ما ظاهرُه خَبَرٌ ومعناه مَعْنى النَّدْب – أ.د. عبدالرحمن بودرع


ما ظاهرُه خَبَرٌ ومعناه مَعْنى النَّدْب – أ.د. عبدالرحمن بودرع



قال الله تَعالى: « وللرجالِ عليهنّ دَرجةٌ » [البقرة:228]
يُخطئ أكثرُ الناسِ في فهم هذه الآيَة الكريمَةِ فيظنّونَ أنّ الرّجالَ فُضّلوا في على النّساءِ تَفضيلَ أصلٍ وماهيةٍ، والحقيقَة أنّ هذا وهمٌ توهّمه كثيرٌ من العُلَماءِ وتبعهُم في ذلك العوامُّ ، والدّرجةُ ذاتُ مَعْنى غير الذي فَهموه ، ولو أنّ الناسَ رجَعوا إلى إمامِ المفسّرينَ وهو أبو جعفر الطبري [توفي سنة 310هـ] الذي استندَ إلى إمامٍ قبلَه في التفسيرِ وهو الصحابيّ الجليلُ عبدُ الله بنُ عبّاس]، لَوَجدوا أسراراً أخرى لم ينتبهوا لَها؛ فإنّ تلكَ الدّرجةَ التي للرّجل على المرأة، مِن إفضاله عليها، ومن أداء حقها إليها، ومِن صَفحِه عن الواجب لهُ عليها أو عن بعضه. فَمعنى الدّرجَة غير الذي فهموه، وقد فهم الصّحابيّ الجليلُ حقيقةَ المقصودِ فقال: «ما أُحبُّ أن أستنظفَ جميع حقي عليها» ؛ لأن الله تعالى ذكره يقول:” وللرجال عليهن درجة”، ومعنى الدّرجة الرّتبةُ والمنزلةُ، فلا يستحقُّ الرّجلُ تلك الدّرجَةَ إلاّ إذا أدّى حقّ امرأته الذي عليْه وصَفَحَ عَنها في بعض حقّه عليْها، فإن لم يفعَلْ فلا دَرَجَةَ له وليسَ أهلاً لأن يبلغَ درجةَ الرجُلِ ذي القوامةِ

ومن بليغ قَولِ أبي جعفر الطّبريّ [المتوفَّى سنة 310هـ] وتحقُّقه بأسرارِ معاني الآياتِ وسَبْقِه إلى إدراكِ فقه الآيَة أنّه قالَ: «وهذا القولُ من الله تعالى ذِكْرُه، وإنْ كانَ ظاهرُه ظاهرَ الخَبَر، فَمَعناه معنى نَدْبِ الرّجالِ إلى الأخْذِ على النّساء بالفَضْل، ليَكونَ لهم عَليهنّ فَضلُ درَجةٍ»

وهذه إشارة جليلةٌ من الإمام المُفسِّر رحمه الله لأنّه جعل الدّرجَةَ منزلةً تُدركُ بالعَزائمِ وليسَ خبراً عن حقّ فُضِّل به الرّجلِ من غير وجه حقٍّ، كما يفهمُ عَوامُّ النّاسِ، بل قلّ أن تجدَ مفسِّراً نهجَ نهْجَ الطّبريّ في فهم أسرارِ الآيَةِ: «وهذا القولُ من الله جلّ ثناؤُه وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خَبرٍ فَمعناه مَعْنى نَدبِ الرّجالِ إلى الأخذ على النّساءِ بالفضلِ ليكونَ لهم عليهنّ فضلُ درجةٍ»

قال محقّقُ تفسير الطّبريّ أحمد محمّد شاكر رحمه الله، في تعليقه على تفسير أبي جعفرٍ للآية: «ولم يَكتُب أبو جعفر ما كتَب على سبيل الموعظة كما يفعل أصحاب الرقائق والمتصوفة وأشباهُهم، بل كتب بالبرهان والحجة الملزمة واستخرج ذلك من سياق الآيات المتتابعة من أول آية الإيلاء… وما تبعها من بيان طلاق المولى ، وكيف يفعل الرجل المطلِّقُ وكيف تفعل المرأة المُطلقة ، وما أُمِرَت به من ترك كتمان ما خلق الله في رحمها وائتمانها على هذا السر المضمر في أحشائها وما للرجال من الحق في ردهن مُصلِحين غيرَ مُضارّين، وتعادل حقوقَ الرجل على المرأة وحقوقَ المرأة على الرجل، ثم أتبع ذلك بندب الرجال إلى فضيلة من فضائل الرجولة لا ينال المرء قبلها إلا بالعزم والتسامي وهو أن يتغاضى عن بعض حقوقه لامرأته فإذا فعل ذلك فقد بلغ من مكارم الأخلاق منزلةً تجعل له درجة على امرأته .

ومن أجل هذا الربط الدقيق بين معاني هذا الكتاب البليغ جعل أبو بكر هذه الجملة حثًا وندبًا للرجال على السمو إلى الفضل، لا خبرًا عن فضل قد جعله الله مكتوبا لهم، أحسنوا فيما أمرهم به أم أساؤوا .
وأبو جعفر رضي الله عنه لم يغفل قط عن هذا الترابط الدقيق بين معاني الكتاب، سواء كان ذلك في آيات الأحكام أو آيات القصص أو غيرها من نصوص هذا الكتاب . فهو يأخذ المعنى في أول الآية من الآيات ثم يسير معه كلمة كلمة وحرفًا حرفصا ثم جملة جملة غير تارك لشيء منه أو متجاوز عن معنى يدل عليه سياقها . وليس هذا فحسب بل هو لا ينسى أبدًا أن هذا الكتاب قد جاء ليعلم الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور وأنه جاء ليؤدبهم بأدب رب العالمين فيربط بين هذا الأدب الذي دل عليه التنزيل وبينته سنة رسول الله ويخرج من ذلك بمثل هذا الفهم الدقيق لمعاني كتاب الله مؤيدًا بالحجة والبرهان .
وأحب أن أقول إن التخلق بآداب كتاب الله يهدي إلى التفسير الصحيح كما تهدي إليه المعرفة بلغة العربن وبناسخ القرآن ومنسوخه وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأخلاق أداة من أدوات العلم كسائر الأدوات . ولولا ما كان عليه هذا الإمام من عظيم الخلق ونبيل الأدب لما وقف وحده بين سائر المفسرين عند هذه الآية ، يستخرج منها هذا المعنى النبيل العظيم الذي أدب الله به المطلقين وحثهم عليه وعرفهم به فضل ما بين اقتضاء الحقوق الواجبة والعفو عن هذه الحقوق ، لمن وضعها الله تحت يده ، فملَّكَه طَلاقَها وفراقَها ، ولم يملكها من ذلك مثل الذي ملكه . فاللهم اغفر لنا واهدنا وفقهنا في ديننا وعلمنا من ذلك ما لم نكن نعلم ، إنك أنت السميع العليم»
جامع البيان في تأويل القرآن، لابن جرير أبي جعفر الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط.1، 1420 هـ/2000 م


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *