إعزاز العربية عند القدماء والمحدثين – أ.د. رياض الخوام


إعزاز العربية عند القدماء والمحدثين – أ.د. رياض الخوام



بسم الله الرحمن الرحيم
وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
أحبابنا الأكارم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما أجملَ لغتنَا وما أحلاها وما أنفعهَا وما أبهَاها، كفاها قيمةً وهيبةً أنها لغةُ القرآن الكريم، ولغةُ رسولِه الكريم، ولغة صحابته والمسلمين أجمعين، ولقد سعدنا جميعا حين تُوجت جهودُ المملكة العربية السعودية مع الكويت بجعلها لغةً رسميةً في الأمم المتحدة، فصار لها هذا اليومُ العالمي الذي احتفلنا به.
والسؤال الآن هل أدركَ طلابُنا أهميتَها حقاً؟ فأحبوها؟ وعشقوها؟ فصارت مكوناً من مكوناتهم الشخصية، وعلامة مميزة لهم بين الشعوب والأقوام كما هو شأن العبرية عند اليهود والألمانية عند الألمان مثلاً؟ وهل جعلوا حبَّها والشغفَ بها شِرعةً ومنهاجًا؟ قولاً وسلوكاً، قال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) والأتباعُ يكون في القولِ والفعلِ، والقولُ الذي نطقَ به الرسولُ صلى الله عليه وسلم حروفُه وتراكيبُه عربيةٌ، وأحسب أن من مستلزماتِ الاتباعِ تحقيقَ معنى القول أولاً ثم حبَّ قائلِه المتمثلَ في حب لغتهِ ومن ثَمَّ الحفاظُ عليها، ومما يعضدُ ذلك ما جاء في الأثر: أحبوا العربَ لثلاث: لأني عربي والقرآنُ عربي، وكلام ُأهل الجنة عربي وهذه المحبة هي التي آمن بها القدماءُ من علمائنا، وتحققوا بها قولا وسلوكاً، وقد أشار إلى ذلك الثعالبي في مقدمة كتابه فقهِ اللغة قائلا” من أحبَّ اللهَ تعالى أحبَّ رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم ومن أحبَّ الرسول العربيَّ أحبَّ العربَ ومن أحبَّ العربَ أحبَّ العربيةَ التي نزلَ بها أفضلُ الكتب ومن أحبَّ العربيةَ عُني بها” فقوله” عُني بها” أي اعتنى بها تعلما وتعليما قولا و سلوكا. وما ذلك إلا لأنها لغةٌ مقدسةٌ.
والحق أن علماءَ العربية لم يكتفوا بالعناية بها بل تصعدوا بهذه العنايةِ حتى صارت تولهاً وعشقاً، ظهر ذلك فيما قدموه من تراثٍ خادمٍ لهذه اللغة، قلَّ نظيرُه، وندر، ولا أرغب في سرد الأقوال والحكايات الدالة على ما ذكرناه لئلا نفوتَ الغرضَ من المحاضرة، فأمامي ثلاث صور تبين لنا مدى الصلةِ الوثيقةِ بين العربية التي هي لغةُ القرآن وتَمَثُّلِها سلوكاً وعملا الأمرُ الذي يدل على صدق الاعتقاد، وصدقِ تحققه، في حياتهم وشؤونهم وكأنهم استشرفوا زماننَا هذا فأحبوا أن يرسموا منهجاً نسيرُ عليه، ونوراً نستضيءُ به في دياجير الظلم، لنكون سادةَ أهلِ الأرض روادَ الأمم والحضارات:
1- الصورة الأولى من أثر إعزازهم للعربية تتمثلُ في قول الناس الذين حكى عنهم المازني واصفين كتابَ سيبويه بأنه قرآنُ النحو (1)، فهذه العبارةُ تؤكد حضورَ القرآن الكريم بكل قدسيته ومنزلته ومهابته في عقولهم وعواطفهم وشؤون حياتهم، لذلك استشهدوا به في كلامهم العلمي، ولهذا القول ثلاثُ دلالات:
أ‌- الأولى: يدل هذا القولُ على مكانةِ كتابِ سيبويه ومنزلتهِ عندهم، وهيبتِه في قلوبهم، وإعزازِه في نفوسهم. فكما أن القرآنَ الكريمَ له المكانةُ العاليةُ عندهم كذلك كتابُ سيبويه.
ب‌- والثانية: أنه حوى أصولَ النحو وفروعَه، فهو منهلُ النحاة، منه يَصدرون وإليه يَرجعون، كما أن القرآنَ الكريمَ هو منهلُ علماءِ الشريعةِ والعربية.
ت‌- والثالثة: أن عباراتِه موارةٌ بالمعاني، فهو حمَّالُ أوجه، كما أن القرآنَ كذلك، فكلُّ واحد قد يفهمُ من عبارة سيبويه ما لا يفهمه غيرُه، وفقَ ملَكاتِه وقُدراته اللغوية. قال المازنيُّ ملمحاً إلى ذلك: ما أخلو في كل زمان من أعجوبةٍ في كتابِ سيبويه، ولهذا سماه الناسُ قرآنَ النحو(2).
وبالجملة تؤكد هذه الصورةُ أن القرآنَ الكريمَ حاضرٌ بقداسته وحرمته في كل أعمالهم اللغوية فكان رائدَهم العلميَّ وقائدَهم الفكريَّ.
2- أما الصورة الثانية عند العلماء في إعزازهم العربية فتتجلى في عناية أسلافنا بالقراءة وحب المطالعة لأنها تكوّنُ الشخصيةَ العلميةَ الراقية ويستتبعُ ذلك اقتناءُ الكتب، وذلك بتكوين مكتبةٍ عامرةٍ بأنواع الكتب، يستمتعون بقراءة ما تحتويه تلك الكتبُ من المعارف، ويسهلونها لأبنائِهم ولطلابهم، فالمجتمعُ القرَّاءُ يُعَدُّ من أرقى المجتمعات، وهو الذي يتصدرُ الريادةَ العالميةَ، وما أظن أن هناك أمةً اعتنتْ بالتأليفِ والتصنيفِ وحث دينُها الحنيفُ على القراءة كالأمة الإسلامية فنحن “أمة اقرأ، لقد هيأ اللهُ لهذه الأمة أولئك العلماءَ الذين أفنَوا أعمارَهم لخدمةِ الشريعةِ الغراءِ(3)، فقدموا للبشرية حضارةً علميةً أخلاقيةً وشاركوا في بناء الحضارةِ الإنسانيةِ بكل علومها ومعارفها لقد أشار الأستاذ محمد أديب كلكل في كتابه الأنيس في الوحدة إلى أهمية القراءة وفوائدها وآثارها على الأفراد والمجتمعات بقوله “قالوا: الشعبُ الذي لا يقرأ لا يستطيعُ أن يعرفَ نفسَه، ولا غيرَه، واتهامُ شعبٍ بأنه لا يقرأ وصمةُ عارٍ على جبينه، ينبغي أن يتخلصَ منها، والشعوبُ الحيةُ عندما تتخلفُ في أي مضمار تبحثُ عن الخللِ في القراءة فتحتَ سِنِّ القلمِ يبرزُ مستقبلُ الأممِ، نحن أمةُ (اقرأ) أولُ كلمة نزلتْ في آخر خطاب من السماء إلى البشر ونحن أمة (القرآن) كتابُ الله الذي اشتُقَّ اسمُه من القراءة، إن أكثرَ الناس قراءةً هم أكثرُ الناس كرامةً، ومن يقرأ أكثرَ ينبُلُ أكثرَ، ويرتقي أكثر” (4).

ولقد تفنن الشعراءُ والأدباءُ في تصوير العلاقة بين الكتاب وقارئه، وبيان فوائد القراءة، قال الشيخ محمد أديب كلكل “إن كان زهرُ البساتين ونَور الجِنان يَجلُون الأبصارَ، فإن بستانَ الكتبِ تجلو العقلَ وتشحذُ الذهنَ، وتحيي القلب وتقوي القريحة وتعينُ الطبيعةَ وتؤنس في الوحشة، ولله در المتنبي حيث يقول:
أعزُّ مكانٍ في الدنى سَرْجُ سابحٍ *** وخيرُ جليس في الأنام كتابُ (5)
وصور أبو بكر القفال في أبياتٍ له، وضعهَا على خزانة مكتبته، العلاقةَ بينه وبين الكتاب، الذي بدا له أنه يغنيه عن كل شيء في حياته، قال:
خليلي كتابي لايعافُ وصاليا *** وإنْ قلَّ لي مالٌ وولَّى جماليا

كتابي عشيقي حين لم يبقَ مُعشَقٌ *** أغازلُه لو كان يدري غزاليا
كتابي أبٌ برٌّ وأمٌّ شفـــــــــيقة ٌ *** هما هو إذ لا أمَّ أولا أبا ليا (6)
وأظهرشاعرٌ آخرُ مشاعرَه وحبَّه للكتاب، بصورة أنيقة أخرى فقال:
كتابي فيه بستاني وروحي *** ومنه سميرُ نفسي والنديمُ
يجالسني وكلُّ الناسِ حربٌ *** يسلّيني إذا عرَتِ الهمومُ
ويُحيي لي تصفحُ صفحتيه *** كِرامَ الناس إن فُقِدَ الكريمُ
إذا اعوجّتْ عليّ طريقُ قومي *** فلي فيه طريقٌ مستقيمُ (7)
من الملاحظ أن الأبياتِ السابقةَ أشارت إلى فكرة العُزلةِ عن الناس والاستغناءِ بالكتاب عنهم، واستحوذت فكرة العزلة عن الناس لأجل القراءة على فكر بعض الشعراء، فجعلوا ذلك من أهمأغراض أبياتهم، قال شوقي في قصيدته المشهورة:
أنا من بدَّلَ بالكتبِ الصحابا *** لم أجدْ لي وافياً إلا الكتابا
صاحبٌ إن عِبتَه أو لم تَعِبْ *** ليس بالواجد للصاحب عابا
صحبة ٌ لم أشْكُ منها رِيبةً *** وودادٌ لم يكلّفني عتابا (8)
وقال آخر:
ما تطعّمتُ لذةَ العيش حتى *** صرتُ في البيتِ للكتاب جليسا
إنما الذلُّ في مخالطةِ النا *** سِ فدعْهم تعشْ عزيزاً رئيسا
وعلى العموم إن نظرة المرء إلى كتب اللغة والطرائف كعيون الأخبار وكتب الأمالي والعِقدِ الفريد، والمستطرف لَيُدهَشُ من كثرة ما ذكروه حول الكتاب ومنزلته عندهم، ومازلنا حتى الآن نتذكر ما سجلته الكتبُ المدرسيةُ من قِطع لأدباء كالجاحظ من القدماء وعباس محمود العقاد من المحدثين، تتناول الكتابَ ومنافعَه، وفي العصر الحاضر انتشرت المنتديات الكثيرة التي يتحدث فيها العلماءُ عن حب القراءةِ، حاكين تجارِبَهم الخاصة التي تبعثُ الهمةَ العاليةَ عند الطلاب كمحاضرة الدكتور عايض القرني، والشيخ الحويني ولا نريد الإطالة بقدر ما نريد الإشارةَ إلى هذه الظاهرة، التي تبين مدى عنايةِ العلماءِ بالكتب وحبِّهم للقراءة.
أما حرصُهم على جمع الكتب، في خزائنهم، والسعيِ إلى اقتناء الكتب النادرة فشيء عجيب مدهش، لق ذكر ابنُ النديم في ترجمة الفتح بنِ خاقان أن عليَّ بنَ يحيى المنجم، جمعَ له خزانةً من الكتب لم يُرَ أعظمَ منها كثرةً وحسناً، وكان يحضرُ دارَه فصحاءُ الأعراب وعلماءُ الكوفيين والبصريين، وأضاف ابنُ النديم مصوراً حالةَ ثلاثةٍ من أكابر علمائنا مع الكتاب وحبِّهِ، قال أبو هفان: ثلاثة لم أر قطُّ ولا سمعتُ أحبَّ إليهم من الكتب والعلوم، الجاحظُ، والفتحُ بن خاقان، وإسماعيلُ بن إسحاق القاضي، فأما الجاحظ فإنه لم يقع بيده كتاباً قط إلا استوفى قراءتَه كائناً ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكينَ الوراقين، ويَبيتُ (9) فيها للنظر، وأما الفتحُ بن خاقان، فإنه كان يحضُرُ مجالسةَ المتوكل، فإذا أراد القيامَ لحاجة أخرج كتاباً من كُمّه أو خُفّه، وأما إسماعيلُ بنُ إسحاق، فإني ما دخلتُ إليه إلا رأيته ينظرُ في كتاب أو يقلبُ كتباً أو ينفضُها (10).
وأشار أسامةُ بنُ منقذ إلى قيمة الكتب ومكانتِهَا عند أصحابها فقال: بعد أن سلبَ الصليبيون كلَّ ما يملك: إن سلامةَ أولادي، وأبناءِ أصدقائي ونسائِنا قد خففتْ من آلام فقدي لكل ممتلكاتي، ولكن خسارتي بكتبي آلمتني آلما شديدًا، لقد كانت أربعةَ ألاف مجلد، ولكنها كتبٌ قيمة، وغدا فقدُها باعثَ حزني طِوال عُمُري (11).
– وقد قدَّر ابنُ شاكر قيمةَ كتبه بخمسين ألف دينار، وكان القِفطي مُغرَماً باقتناء الكتبِ النفيسة، وقُصِدَ بالكتبِ من كل حدَبٍ وصوب، وكان لا يحبُّ من الدنيا سواها، وذكرَ عبدُ اللطيف البغداديُّ عن القاضي محيي الدين البياني العسقلاني المصري، أن بعضَ من يخدِمه بالكتبِ أخبره أن عددَ الكتب في مكتبته بلغ مئةَ ألفٍ وأربعةٍ وعشرين ألفاً، وهذا قبلَ موته بعشرين سنة، وكان له أخٌ له هوَسٌ مفرِطٌ في تحصيل الكتب، عنده نحو مئتي ألف كتاب (12) وذكر الشوكاني أن قطبَ الدين بن علاء الدين النهروالي المتوفى سنةَ 988هـ، صاحبَ كتاب الإعلام في أخبار بيت الله الحرام، والبرق اليماني في الفتح العثماني، كان عظيمَ الجاه عند الأتراك، وكانوا يُعطونه العطاءَ الواسع فيشتري به نفائسَ الكتب ويبذلها لمن يحتاجُها واجتمعَ عنده منها ما لم يجتمعْ عند غيره (13).
– وفي العصر الحاضر كان العالم الشيخ محمد نصيف مولعاً بالقراءة، كما كان يُعنى بجمع الكتب الأمات من المراجع والمخطوطات حتى أصبحت مكتبته من أشهر المكتبات الخاصة في العالم الإسلامي لاحتوائها على أكثر من ستة آلاف مجلد في مختلف علوم الدين والدنيا، وكانت مفتوحة للعامة، تحدث عنها الشيخ علي الطنطاوي بقوله “وعنده مكتبة من أنفس ما عرفت من المكتبات، ولقد عرفت مكتبة أستاذنا محمد كرد علي في دمشق، وإسعاف النشاشيبي في القدس، وأحمد تيمور باشا، وأحمد زكي باشا، في مصر، ومكتبة ندوة العلماء في لكنو في الهند، ومكتبة الحاج حمدي الأعظمي في بغداد، ومكتبات لا أحصيها الآن، فوجدت مكتبة الشيخ محمد نصيف من أكبرها، وكانت مكتبة مفتحة الأبواب مثل مائدته لكل قادم (14) وقال عنه الشيخ زهير الشاويش: ليس هناك مكتبة عامة أو خاصة عرف أصحابها الشيخ محمد نصيف، وليس فيها كتاب أو كتب هدية منه (15)
وأكد ذلك المستشار عبد الله العقيل فقال: التقيناه في منزله فأحسن استقبالنا وبالغ في إكرامنا وإهدائنا الكثير من الكتب (16) وكان أول عهده بالكتب عام 1319هـ، حين أرسله جَدُّه إلى السوق، وفي أثناء عودته مرَّ بمكتبةٍ لأحدِ العلماءِ يعرِضُها ورثتُه للبيع، فأقدمَ على شرائها بكاملها، ثم عاد إلى جده وأخبره بما حدث ففرح بذلك، (17) وفي محاضرة ألقاها الشيخ عايض القرني عن القراءة ذكر أن مكتبتَه أهداها إلى طلابِ العلمِ في مأربِ اليمن، وأبقى منها خمسةَ آلافِ كتابٍ مما لا يستغني عنه.

3- وتبدو الصورةُ الثالثةُ أمامي في إعزاز علمائنا للعربية صورةً بديعةً طريفةً ما أظن أحدا غيرَ مسلم يفطَنُ إليها مهما كان انتماؤه إلى عقيدته و حبُّه الشديدُ لها، وهي من الصور التي تفرَّدَ بها المسلمون فيما أحسب في حبهم للغة القر آن، وهي تمثلُ الغايةَ في إعزاز لغة العربية، تتضح هذه الصورة من الحكايات الآتية، لقد حدثني العلاَّمةُ الثقةُ الشيخ سعيدُ الطنطاوي أن الشيخَ الفاضلَ الدمشقيَّ صلاحَ الدين الزعيم، كان آيةً في الفصاحة، و العربيةُ عنده مقدسةٌ، فكان إذا رأى ورقةً على الأرض فيها كتابةٌ باللغة العربية، يلتقطها ثم يحرقها، وعُلبةُ الكبريتِ دائماً معه في جيبه، ومنذ أيام خلتْ قرأتُ أن الشيخَ العلامة الفهامة أمجدَ الزهاوي البغدادي المتوفى سنة 1883هـ-1967م، كان أيضاً إذا رأى ورقةً أو جريدةً ملقاةً على الأرض التقطَها ووضعَها في جيبه، خشيةَ أن يكونَ فيها اسمُ من أسماء الله الحسنى الشريفة، فتتعرضَ للإهانة، أما الشيخ سعيدُ الطنطاوي نفسُه، فشأنه أعلى وأعجب، فهو يقسو على من يرتدي قميصاً كُتِبَ عليه أيُّ شيء بحروف غير عربية! وسمعته ينبه أحدَ محبيه عند باب مسجد فقيه، بعد صلاة العصر، حين رأى ابنَه مرتدياً قميصاً، مكتوباً عليه بلغة أجنبية، اسمَ لاعبِ كرةٍ أجنبي عالمي – نسيت اسمَه الآن -، قائلاً له: قل لأمه أن تختارَ له القميصَ العاديَ أو القميصَ الذي فيه حروفٌ عربية إن لم تجد، ومن فرْطِ حبه للعربية، وحرصِه عليها أنه كان يمزقُ الورقةَ التي تُلَفُّ بها عُلبُ الحليبِ لكونها تحتوي على ألفاظ ٍعربيةٍ قبل أن يرميهَا في حاويات القُمامة، وقِصصُه في هذا الأمر كثيرةٌ وطريفةٌ، وكان الشيخ محمد الحامد – وهو من علماء مدينة حماة السورية – يأمر أحد الطلا بأن يكنس مخلفات الطباشير المتجمعة تحت السبورة احتراما وتبجيلاً لحروف العربية وخوفاً من أن تكون بعضُ الكلمات هي ألفاظٌ قرآنيةٌ، واعتقادي أن كثيراً من العلماء المعاصرين كانوا على هذا الحال من العربية، وهذه القصص لو جمعتْ لنتجَ عنها كتابٌ كبيرٌ طريف،،، وسبحان الله إن الجامعَ بين هؤلاء العلماء –القدماء – حين قدسوها بأقلامهم على نحو ما سجله الثعالبي في مقدمة كتابه فقه اللغة، – والمحدثين – حين قدسوها بهذا السلوك –هو الورعُ الديني الراقي الذي أدى إلى حبِّ العربيةِ وتقديسِها، وهذا الإحساسُ الراقي لم يقتصرْ على العلماء، بل امتد إلى العامة كباراً وصغاراً، فنجدُ في البلدان العربية والإسلامية ظاهرةَ وضعِ الأوراقِ المكتوبةِ بالعربية في الثقوبِ الخارجيةِ لجدران المنازل لاسيما في الأزقةِ والحارات القديمة، وفي كل مكان ترتفعُ به عن مداسات الأحذية والأقدام (18)، وكان بعضُ العوام يحفِرُ في ترابِ البساتين ليضعَ فيها ورقَ المُصحفِ، حيث يخشى من طيران ما تبقى منه إذا قام بحرقه، وهذا الإحساسُ بقداسةِ العربية لايزال قائماً على مستوى البلديات، ففي السعودية – ولعل هناك بلداناً عربية وإسلامية أخرى -انتشرت الحاوياتُ الخاصةُ بالجرائد والصحف، انتشاراً واسعاً، فجزى اللهُ القائمين على ذلك كلَّ خير وتوفيق، وليباركِ اللهُ لأولئك الذين يلصَقون إعلاناتِهم بأبواب المساجد وداخلها، متضمنةً أرقامَ هواتفهم، لجمعِ المصاحفِ القديمةِ، صوناً لها، وتكريماً، وليت ثقافةَ تقديسِ العربيةِ ننشرُها بين أولادنا وطلابنا في المراحل الابتدائية.

فذلك من حق العربية علينا، ومن حق أجيالِنا علينا، ولسوف تختفي بعد ذلك ظاهرةُ رمي الكتبِ والمذكراتِ الجامعية بعد الانتهاء من الامتحانات في ممراتِ الفصول والمدرجاتِ الجامعية، وحقاً إن أبناءنا الطلابَ عندهم الاستعدادُ لهذه الثقافة وتأصيلُها، فكم من مرة نبهتُ بعضَ الطلاب الذين يغفَلون فيضعون كتابًا ما، على الشبك السُّفلي للكرسي، فكانوا يستجيبون بسرعةٍ، فيرفعون الكتابَ ويضعونه أمامهم، وأشعر أن لسانَ حالهم يشكرني، ونظراتهُم الراضيةُ، بالرضا تغمٌرُني، فلنحمدِ الله على أن أجيالَنا بتوفيقِ الله هي بخير، مدركةً مسؤوليتَها أمام لغتها وتراثها، ليت هذه الثقافةَ – ثقافةَ تقديس العربية – تنتشرُ فتظهرُ في الإعلانات التلفزيونية، والشوارع، والمؤسسات الحكومية، عباراتٌ مثل: يُمنع رميُ المكتوبِ بالعربية هنا “لاتُهن لغتَك العربية” “حبُّ العربية من الدين” “من أحبَّ العربيةَ أكرمهَا” “العربيةُ لغةُ الجنة، فأكرمها” “عزتنا في إكرام لغتنا” “ارم صحفَك ومجلاتِك العربيةِ في الحاويات الورقية” ولا شك أن المرء لو أراد أن يكتب آلافَ العبارات التي تحض على الاهتمام بالعربية، وتشجع على رمي ما هو مكتوبٌ بالعربية في الحاويات الخاصة، لما عجزَ عن ذلك، وهاهم أهلُ التوعية الصحية ملأوا الأمكنةَ بإعلاناتهم مثل: “التدخين ممنوع” و”ممنوع التدخين” و”ممنوع رمي السجائر” “والتدخين ضار بالصحة” إلخ ما سطروه على علب السجائر، فلنكن مثلَهم في التوعية اللغوية. ولقد بدأت كليةُ اللغةِ العربيةِ في جامعة أم القرى بتعليق الكثير من العبارات الدالةِ على شرف العربية، المحببةِ للطلاب بهذه اللغة الشريفة، على الجدران، وعلى لوائح مضيئة ملونة تلفت الانتباه إلى تلك العبارات، فجزاهم الله خيراً، وبارك لهم هذه الجهودَ، ولعلهم بعد ذلك يقومون بتغيير بعض الألفاظ الأجنبية التي لا تزال معلقةً على بعض أبواب الغرف الإدارية ككلمة الأرشيف وكلمة السكرتير، والأجمل أن نكتب مكان الأرشيف: المحفوظات أو السجلات، ومكان السكرتير: مساعد الرئيس، اللهم اغرِسْ في أولادنا وأحفادنا عشقَ لغةِ كتابك، ولغةِ حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم، واجعلهم من حماتها وفرسانها، فكم عزَّ أقوام بعزِّ لغات؟!

4- أخيراً كنت قد قدمتُ ورقةً علميةً في السنة الماضية عنوانُها” دعوة إلى الجمال اللغوي في أسماء المحلات في مكة المكرمة” ، زدتُ عليها بعضَ ما ألفيته من عباراتٍ سجَّلها أصحابُها على واجهات محلاتهم، وهي تدعو إلى الحزن والأسى لما فيها من خروجٍ على المنهج اللغوي العربي، وأحسب أنه لا ضيرَ من قراءةِ ما ذكرته من قبل مضافاً إليه بعضَ العناوين الجديدة، فاعتقادي أنه يجبُ علينا إعزازُ لغتنا وتكريمُها بالتزامِ العناوين ذوات الألفاظِ العربيةِ بتراكيبَ لغويةٍ صحيحةٍ، تشعر قارئَها بانتمائه الأصيلِ إلى لغة آبائه وأجداده لغةِ القرآن، والمعلوم بداهة أن الأصلُ في إطلاق اسمٍ على محل تجاري أن ينبيك عن الصنعةِ التي يحترفُها صاحبُ الدكان أو يخبرُكَ عما فيها، لقد كانت هذه الأسماءُ بسيطةً تخبرُكَ عن مضمونها بلا مشقةٍ أو عناء، ككتابةِ أصحابِ بعض المحلات على محلاتهم” حلاق” أو محلُّ الحِلاقةِ أو مغسلةُ الثيابِ أو بقالٌ أو بقالية أو مكتبة أو قِرطاسية أو محلات الحربي للبطانيات أو مملكة العصائر أو القصيم للتمور…إلخ، ثم تطور فكرُ أصحابِ المحلاتِ فصاروا – لجذب الزبائن وللفت انتباه الناس – يختارونَ أحياناً كلماتٍ وحشيةً في استعمالها كالأخطبوط للملابس الراقية، وأحياناً استخدموا كلمات أجنبية، فصرنا نرى (استديو وصالون وسوبرماركت وصالون (كارزما)، وأخيراً قرأت على أحد المحلات (زيرو ون زيرو) وترجمتها واضحة أما (ذي بودي سيكرتش) – فلا أعرف معناها – وما أكثرَ هذه الأسماءَ التي لاتعد ولا تُحدّ لكثرتها، وأحبَّ بعضُهم استخدامَ اسمِ الشركةِ التي حصلَ على توكيل لها كسامسونج وفورد وجنرال… إلخ، ثم حصلَ عند بعضهم تخليطٌ وتهجينٌ فصاروا يركبون كلمةً أجنبيةً مع كلمةٍ عربيةٍ فصرنا نرى(خالدكو ومازن هاوس.. وخد بريك في كلية اللغة العربية…إلخ، وانحرف بعضُهم فصار يستخدمُ اللغةَ العاميةَ مثل، يابلاش كلُّ شيء بريال، أو الفُرجة بلاش، وما عدمنا تأثيرَ بعضِ لغاتِ العمال العاملين في المملكة بعضُها عربي وبعضُها أجنبي ككتابتهِم كومجي ومِخبازة واجزاخانة وبنشر، وأدى ذلك إلى تعدد الأسامي نظراً لتنوع التسمياتِ فبعضُهم يكتب الجوال وبعضهم الخلوي وبعضهم النقال وباختراع النقال صرنا نقول: الهاتف الثابت أو هاتف المنزل للفرق بين الاثنين، وثمة مِهَنٌ وحِرَفٌ وصناعاتٌ مشترَكةٌ، الأمر الذي دعا أصحابَ المحلاتِ إلى تنويعِ الأسماء من أبسطها ما نقرؤه” بقالة أبو علي – هكذا على الحكاية فيما يبدو- بقالة حراء – بقالة الوفاء – بقالة العزيزية – مركز تموين الزاهر” وحين كبرت هذه المحلات وتضخمت تفرنجت و صارت البقالية (سوبر ماركت وميني ماركت) وحين تعددت المحلات المتنوعة في سوق واحد صرنا نقرأ: مكة مول والراجحي سنتر، ولجأ بعضُهم إلى استعمال الأرقام للتمييز بين فروع محلاته فصرنا نقرأ بلازا (1)، وبلازا (2)، ولكن أكثرَ ما يزعجُك تلك العناوينُ التي لا تدلُّ ألفاظُها اللغويةُ على حقيقتها، أي أسماؤها لا تدلُّ على مسمياتها، وكأني بأصحابها يخبِطون خبط عشواء في اختيارِ هذه الأسماء التي أطلقوها على محلاتهم من ذلك، كافتيريا “قوة البحر”، مع أنها دكانٌ لبيع العصير والساندويتشات – الملفوفات أو لفلوفات – (19) التي لا علاقة لها بالبحر البتة، ولا تبيع شيئاً من مأكولات البحر، ومن ذلك بروست زمزم، ومطعم المغامرة ولا أدري أية مغامرة في هذا المطعم الذي يقدم الفراريج، فالفرق بين الاسم والمسمى بعيد لا تألفه الأذنُ العربيةُ اللغويةُ بله الموسيقية، ومثلُ ذلك: فُندقُ صفوةِ الشروق، فهل في الشروق صفوة؟، وهل له صفوة؟ ليته حذف كلمة الصفوة وأبقى على الشروق، أو جعله فندق الصفوة أو فندق الشروق، ومن ذلك: مكتبُ مشارقِ الأرض ومغاربها، وهو مكتب عِقاري صغير، فهذا كله فيما أحسب ليس مألوفاُ مع صحته لغة، لأنه يمكن القول في بعضه: إنه محمول على المجاز أي إطلاق البعض، وإرادة الكل من ذلك شركة الحائط، فربما أطلقوا الحائطَ والمرادُ البيتُ كله، والجوابُ: أن الأصلَ عدمُ المجاز، والأولى في إطلاق الأسماء هو الدلالة على حقيقتها مباشرة، مع التأنقِ في اختيار سبكها، لتهدف إلى أمرين أولُهما: بيانُ حقيقةِ المحل، وثانيهما: جذبُ الانتباه إلى المحل، ولو قارنا هذا الاسمَ أي شركة الحائط باسم شركة قرأتها في جدة وهي” بيتنا للإنشاء والتعمير” لبان لنا الفرقُ بين العنوانين؟ كم نتمنى من إخواننا الأفاضلِ أصحابَ المحلات التجارية والشركات والمستوصفات الاتصال بالمؤسسات اللغوية لعرضِ ما يختارونه من أسماءٍ وعناوين لمحلاتهم، تذكرت الآن وأنا أكتبُ هذا المقالَ أن العربَ أطلقوا على زمزمَ أكثرَ من أربعين اسماً ووصفاً، لا تجد بينها واحدًا ليس له صلةٌ بحقيقة زمزم وأوصافِها، والأمر نفسه تراه في أسماء مكة، وفي أسماء الكعبة أيضاً فماذا جرى الآن؟! هل كان القومُ أصحابَ تذوقٍ لغوي فقدناه الآن وآسفا وواعجبا.
وعلى كل حال هذا وصفٌ مجملٌ لما تراه الآن في شوارع مكةَ المكرمةِ شرَّفها الله تعالى، ولا شك أن محبي العربية حانقون جداً من كثرةِ الأخطاء الإملائية التي تضمنتها هذه الأسماءُ ولاسيما همزاتُ الوصل والقطع، والظاهر أن هذا المرض لا برءَ منه فهو بلاءٌ عمَّ وشاعَ فلم نعد نلتفت إليه كما لم نعد نلتفتُ إلى استخدامِ الكلمات الأجنبية في هذه التسميات، وكأن طغيانهَا صار مسوِّغاً لِقَبولها، فكثرةُ الاستعمالِ لها بات أصلاً معتبراً عند الحانقين على العربية الجميلة.
ولنترك هذا الأمرَ الآن لأخبرَكَ بأمرٍ يسليكَ وتفرَحُ به، يتمثل في مظهر واضحٍ مشرق، يروحُ بك إلى أعماقِ التاريخِ لتعيشَ في ذكرياته الجميلة وتأنسَ بروحانيته اللطيفة وتطوفَ بقدسيته وتسجدَ في محرابه الطاهر، هذا المظهرُ يتمثل فيما نقرؤه مكتوباً على واجهات بعضِ المحلات، إذ ترى فيها الألفاظَ اللغويةَ التاريخيةَ العربيةَ الإسلاميةَ، تلك التي تحملُ إيحاءاتِ هذه البقعةِ الطاهرةِ، ودلالاتِ هذه البقعةِ المباركة، إضافة إلى ظهور المناسبةِ الدالةِ على الصلة بين الاسم والمسمى، من ذلك( مطبخ بئر الروحاء، ومطعم الخيف، وحلاق الجمرات، وفندق أو بقالية كُدي وكُداء، وبقالة الزاهر، وبقالة طُوى (20)، وبقالة جبل النور، ومستشفى النور، وفندق أجياد، وفندق محبسِ الجن، ودار الطائفين، وكافتيريا – هكذا- المعلاة، وفندق المشاعر، وفندق بكة، ومطعم رِتاج – وهو اسم من أسماء مكة) وبعضهم اختار أسماءً تفيدُ عموماً أن هذه البقعةَ مهوى أفئدةِ المسلمين من شتى الأجناس (كقرطاسية قرطبة، وفندق الدار البيضاء، وتسالي القاهرة، والمطعم الإندونيسي، أو الصيني، والرز البخاري، والشاي المغربي، ومطعم الشهباء، ومشويات الشام، ومطعم خان الخليلي، ومطعم القدس، ومطعم الأندلس و كافتيريا القريات) وما أكثرَ هذه الأسماءَ التي يقعُ نظرُك عليها في هذه المواضع المباركة، نعمْ إنها مكةُ العاصمةُ المقدسةُ عند المسلمين جميعاً وأجملْ- أي أُخَيَّ – بإحياء الأسماءِ العربيةِ الأصيلة لاسيما تلك التي تحملُ في تضاعيفها العبقَ التاريخيَّ الروحيَّ لمكة الجميلة شرفها اللهُ تعالى. ففي ذلك خيرٌ عميمٌ، أقلُّه أنك تحمِلُ زائرَ هذه البقعةِ المقدسةِ عن طريقِ الألفاظ ِالعربيةِ الإسلاميةِ إلى مشاهدِ تاريخهِ الناصعِ، وصورِ ماضيه الماتعِ، يستمدُّ منه الهدى والنورَ والروح والضياء في هذا العصر الهائج المائج.
لاشك أن هذا الوصفَ المزعجَ لا يُعجِبُ عربيتَنا البائسةَ المسكينةَ، فهي تظن أنها لاتزالُ حاضرةً في أذهانِ أبنائها، ساكنةً مطمئنةً في سويداء قلوبهم، وجوانحِهم، حفظتْهم ورعتْهم وأبقتْ مآثرَهم ومفاخرَهم على مر الدهور والعصور، سامقةً أمام الأمم، فلولاها ربما ضاعتْ مضامينُ حضارتِك وزالتْ، لقد حافظتْ بسجلاتها التاريخيةِ على كرامتهم وعزتهم كانت تتقوَّى بهم أمامَ من يريد غزوَها أو النيلَ منها، تمدُّهم بالعطاءِ الروحي، وتغرِسُ فيهم الصلابةَ والصرامةَ، لئلا ينصهروا ويذوبوا وتذهبَ ريحُهم، هي تئنُّ الآن وتتوجعُ من نصال أبنائها وفلذاتِ أكبادِها، فما أكثرَ التياراتِ المعادية لها تحت عناوين براقة يزعمُ أصحابُها أنها مناهجُ حديثةٌ يجب على أبنائنا أن يدرسوا لغتَهمَ من خلالها وبمناظيرها ويزعمون أن دراستَها وفقَ المعايير التي نسجتها اللغةُ نفسُها باتت جريمةً لا تغتفر ورجوعاً إلى ما عفا عليه الأثرُ واندثرَ، إنها في خِدْرها عفيفةٌ طاهرةٌ نقيةٌ رؤومةٌ حنونةٌ، ترمقُ أبناءَها العاقِّين لها أولئك الذين اتخذوا سُبُلاً لدرسها غيرَ السبلِ التي أخبرتْهم هي عنها للوصول إلى جمالها، بل للوصول إلى أسرارِ سحرها البديعِ الخلابِ وسبحان من يعطي الفضل لمن يشاء، كم سهرتْ معهم تحدثُهم عن أسرارها وخفياها، وأباحت لهم ما تختزنه من كنوزها الثمينة، وقصت عليهم ما جرى لها من نكبات وويلات، وكيف بقيتْ صامدةً لتصنعَ منهم ملوكَ الأرضِ قيماً وأخلاقاً تمثَّلَ ذلك في تلك الحضارةِ الإسلاميةِ التي ارتفعتْ راياتُها فوق الحضاراتِ بقيمِها الأخلاقية، وبشمائلِهَا العلية، إنها تبكي الآن بعد أن رمقتْهم من سجَفِ الغيبِ يشتكون منها، ويضجُّونَ من حياتها وأخبارها وسلوكها، آهٍ ثم آهٍ من العقوق والنكران يامن تقول لصاحبك good morning بدلا من (السلام عليكم أنعم صباحا أو عم صباحا يا عزيزي) وكم يؤلمُها حين تقول (sore) بدلاً من آسف، وأكثرُ ما يؤلمها الآن أنه تسربَ إلى مؤسسات تعليم العربية كالجامعات والمعاهد والمدارس ألفاظٌ أجنبيةٌ طردتِ الألفاظَ العربيةَ وسكنتْ مكانَها ككلمة الأرشيف أزاحت كلمةَ المحفوظات أو السجلات وككلمة السكرتير طردت كلمة المساعد أي مساعد المدير أو نائب المدير وقد ذكرت ذلك سابقاً -، رحم الله ابن تيمية، لقد أدرك تسريباتِ الأعاجمِ اللغويةِ في عصره وأدركَ خطورتَها على العربية، فنبه إلى ما نسميه بلغة الدوائر الإدارية قال” وما زال السلفُ يكرهونَ تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملاتِ، وهو التكلمُ بغيرِ العربيةِ إلا لحاجةٍ وذلك لحفظِ شعائرِ الإسلام، فإن اللهَ تعالى أنزلَ كتابَهُ باللسانِ العربي، وبعثَ به نبيَّهُ العربيَّ، وجعلَ الأمةَ العربيةَ خيرَ الأممِ، فصار حفظُ شِعارِهم من تمامِ حفظ الإسلام (21) فماذا يقول الآن لو كان حيًّا.

وليت إخوانَنا القائمين على اختيار أسماء المحلات في أمانة العاصمة المقدسة ينظرون –مثلاً- في كتاب المخصص لابن سيده فسوف يرون آلافَ الأسماءِ العربيةِ للأماكن والنباتات والأشجار والإنسان والمياه… إلخ ما يمثلُ الحياةَ العربيةَ الإسلامية عبر العصور. وحينئذ نخففُ من طغيانِ الكلمات الأجنبية، والتهجينات الأسلوبية التي لا تألفُها الفطرةُ اللغوية السليمة. وما أجمل مكة الفيحاء وقد خلت واجهاتُ محلاتها التجارية من الألفاظ الأجنبية.

ختاماً لعلي بهذه الصور الأربع صورتُ لكم إخواني الأكارم إعزازَ علمائنا للغتنا العظيمة، فلعلنا نقتدي بهم ونهتدي بهديهم، لنكون أوفياءَ لهم.

______________________________________
1- مراتب النحويين 64
2- الخزانة 1/371
3- انظر مقدمة فقه اللغة للثعالبي ففيها ما يؤكد ذلك
4- الأنيس في الوحدة 1/252
5- الأنيس في الوحدة 1/33
6- من تقويم (روزنامة) مركز الملك عبد الله لخدمة اللغة العربية 10رجب 2013هـ
7- الأنيس في الوحدة1 /252
8- تقويم (روزنامة) الملك عبد الله لخدمة اللغة العربية ،11 /جمادى الآخرة /1434هـ
9- في الأصل ويثبت
10- الفهرست 169 بتصرف
11- الانيس في الوحدة 1/242
12- انظر لذلك توثيق النصوص لموفق عبد القادر ص 20
13- البدر الطالع 2/57
14- المرجع السابق 2/1077
15- المرجعالسابق 2/1077
16- المرجع السابق 2/1077
17- المرجع السابق 2/1083
18- وكنا في بلدي حماة السورية نضع ما نجده من خبز في ثقب من الثقوب الحائطية أيضاً

19- لا أدري لماذا لا تسمى بذلك ،كنت أسمعها من أمي فتقول: اعملوا للولد لفلوفة، وهي رغيف خبز أو قطعة منه يوضع فيها جبن بعد بسطه أو زيت زيتون فوقه زعتر، ثم يلف، والأصل في أي نوع من أنواع الساندويتش هو اللف، وفعلول وارد في كلام العرب، وصارت مشكلة تعريب الساندوتشات مثار هزء عند كثير ممن لا يؤمنون بتعريب الأجنبي عامة.
20- قال الفيومي في مادة طوي: ذو طِوى واد بقرب مكة على نحو فرسخ، ويعرف في وقتنا بالزاهر في طريق التنعيم.
21- الفتاوى 32/159


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *