الفتوى (1405): التفاوت الكمي في الشواهد النحوية والأمثلة


الفتوى (1405): التفاوت الكمي في الشواهد النحوية والأمثلة


السائلة: ريمي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الأستاذ الدكتور الفاضل جزاكم الله خير الجزاء،
كرمًا:
لماذا مؤلفو كتب العربية كالمبرد وابن يعيش وغيرهم على امتداد العصور في تأليفهم يستشهدون بنفس أمثلة سيبويه؟ وكذا شرّاح الألفية فإنهم يمثِّلون بنفس الشواهد التي استشهد بها الشارح الأول. لماذا لا يضيفون أمثلة جديدة؟ أليست الشواهد كثيرة؟ إذن ما سبب ذلك؟
وشكرًا.

الفتوى (1405):

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أيها السائل الكريم،
اعلم -بارك الله فيك- أن كتاب سيبويه هو أقدم ما وصل إلينا من كتب النحويين من الرعيل الأول، وقد زخر الكتاب -كتاب سيبويه- بألف وخمسين شاهدًا شعريًّا -بناء على ما ذكره الجرمي-، فضلًا عن الشواهد القرآنية، وما سُمع من أقوال العرب، ناهيك باستشهاده بالحديث النبوي -وإن كان على قلة-. وبإمعان النظر في حصر الأخذ بالمسموع والمروي من الشواهد واقتصارها على حقبة زمنية معينة، وهي فترة عصر الاستشهاد الذي يمتد إلى منتصف القرن الثاني الهجري في الحواضر وآخر الرابع الهجري في البوادي، فإنه يتبين لنا أن المصنفين والشراح كذلك يعولون في استشهاداتهم على فترة واحدة، ولا محيص عن تكرار الشواهد نفسها، ولا عجب إن اعتمد المتأخرون على السابقين؛ فقد ذكر الأنباري في نزهة الألباء أن أبا عمرو بن العلاء كان يقول: “إنما نحن بالإضافة إلى من كان قبلنا كبقل في أصول رقل: أي نخل طوال”. بيد أنه تجدر الإشارة إلى أنه على مستوى الامتداد الزمني في تاريخ التصنيف النحوي لا يستطيع أحد أن يجزم أن الشواهد والأمثلة واحدة؛ فثمة خلط ذهني مجافٍ للواقع لدى من يقول بذلك؛ إذ إنه يخلط بين مفهوم الشاهد ومفهوم التمثيل والبون شاسع بينهما؛ فالشاهد النحوي اصطلاحًا -بناء على ما جاء في المعجم المفصل في النحو العربي للدكتورة عزيزة فوّال بابتي- هو: “كلام لمن يوثق بعربيتهم؛ يُؤْتى به إثباتًا لقاعدة نحوية”؛ فقد سيق الشاهد إذًا لإثبات القاعدة التي يُبنى عليها الحكم النحوي، أما الأمثلة فهي تمثل الجانب الإيضاحي لتقريب القاعدة إلى الأذهان وليست مسوقة لتدلل على صحتها؛ ومن ثم فإنك إن بحثتَ -أيها السائل الكريم- في مصنفات نحويي القرن الرابع وما تلاه من قرون فستقف على كَمٍّ من الأمثلة الإيضاحية المستأنس بها من أشعار شعراء ما بعد عصر الاستشهاد، وكذا من أقوال العرب يفوق ما جاء في مصنفات المتقدمين؛ ومن ثم فلا يمكن بسبيل أو أخرى أن نقطع بأن النحويين المتأخرين لم يضيفوا أمثلة أخرى فاقت كَمَّ ما ورد في مصنفات سابقيهم، بل إنك أيها السائل الكريم ستجد في الاستشهاد نفسه تغيرًا عند المتأخرين عما استشهد به سيبويه وغيره، ولنا في موقف ابن مالك -مثلًا- في مصنفاته ما يؤكد على أن شواهده تختلف عن سابقيه؛ فقد استشهد بالقراءات الشاذة، وهو ممن أيدوا الاستشهاد بالحديث الشريف على خلاف موقف أبي حيان الأندلسي وما تجده في مصنفاته، وكذلك على سبيل المثال استشهاده بنا يؤيد بعض اللغات التي تحاشاها غيره، من ذلك لغة أزد شنوءة وبلحارث بن كعب “أكلوني البراغيث”، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: “يتعاقبون فيكم”؛ إذ أورد لها عشرات الشواهد التي لم يسبقه إليها متقدمو النحاة.
هذا، والله أعلم!

اللجنة المعنية بالفتوى:

المجيب:
د. وليد محمد عبد الباقي
أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية
والدراسات الاجتماعية بجامعة القصيم
راجعه:
أ.د. محروس بُريّك
أستاذ النحو والصرف والعروض المشارك بكليتي
دار العلوم جامعة القاهرة، والآداب جامعة قطر
رئيس اللجنة:
أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي
(رئيس المجمع)


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *