لغويات الشيخ محمد سعيد الطنطاوي (رحمه الله) – أ.د. رياض الخوام


لغويات الشيخ محمد سعيد الطنطاوي (رحمه الله) – أ.د. رياض الخوام



(أ.د. رياض الخوام)

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيد نا محمد،  وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:

فقد ضجت الأرضون بموته،وتناقل المحبون خبر وفاته، وكثرت مقالاتهم تشيد بفضائله ومآثره،فصوروا فيها أحزانهم ومشاعرهم لفقدهم عالماً هو أعزُّ من بيض الأنوق في زماننا، وأندر من الكبريت الأحمر في عصرنا، وحالي كحالهم، ففقد المشايخ الأجلاء،  والعلماء الكُمّل الأولياء، رزية كبيرة  وفاجعة عظيمة، لاسيما عند من تعلقت روحك به، وتأثرت حياتك كلها بفكره ومنهجه وتطلعاته، عرفته منذ خمسة وثلاثين عاماً، لايكاد يمر يوم تقريباً من غير أن تكتحل عيناي برؤيته في مسجد فقيه الكائن في حي العزيزية، إذ كنا نصلي معه ثم نشيعه إلى بيته، أحياناً ندخل معه لزيارته وأحياناً نؤمن أنه دخل شقته ونعود أدراجنا وقد امتلأنا منه فوائد علمية، ورقائق وعظية، قلّ أن تسمعها من غيره، وحين كنت أدخل معه إلى بيته، كنا نتناول أطراف الأحاديث، فخطر لي أن أسجل ما كنت أسمعه منه،  بعد رجوعي إلى بيتي، فاجتمع عندي مائتا صفحة تقريباً سأنشرها بعدُ حباً ووفاء، لهذا الشيخ التعلامة، مضيفاً إليها ماحدثني به ابنه القلبي أنس عدي الذي تشرف مع أبيه أخي الكريم نور الدين عدي بخدمة الشيخ وملازمته ومعهم الأخ الفاضل عبد الرحمن الحجار الذي وهب نفسه للشيخ أيضاً حباً ومودة وتلمذة، فكل ما حدثني به هؤلاء الأحبة ذكرته في مذكراتنا التي سأنشرها لاحقاً،   تشرفت بخدمته حين وجدت له الشقة السكنية التي لم يغادرها إلا بعد اشتداد أسقامه وآلامه إذ رأى الإخوة جميعاً أنه بحاجة إلى مراجعة مشفى  سليمان فقيه كل مدة من الزمن،  فتقرر أن يذهب إلى  بيت الفاضلة بنت أخيه الشيخ علي في حي الأمير فواز بجدة، وفعلاً غادر مكة مشتاقاً لها ولولا أمراضه ما غادرها، وأحمد الله سبحانه وتعالى على أن هيأ لنا الأوقات لزيارته، والإفادة من علومه ومعارفه، والقيام -أنا وأولادي أيضاً- بخدمته والحديث في الحق يطول لو سردنا في هذه المقالة كل ما رأيناه، وما سمعناه، فالشيخ فلتة من فلتات الزمان، إمام شامه، ودرّاكة أوانه، وتعلامة أقرانه، كنت أقول لإخواني في مغسله قبل دفنه: انظروا حين تقرؤون في كتب التراجم عن صفات العلماء الأولياء، وقارنوا هذه الشمائل  بما عليه الشيخ من فضائل ومفاخر فسوف تجدون كل هذه الفضائل مجتمعة فيه، هيأه الله لذلك ، والله يجتبي ويختار، نعم لن تجد فضبة إلا تحقق بها الشيخ، يعرف ذلك كل من أحبه أو خاصمه ولا ينكر ذلك إلا حاسد مغرور،  وسبحان الله حين دخل شهر الله “المحرم” كنت أشعر ومعي أخي الكريم نور الدين عدي أن الشيخ مفارق، لأننا كنا نسمع منه وهو في حال ذهوله الشعر الدال على الفراق ففي زيارتنا له آخر مرة في المستشفى  كان يردد قول السهروردي :

أبداً تحنُّ إليكم الأرواح

       ووصالكم ريحانها والراح    

وفي إحدى الزيارات طلب أن ننشد له تكملتها ففتح الأخ نور الدين “النت – الخزانة العالمية- ” وراح ينشدها والشيخ يردد معه. وأخبرني الأخ أنس أنه يردد بيتا آخر هو:

شربنا على ذكرِ الحبيب مدامةً

              سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرمُ

وأذكر أنني بعد وفاة الأخ  الدكتور عبد الحميد الآمين، – رحمه الله – زرت الشيخ وأخبرته بوفاة أبي مؤمن الدكتور عبد الحميد، فهو يحبه كثيراً فأنشد:

أُؤمِّل أن أحيا وفي كل ساعةٍ

 تمُرُّ بي الموتى تُهَزُّ نُعوشُها

وهل أنا إلا مثلُهم غير أن لي

بقايا ليالٍ في  الحياة أعيشُها

نعمْ كان يستشرف لقاء الله ، ولكن لكلّ أجلٍ كتاب، رحمك الله يا شيخنا، كم كنا نسعد بلقائك، ونسرُّ برضائك، والآن ما أصعب فراقك،  لقد أحبه الناس وانتشر  خبر موته، وما أكثر المعزين بل ما أكثر المحبين، كلٌّ يتحدث عن شمائله وعلومه، وفضائله حتى ذلك المُغسِّل الذي غسَّله قال لأخينا نور الدين عدي وللمحب الفاضل خادم الشيخ أيضاً ملهم ابن الدكتور العالم  أحمد الكبيسي -رحمه الله -، وهو الذي كان مقرباً من الشيخ لصيقاً بقلبه،  وكفيله في السعودية – ما معناه: أنه لم يُغسل مثله إلا قليلاً جداً،  وقال لهم: هذا رجل   من الأبدال، والظاهر أنه رأى أنوار الإيمان تتلألأ من وجهه، وشعر بتلك المهابة التي تبدو من محيا ه، إذ لم يدخل أحد ليودعه إلا شعر بذلك الأنس الذي يمل الأرجاء، لاشك أننا في كرب شديد وحزن عميق، أمسكت بالقلم لأبث إخواني ما يخطر في جَناني، فحال  الشيخ في أمراضه  ثم فراقه أضناني كما أضنى المحبين من أمثالي، فخطر لي أن أفيد إخواني ببيان مظهر علمي من مظاهره العلمية المتنوعة، فمظهر واحد نجليه لهم، يؤكد أن الشيخ حقاً لانظير له في هذا العصر، فلسنا نعلم الآن علماء جمعوا عدداً من العلوم، وإنما نعلم ذلك عند بعض الأقدمين فقد ذُكِرَأن ابن جماعة كان يفتي-أو يتكلم –  في أربعة عشر علماً، ولعلي لا أبعد عن الحقيقة إن قلت: إن الشيخ سعيد يزيد عليه بتمكنه من الرياضيات والفيزياء والكيمياء،  وعلم النفس،  لذا لاغرابة فيما كتب الأفاضل عن علومه ومعارفه ،  لاسيما كتَّاب “التوصل الإجتماعي” لقد أخبرني من يهتم بذلك أن ما كُتب عنه لايمكن إحصاؤه،  قلت له هذا حال العلماء الأتقياء الأنقياء تجتمع قلوب الخلائق على حبهم لأن ملائكة السماء أحبتهم، والأمر كله بيد الله،   فلعلي أشارك المحبين في حبهم للشيخ فأبرز -عَجِلاً- معالم الشيخ اللغوية التي نستلهمها من حياته العلمية وشؤؤنه الا جتماعية وقد  بدت لي مما يأتي:  

1-حباه الله ملكة شعرية عجيبة  فنظم الشعر صغيراً بل كان يكتب موضوع التعبير والإنشاء  شعراً ،    

زرته صباحاً مع الأخ جمال بارودي في 2/1/1430هـ،فسمعت منه الأبيات الآتية:

 ربض الهرُّ أمام المنزلِ    

وأحال العينَ مثلَ البطل

ولعينيه بريق لامع

كشرار طارحول المنقل

فرأى فأراً يريد وكره

فأتاه كالقضاء المُنزل

ثم أقعى مُغمِضاً أجفانه

فبدا في لطفه كا لحمَل

خُدع الفأر به لما رأى

في هدوء القط وجه والأمل

ظن أن الهرَّ ينسى طبعه

لايزول الطبع حتى الأجل

وثب القط على صاحبه

وبدا يأكله في جذل

قال: هذه أبيات نظمتها في المرحلة الابتدائية، بعد أن طلب الأستاذ  منا كتابة قصة عن الفأر والقط، حين نزل القط إلى القبو، فلمحَ الفأر ثم راوغه حتى وثب عليه وأكله، فنظم الشيخ ذلك شعراً، قال: حصلت به على درجة (تسع عشرة ونصف من الدرجة النهائية وهي عشرون درجة) قال لي الأستاذ: راحت -أي سقطت وحذفت – نصف درجة لقولك: حتى الأجل، لأنك عطفتها على الطبع المرفوعة فوقعت في الإقواء، أي جاءت مرفوعة، والقصيدة كلها مكسورة، – كذا قال المدرس – – وأضاف الشيخ: هل يوجد طالب الآن  يعرف الإقواء؟! وسكت الشيخ هنا، وأكد ذلك حين زرته  ليلة عاشوراء سنة 1432هـ،فقال لي: إنه حين كان في المرحلة الابتدائية،  يحصل في المدارس على الدرجات التامة في المواد العلمية، وفي مادة التعبير والإنشاء كان يصوغ موضوع التعبير شعراً.

وفي زيارة أخرى مساء يوم الجمعة بعد صلاة العشاء 15/11/1425هـ قال: إنني كنت أجيب على أسئلة الامتحانات في وقت قصير، ولايسمح بالخروج قبل مضي نصف ساعة، فكنت أستثمر ذلك فأنظم الشعر.

 

2- حبه حفظ أشعار العرب وأمثالهم وحكاياتهم مع تميز خاص بأصول القبائل ومواضع سكناهم، كان رحمه الله  يحفظ أكثر من ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر،وهو في المرحلة الثانوية، وبالجملة ففي حفظه تُحكى الأعاجيب،كان في صباه يُنشدُ البيت الشعري ثم يأتي ببيت شعري لكل كلمة وردت في البيت الذي أنشده،  ويتسلسل الأمر معه حتى يصل إلى آخر لفظة في البيت،  ولايوقفه إلا التعب،  تذكرت وأنا أكتب الآن مامرّمعي عن الأصمعي الذي كان الشيخ يحبه ويذكر حكاياته اللغوية قال عنه أصحاب التراجم أنه كان أروى الناس للرجز، سأله بحرانيّ عن حفظه  فقال: أروي أربعة عشر ألف أرجوزة “، لقد ترسم الشيخ خطى هؤلاء الحفظة من غير قصد فيما أحسب، فما هي إلا مواهب ومنح ربانية.

ويتصل بهذا ما حدثني به بعد صلاة الظهر، في يوم الأحد 28/1/1425هـ، قال لي: قرأت مئات الكتب في المرحلة الإعدادية، وأضاف: قرأت سيرة ابن إسحاق وهي في أربع مجلدات في ثلاثة أيام من شهر رمضان، وأن تاريخ الطبري  يستظهره كشريط مصور أمامه، وقد طُلب منه –في المرحلة الإعدادية أو الثانوية والشك مني –كتابة موضوع عنوانه (من خان عهده سقطت كرامته) فبدأيستعرض في ذهنه تاريخ الطبري حتى وصل إلى ثورة ابن الأشعث فتوقف عندها وقال في نفسه: هذه قصة يجب أن أضمنها هذا الموضوع، فكتبها، ونال أعلى درجة.فلله دره، وسمعت منه – عند باب منزله – أنه كان يحفظ المقطوعات الأدبية النثرية التي كانت مقررة في الكتب المدرسية عن ظهر قلب وسرد عليَّ قطعة كاملة تتضمن حديث  “معن بن زائدة مع زوجه، وما أجمل إلقاء الشيخ فهو يعطي كل جملة النبرات التي تناسبها . يعرف أماكن الوصل والفصل، وينقلك بهدير صوته، وملامح وجهه التي تتأثر بنوع الكملة التي ينطقها، إلى جو القصة كأنك تعيش القصة في حينها.

أما حفظه لأمثال العرب فيبدو من القصة الاتية ففي مساء يوم السبت1/1/1428هـ، كنت معه متجهين إلى مشفى سليمان فقيه، بجدة، لإجراء الفحوص الطبية الشهرية له، فخطر له أن يحدثني عن قصة جذيمة الأبرش، و الزبَّاء، وذكر البيتين المشهورين:  

ما للجمال مشيها وئيدا…… ثم أنهى القصة بالقول: هذه القصة فيها أكثر من مثل عربي منها: تمرَّدَ ماردٌ وعزَّالأبلق، يضرب في العزة والمنعة، ورأي فاتر وغدر حاضر، يضرب في الرأي الفاسد، وعسى الغوير أبؤ سا،  يضرب في التهمة وسوء الظن، ولا يحزنك دم هراقه أهلُه يضرب في الشماتة بالجاني على نفسه: شب عمرو عن الطوق، والقصة معروفة في كتب الأدب واللغة.

كان رحمه الله وطيب مرقده، لايشبع من القراءة المفيدة، حتى ورقة الروزنامة” – النتيجة – ففي شهر رمضان سنة 1427هـ، ذهبت إليه بعد صلاة التراويح، أستروح عنده، فكان مما أخبرني به أنه تعرّف على الشاعر بدر الدين الحامد من ورقة روز نامة، إذ قرأ فيها البيت الشعري:

أيُّ آفاقك لم يقطرْ دماً    يابلاداً جرّعوها العَندما

وذكروا أنه لبدر الدين الحامد،  

وبهذه الطريقة تعرّفت أيضاً على نازك الملائكة، فقد قرأت لها في ورقة الروزنامة:

غرق الضوء  وراء الأفق  

 وخلا العالم من لون الضياء

بعد ذلك رحت أبحث عن ترجمة للشاعرين، وحفظت الكثير الكثير من شعرهما.

3- أما المعلم الثالث من معالمه اللغوية فيتمثل  في كثرة استشهاده بأشعار العرب وأقوالهم، وهذا الملمح ظاهر واضح يعرفه كل من عرف الشيخ، فقل أن يقع موقف اجتماعي من غير أن يفجأك ببيت شعري أو قول يتفق والموقف.بل كان ينظم الشعر مباشرة ويرتجله.

4- واللمح الرابع يبدو من إشادته بالخطباء الفصحاء، وقيامه بالخطابة في مسجد الجامعة.  تبدو تلك الإشادة من خطبة ألقاها  عن الحجاج، قال لي مرة: حين كنت في الطائف طُلب مني إلقاء محاضرة في النادي الأدبي هناك  فبرق في عقلي أن الحجاج البليغ الفصيح من الطائف، فلتكن المحاضرة عن الحجاج، فقصص فصاحته وبلاغته وأعماله العظيمة،  هي ميدان واسع،  يجول فيه ويصول، فكانت المحاضرة رائعة ماتعة  أثنى عليها الحضور كثيراً لاسيما أن موطن ثقيف هو الطائف، فانظر إلى هذا الذكاءوالنباهة.  

أما إشادته ببعض الخطباء المحدثين،فتبدو مما ذكره لي   مساء يوم الثلاثاء 23/1/1425هـ،ونحن ذاهبون إلى مشفى سليمان فقيه، قال لي: إنه كان مع هيثم الخياط وعدنان السبيعي –والله أعلم- يدرسون الفقه عند الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت، وأثنى على هذين الصاحبين كثيرأ قال دخل الدكتور هيثم الخياط الجامعة وعمره 15عاماً لنبوغه وتفوقه،  قال: ولا أنساه حين قام خطيباً في مسجد الجامعة يهدر هدراً، مصقعاً بليغا فصيحاً، ومما ذكره الشيخ – رحمه الله وبرد مضجعه –  عن هذا الرجل أنه حين كان صغيراً رآه الشيخ مرة وأراد أن يضيفه بقطعة سكاكر فرفض وألح عليه الشيخ بأن يأخذها منه لكنه بقي رافضاً وحين سأله الشيخ عن السبب أجابه أن أباه –وهو الدكتور المشهور حمدي الخياط الذي له فضل كبير في تعريبه الطب في سورية – علمه بأن لايأكل شيئاً أبداً بين الوجبات.  

أما قيامه بالخطابة، فقد خطب كثيراً في مسجد  الجامعة بدمشق، قال لي في جلسة:  كان لقاؤه   في مسجد الجامعة يوم الإثنين، وأضاف قائلاً:: لقد استضفت مرة  الدكتور عبد الكريم اليافي إلى مسجد الجامعة، وقدمت له بمقدمة شعرية رائعة، وسرد لي منها أكثر من عشرين بيتاً لم أسجلها، وعرفت منه أ نه خطب الجمعة كثيراً، وفي هذا المقام أذكر تلك الحكاية التي تفيد أن خطبه كان يحضرها العلماء، منهم الشيخ ناصر الدين الألباني –يرحمه الله- قال: خطبت الجمعة في مسجد الجامعة لأن الخطيب لم يحضر، وأوردت في الخطبة الحديث المشهور عن حذيفة بن اليمان: لكل حق حقيقة … وبعد الانتهاء من الخطبة والصلاة اصطحبني الشيخ ناصر وقال: هذا الحديث لم أعثر عليه في الكتب المعنية بذلك، قال الشيخ سعيد: رجعت إلى شروح البخاري فوجدت الحديث الشريف، وأدركت سبب غلط الشيخ ناصر وهو أنه حين كان يبحث عن الحديث كان يبحث عنه في (حارثة)في حين أن الحديث ورد بترخيم اسم حارثة أي ياحارث، قال: لعل هذا كان سبباً في وهم الشيخ، مع أن الشيخ ناصر من أهل الحديث. وأحسب أن نشاط الشيخ في هذا المسجد يلزمه مقالات كثيرة،  فذكرياته عنه وفيرة، لقد سمعت منه أنه  دُعي مرة إلى حلب  فألقى كلمة كان بين الحضور طالب تظهر عليه مخايل الذكاء هو محمد مُلّا غُزَيِّل، قال عرفته من ذلك الوقت، وأضاف قائلاً: حين كنت نشطاً في مسجد الجامعة، كنت أقوم بترتيبات خطبة الجمعة، ومرة كنت مشغولاً بترتيب الخطبة مطمئناً على أن الخطيب هو الأستاذ عصام العطار، ففو جئت بخطيب آخر يصعد المنبر، وراح يخطب  ويزمجرويصرخ ويشتم، فعجبت وقلت في نفسي هذا ليس صوت عصام العطارولا أسلوبه، فدخلت إلى المسجد أنظر، فإذابمحمد مُلا غزيِّل هو الذي اعتلى المنبر وراح يزمجر بخطبة كلها حماس، وقيل لي: هو مريض، ثم أثنى الشيخ على شعره وذكائه.  

5- يبدو هذا المظهر من  اهتمامه بتأصيل الألفاظ اللغوية، ومعرفة أصولها: سرت معه بعد صلاة الظهر 1/1/1421هـ، من مسجد فقيه إلى بيته، وفي الطريق  تكلمت معه بشأن كلمة (المصاري)  التي نستعملها كثيراً،قلت له: كنت أظنها مأخوذة من (المصاريف)والعامة تحذف الأواخر تخفيفاً،  فقال: هي جمع مِصرية نسبة إلى الليرة المصرية المسكوكة في مصر، جعلوها أمام الليرة التركية التي كانت هي المشتهرة، وقال مازحاً: يقولون “المصرية لابركة فيها “أي الليرة المصرية وليست المرأة المصرية

-وفي 15/8/1422هـ،جرى ذكر كلمة (الأوبة) التي تُقال في العامية المعاصرة في سياق (يقطعْ عُمْر ها الأُوبة) ،قال وهو يضحك: كان الرجل إذا عاد من سفره خرج أهله وذووه لاستقباله فلعل هؤلاء كانوا لايرغبون في مجيئه فقالوا “يقطع عمر هالأوبة ” أي هذه الأوبة “،أقول وفي المزهر للسيوطي 1/340ما يؤكد هذا التفسير قال: تقول العرب للرجل إذا قدم من سفر أوبة وطوبة أي أُبت إلى عيش طيب ومآب طيب ” ومما أذكره الآن أن الشيخ سعيد قال لي مرة: إن الأُسطة المصرية ربما أصلها الأستاذة الفارسية، وكلمة “برْضُه” أصلها باردون الفرنسية،وطنطا أصلها: طندتا، ومرة قلت له: جدك الشيخ عبد القادر الجيلاني – وكان يحبه كثيراً- استخدم كلمة الجامكيتي والروز كاري فقال: الجامكيتي: الأجرة والراتب،  والروز كاري:  الجنود المستأجرون، وما أكثر الكلمات التي كان يحاول دائماً الوقوف على جذورها وأصولها اللغوية. ولو سجلت كل ما سمعت منه في هذا الجانب لاجتمع عندي جدول كبير ولكن الشواغل شغلتني.

وكنت في جلساتي معه أمدح النحاة كثيراً، فكان يقول لي: أنا لم أتمكن تماماً في النحو، قرأت فيه لكني لم أتعمق فيه كثيراً، وهذا ما أخبرني به الشيخ شعيب الأرناؤوط في الأردن، فقد زرته وبلغته سلاما من الشيخ سعيد وأهديته قطعة من سكاكر “النسكافة” التي كان الشيخ سعيد في أواخر أيامه في مكة يقدمها للضيوف، فسُرَّ كثيراً بتلك الهدية، وسألني عن الشيخ ثم راح يحدثني عن الشيخ سعيد حين كانا معاً في لبنان، فمما قاله: كان الشيخ يغلبني في كل شيء، لكني كنت أغلبه في النحو، قلت له:  الشيخ يقرُّ بذلك، فكأن سليقته اللغوية الراقية، أغنته عن التبحر في هذا العلم، أما بقية الفروع اللغوية فهو فيها عالم لايبارى ولا يجارى، ففي العروض كأنه الخليل، والشيخ كان بارعاً  في تدريسه، أزعم ذلك لأنه علّم ابني عماد الدين –حفظه الله-العَروض حين كان يسير معه من مسجد فقيه إلى بيته بعد الصلوات، وفي مدة يسيرة، مع أن ابني عماد يميل إلى المواد العلمية كالشيخ، وكان الشيخ يختبره، فينشد أمامه بيتاً ويقول له: ياعماد زِنْه أو من أي بحر هو؟وياويلتاه إن أخطأ الولد، وكان الشيخ حقيقة يفتخر بذلك، ثم علّم أخانا أنس عدي   العروض أيضاً مع أن دراسته هي الهندسة، لكن الشيخ له طرق متعددة يصل منها إلى ما يريد، وصرت أشعر الآن أن “أنس عدي ” “المهندس” صار له ذائقة لغوية غرسها الشيخ فيه لكثرة ملازمته له.   

أما عنايته بدلالات الألفاظ ومعانيها، فحدث عن البحر ولا حرج، إذ قلَّ أن تجد معجماً في مكتبته خلا من تعليقات  الشيخ ترجيحاً أو تضعيفاً، وكأني به يحب معجم “مختار الصحاح ” كثيراً لأننا كنا نستعين به كثيراً للتأكد من ضبط لفظة أو معرفة معانيها المتعددة  – وقد رأيت كثيراً من تعليقات الشيخ في هذا المعجم، وأحسب أن هذه التعليقات تقيم رسالة علمية كاملة، أما تاج العروس فقد أخبرني بأنه جمع منه كل لغات العرب التي ذكرها الزبيدي في معجمه، ومثل هذا نجده في الأغاني والأعلام وعلى العموم لا تكاد تجد كتاباً في مكتبته خلت هوامشه من التعليقات الدقيقة المفيدة، ولو جُمعت لجاءت فيما أحسب في مجلدات.  

6- المعلم الأخير تقديسه اللغة العربية، وإشادته بالعلماء الغيورين عليها، ففي شهر المحرم،  سنة 1422هـ، زرته فحدثني عن شيخين يحبهما كثيراً، الأول: هو الشيخ رفيق السباعي  الطبيب المشهور،الذي لم يمارس مهنة الطب، وبرع في العلوم الشرعية،  والثاني: هو صلاح الدين الزعيم الدمشقي  المدرس في أزهر لبنان، أما الأول فقد وصفه الشيخ بقوله: كان آية في الفصاحة، وأضاف قائلاً:  فكان يعتقد ان اللغة العربية هي لغة مقدسة، وإذا رأى ورقة على الأرض فيها كتابة باللغة العربية فكان يلتقطها ثم يحرقها،وعلبة الكبريت دائماً معه في جيبه،وأما الثاني فكان من المشهورين بالشجاعة، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان يحب السياحة، يسيح في قرى دمشق حتى يصل إلى القرى اللبنانية،قال: كنت أخرج معه في تلك السياحات، ومن أخباره أن أحد سائقي عربات البغال له شوارب طويلة وعضلات مفتولة، ضرب بسوطه بغله، ونطق بكلمة الكفر، فزجره الشيخ الطاعن بالسن،فاستهزأ”العربجي”بالشيخ وأعاد لفظة الكفر مرة ثانية نكاية بالشيخ، فضربه الشيخ، ضربة قوية سريعة أدت إلى سقوط “العربجي”على الأرض، من غير أن يشعركيف وصل الشيخ إليه وقام بضربه هذه الضربة الشديدة،ثم تأوه الشيخ سعيد – بل الله رمسه بوابل رحماته – واغرورقت عيناه بالدمع، وأنشد:

ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافهم 

                   وبقيتُ في خلْفٍ كجلدالأجرب

خبرني الأخ أنس عدي أن الشيخ كان يتصارع مع الشيخ صلاح الدين الزعيم  في حضرة أخيه الشيخ علي رحمهم الله تعالى جميعاً، والظاهر أن الشيخ سعيد تأثر بالشيخ رفيق السباعي في العناية بالعربية العناية الفائقة لذا حين كثرت أوجاعه صار يشتري كرتوناً مليئاً بالبوظة (الآيس كريم) ليقدمها لضيوفه بدلاً من تقديم الشاي أو الفاكهة لتعبه ومرضه ثم تغير الأمر فصار يقدم السكاكر من (النسكافة) يجلبها له الأخ عبد الرحمن الحجار الذي له مكانة متميزة عند الشيخ، والمهم أنني لحظت أنه كان يحتفظ بعلب البوظة الفارغة، ليزيل منها ما كُتب عليها من دعاية أو اسم الشركة أوأي شيء كُتب بحروف عربية ثم بعد ذلك يرميها، ومثل ذلك يفعل بأكياس النايلون إن رأى عليها كتابات بحروف عربية،  وحين انتبه إلى أن صورة الصليب مرسومة على غلاف بعض المطهرات، توقف عن شرائها وصار يعتمد على مطهر “السافلون”والويل لمن يراه لابساً قميصاً مكتوباً عليه أحرفاً غير عربيةلاسيما تلك القمصان التي رسم عليها صور أوأسماء اللاعبين الرياضيين خاصة الأجانب، إذ لابد حينئذ من سماع بعض العبارات التي تستخف بهذا الصنيع والتنبيه على خطورته، وكان يوجه اللوم كثيراً لآباء الأولاد الذين يرى ألبسة أولادهم من هذا النوع،  كان يحب كثيراً اللباس العربي، ولا يرضى إلا بوضع شيء على الرأس، وكنت أحسر رأسي ولا أضع شيئاً، فما زال يلاحقني ويتابعني حتى اطمأن إلى أنني أضع الطاقية البيضاء على رأسي، فكان يمد يده بأسلوب ظريف سريع إلى رأسي، فإذا لمسها انبسطت أساريره،و إن لم يلمسها، يؤنب ويقول متمثلاً الآية الكريمة (خذوا زينتكم عند كل مسجد)

– ومن المفيد أن أذكر هنا ما حدثني به الأخ أنس عدي في ليلة من ليالي منى سنة 1435هـ،قال لي: أحب الشيخ سعيد (حليب نادك) كثيراً فلا يشتري غيره، ولذلك سرٌّعنده طريف، كان يشتري حليب المراعي، فوجد أنهم يوزعون أحياناً قسائم فيها شبهة اليانصيب، فترك حليب المراعي، وصار يشتري حليب الصافي، فرأى مرة على علبة من علبه صورة لاعب كرة يرتدي ملابس رياضية، تظهر فيها عورته لأنها فوق الركبة، فترك حليب الصافي، وانتقل إلى حليب العزيزية ثم إلى نادك،  ومن المفيد أخيراً أنه كان محباً للشيخ سعيد الأفغاني رحمه الله، فكان الشيخ الأفغاني يزوره كثيرامع صهره الدكتورالفاضل  فواز الفقير  حفظه الله، وذكر لي في جلسة أخرى ان الشيخ الأفغاني تأخر في الزواج لأن له أختاً كان يرعاها فبعد أن تزوجت وأنجبت البنين واطمأن إلى استقرار حياتها، تزوج وأنجب “بشرى” زوج الدكتور فواز _ رحمها الله تعالى – ، وليتني سجلت كل ما سمعت منه عن الشيخ الأفغاني رحم الله الجميع ومما أذكره أنه قال لي: عظمة الأفغاني تتجلى في لفظة الأفغاني أي أنه شيخ العربية في الشام وأصله ليس عربيا، فهو من كشمير الإسلامية، والشيخ الأفغاني أستاذ الشيخ سعيد رحمهما الله تعالى في دمشق، وعتب عليَّ لتأخري في زيارته، ثم تمت الزيارة وقضينا مع الأستاذ الكبير سعيد الأفغاني أجمل الأوقات وأحلى الذكريات، وأذكر أننا بعد أن شيعناه إلى المعلاة، نقلت للشيخ سعيد مراسم الدفن، وحزن عليه حزناً شديداً وأطرق ساكتاً كعادته عند نزول الفواجع بأحبابه ,

أما الشيخ أحمد راتب النفاخ فكان يثني عليه كثيراً قال لي: : زارني منذ مدة بعض الطلاب من جامعة الملك سعود، وسألوني عن الأستاذ محمد راتب النفاخ، هل له شعر، أجبتهم: أعرف له بيتين نظمهما وهو في الصف الثامنالإعدادي، هما:

لغتي الفصحى وقومي عرب 

                     جلّت الفصحى وجلّ العربُ

وسماءُ العزِّ هل تعرفها

                 إن قومي في علاها الشهبُ

 هذه هي أهم المعالم اللغوية التي تستلهم من سيرة الشيخ العلمية، ولم نُرد إيراد تفاصيل عن كل معلم، فلعل قادمات الأيام تسمح بكتابة ونشر كل ما سجلناه عن الشيخ، رحم الله هذا الولي التقي النقي الحسيب النسيب. وأسكنه الفراديس، ولا زال منهلاً على قبره القطر، قطر الرحمة وقطر اللطف وقطر المحبة.

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *