في اللسان عن الحِثْل يتجه إلى اليتيم والسيّئ الغذاء وإلى الأمّ، والطفل، والرضاعة، وهذا ملتصق تماما بالمعنيين اللذين ذكرناهما، فالصبي الضعيف الرضيع المحتاج لأمّه لا مكان له عادةً إلا في حِثلها أو حجرها، وأنّ الأم اتهمت في النص بإساءة غذائه، وهذا لا يكون إلا إذا كان رضيعا في مجاعة، أي لا زال ملتصقا بها وبحثلها، ولا مكنة له في أن يُغْذى من خارج حجرها.
2- أن حديث الاستسقاء يتحدث عن الأطفال المُحْثَلَةِ، اسم مفعول من أحثل الثلاثي المزيد بحرف، ومعنى هذا أنه إذا قيل: أحثلته أمّه فمعناه حملته في حِثْلها، وأطعمته من ثديها ولا غذاء فيه فغدا ضعيفا لسوء غذائه، فكأنّ أمّه بوضعه في حثلها، جنَتْ عليه فقيل: عنها أحثلته بمعنى أساءت غذاءه، وانتقل المعنى من طفل مُحْثَل لأنّه وضع في حجر أمه إلى طفل مُحْثَل لأنه سيّئ الغذاء، والتفسير الذي ذكره اللسان للمُحثلَة هو لهذه المرحلة، وفي نفسي شيء من هذا التفسير، لأن كثيرا من هؤلاء الأطفال في وقت الاستسقاء لم يكونوا سيئي الغذاء، لأن هذا لا يكون إلا بعد زمن مجاعة طويلة، وهكذا فذِكْرُ الأطفال المُحْثَلَة في الدُّعاء بابه كباب إخراج النساء والأطفال والبهائم وإظهار الانكسار لله بقصد استدرار رحمته.
3- وقد ظهر لي أيضا من النصوص أن الطفل في حِثْل أمه يطلق عليه (المُحْثَل) و(الحِثْل) بالكسر، وهذان ليسا في اللهجة، وربما كان فيها غيرهما، وكأني أسمع إحدى الأمهات التي تتضايق من طفلها لإصراره على البقاء في حثلها فتقول له: قُم يا حِثْلان.
4- ورأينا نصَّ اللسان يذكر مضارع أَحْثل ومصدره فهو يُحْثِل ويُحْثَل (للمجهول) إِحْثالا، وذكر الحَثْل بالفتح فيكون مصدر حَثَلَه حَثْلا، ولم أسمع أحدا في اللهجة يقول: حثَلت أو أحثلت، بل يقولون: هَبُه (ضَعْه) في حِثْلك، وهَبَيْتُه في حِثْلِي، وهات وافتح حِثْلك، وهذا من باب الاقتصاد في الاستعمال بعدم تفريع الجذر الواحد إلى عدد كبير من الكلمات كما كانت تفعل الفصحى غالبا، أو كما ألصق بها بطريق القياس، استنادا إلى أنّه ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب.
5- لحظت أيضا أنهم في الفصحى يطلقون الحُثالة والحُثْل والحُثْفُل بضم الحاء في كُلٍّ: على البقايا والقُشَار والرديء من الطعام والناس، وأظنُّ هذا مرتبطا بمعنى سوء التغذية وبصغار السن، وبقاع الأشياء كالأوعية، ألا ترى أن الناس تطلق على الأطفال ألفاظا مثل: السُّفان (السفهاء) والجُهّال، والجَهَلة، والصِّغار، وتطلقها أيضا على سِفْلة الناس وصِغارهم، وهذا دليل على أن النظام اللغوي للألفاظ والمعاني يراعي ويوجد علاقات معنى ولفظ بين استعمالات متعددة للفظ الواحد في صِيَغِه المختلفة، أو الألفاظ المتقاربة المعاني المختلفة الألفاظ والصيغ.
6- من الفوائد أنه يلحظ أن نص اللسان في حذل وحثل لم يرد فيه صيغة جمع لأيّ من الاشتقاقات التي ذكر، في حين ورد في كلام أبي عبد العزيز: أَحْثال في بيت لابن عقّار (أظنه من شعراء غامد الشَّعْبِيِّيْن)، وحُثُول، والأخيرة هي المستعملة في اللهجة.
7- إنَّ الخفَّاشَ قد يكون وقع على التعليل المناسب = عندما ذكر أنّ النطق بالكلمة عند مَنْ سأل يَخْفَى فيه الصوتُ بحيث لا يعرف هل هو ثاء أو ذال، أو أنه مزيج منهما، وقد يكون هذا هو الصحيح، وأرجو أن يكون تفسير هذه الحالة التفسير الصحيح – مع عدم تخصصي في الأصوات – هو أنَّ المتكلم أو المتكلمة تميلُ بالثاء إلى الجهر وهو صفة الذال التي تختلف بها عنها.
8- وأزيدُ من الشعر بيتًا، وهو أنه جاء في القاموس ما نصّه: (والحِدْل بالكسر الحُجْزة ومَعْقِد الإِزار)، وفي اللسان عن ابن سِيْده: (وحِدْل الرجل حُجْزته)، ونعرف جميعا أنَّ من العربِ مَنْ يضع الدال موضع الذال والعكس، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قد يكون الأمر لا يزيد عن التصحيف الذي ابتليت به المعاجم والنصوص، بسبب عدم دقة الكتابة العربية، وللعلم فالدال حرفٌ يخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا، ويتصف بأنَّه شديد، ويمتنع معه النفَس، ومجهور ومرقّق، وهو بهذا قريب من حرفي الذال والثاء.

حاشية:
* هذا الكلام من الخفّاش يدل على اقترابه الشديد من علوم اللغة، ولا أستغرب ذلك منه فهو ذو أسلوب فصيح نادر الأخطاء النحوية والصرفية والأسلوبية مِمّا قد يعجز الدارسون للغة وعلومها أن يأتوا بمثله، ولولا أني عرفته بالاسم وعرفت بُعْدَ تخصّصه وعمله عن اللغة لقلت بأنه متخصص فيها، و(ركبت رأسي) في التأكيد على ذلك، ولكن الله سلّم، ولكن وعلى كلّ حالٍ فالخفاش يذكرني بأحد العلماء قديما وهو محمد بن المستنير الذي سماه سيبويه قُطْرُبا، لأنه كان يُدْلِج إليه، فإذا خرج رآه على بابه غدوة وعشية، فقال له: ما أنت إلا قطرب ليل، فلقب به، وفي المصادر عنه: لقطرب كتب كثيرة في اللغة والنحو والعروض ومعاني الشعر وغريب الحديث وكتاب في القرآن لم يسبقه إلى مثله أحد، ووجه الشبه بين الخفّاش والقطرب ظاهر، فكلاهما ينشط بالليل، ووجه الشبه بين خفاشنا وقطرب بن المستنير الاهتمامُ العلميُّ باللغة.
** كل ما نقل عن المعاجم في مادتي: حثل وحذل، والنقل عن الشبكة وبخاصة موقع (الباحث اللغوي).
*** الرواة هم: أبو عبد العزيز (عبد الله أبو راس)، ومحمد أحمد قحنون [الخفّاش]، أبو أحمد محمد بن ربيع، والمحاور (لا أعرف اسمه الصريح)، ومحمد بن أحمد الباهوت، وأبو حسام سعيد الرباعيّ.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *