كتبٌ لا تدلُّ عناوينُها على مضامينها – د. محمد عاطف التراس


كتبٌ لا تدلُّ عناوينُها على مضامينها – د. محمد عاطف التراس


كتبٌ لا تدلُّ عناوينُها على مضامينها

لكل كتاب عنوان يدل على مضمونه، كما أن لكل سورة اسمًا يدل على أهم محور تدور حوله أحداث هذه السورة غالبًا، فسورة البقرة تشير إلى أهم حدثٍ بها، وهو قصة البقرة، وسورة الكهف تشير لقصة أهل الكهف، وسورة المجادلة تشير لقصة خولة بنت ثعلبة الأنصارية مع زوجها أوس بن الصامت رضي الله عنهم، وهكذا.
وكلما كان العنوان دالًّا على مراد الكاتب من كتابه، كان أدعى لانتشار الكتاب وإقبال القرَّاء عليه، فالعناوين المبهمة لا تفي بالمراد منها، وتصدُّ القارئ عن الكتاب، فالعناوين أنساب الكتب، بها يستدل القارئ على بغيته.
وكم من كتبٍ في المكتبة العربية عناوينها ليست أنسابًا لها، بل أحيانًا يدل العنوان على غرض آخَر بعيد عن مراد الكاتب، ومن هذه الكتب التي وقفتُ عليها الآتي:
– ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسي ت 745 هـ: إن الناظر بغير علم في عنوان الكتاب يخيل إليه أنه كتاب لغوي على معجم لسان العرب، والحقيقة أنه كتاب في النحو من أنفس كتب النحو طرًّا، و«الضَّرَبُ» هو العسل الأبيض الغليظ.
– إسدال الكساء على النساء لجلال الدين السيوطي ت 911 هـ: لو سُئلتَ عن موضوع هذا الكتاب دون أن تطالعه، ستقول: حجاب المرأة المسلمة. والحق ليس كذلك؛ لأنَّ السيوطي يتكلم فيه عن قضية مختلفة تمام الاختلاف، وهي هل النساء يرين الله عز وجل في الجنة كالرجال أم لا؟
– إصلاح المنطق لابن السكِّيت ت 244 هـ: يظنه القارئ بادئ الرأي أنه كتاب في علم المنطق والفلسفة كما هو ظاهر كلام جرجي زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية (1/119) ط دار الهلال، والحق أنه كتاب من أنفس كتب الأدب واللغة، وضعه ابن السكيت ليعالج اللحن الذي ظهر على ألسن الناس في زمنه. يقول عبد السلام هارون في مقدمة تحقيقه لهذا الكتاب (ص12): «علمتُ بأَخَرةٍ أن أحد الأساتذة المشتغلين بالفلسفة راقه عنوان هذا الكتاب, فبادر بانتزاعه من أحد أصحاب المكتبات, وعاد به جذلان، حتى إذا كان ببعض الطريق, يقلَّب الطرف في صفحاته, ابتسم، ثم غلبه الضحك مما أخلفه الظن!».
– الأصول في النحو لأبي بكر ابن السراج ت 316 هـ: الظاهر من عنوانه أنه يدور في فلك أصول النحو من سماع وقياس وإجماع واستصحاب… لكن الواقع أن الكتاب في النحو بفروعه من مرفوعات ومنصوبات ومجرورات… مثل كتاب سيبويه، ومقتضب المبرد وغيرها من كتب النحو. وإن كان الكاتب قد تعرض لبعض مسائل أصول النحو في كتابه. وقد قمتُ بتحقيقه بحمد الله، وطُبع بدار السلام القاهرة.
– ديوان الأدب لإسحاق بن إبراهيم الفارابي ت 350 هـ: يبدو للوهلة الأولى أن الكتاب ديوان من دواوين الأدب مثل خزانة الأدب مثلًا، لكن الواقع أن الكتاب يُعدُّ أول معجم لغوي عربي مرتَّب بحسب الأبنية الصرفية.
– سر صناعة الإعراب لأبي الفتح عثمان بن جني ت 392 هـ: الظاهر أن الكتاب يتكلم في النحو وأسراره، مثل كتاب أسرار العربية لأبي البركات الأنباري، لكن هذا غير صحيح؛ لأن الكتاب في فن الصوتيات، يشتمل على جميع أحكام حروف المعجم، وأحوال كل حرف منها، وكيف مواقعه في كلام العرب. يقول مؤلفه (1/16، 17): «وأذكر أحوال هذه الحروف في مخارجها ومدارجها، وانقسام أصنافها، وأحكام مجهورها، ومهموسها، وشديدها ورخوها، وصحيحها ومعتلها، ومطبقها ومنفتحها، وساكنها ومتحركها…».
– سفر السعادة وسفير الإفادة لعَلَم الدين السَّخاوي ت 642 هـ: لا يوحي العنوان بمراد مؤلفه قطُّ، وقد جاء كتابه في شتى فنون العربية من نحو وصرف ولغة وعروض… وليس الكتاب شرحًا للمفصل كما وهم بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي (5/53). يقول السخاوي عن كتابه (1/5، 6): «هذا كتاب سفر السعادة وسفير الإفادة… شرحتُ فيه معاني الأمثلة ومبانيها المشكلة، وأودعتُه ما استخرجتُه من ذخائر القدماء وتناظر العلماء، وختمتُه بأغرب نظم وأسناه، فيما اتفق لفظه واختلف معناه، وأضفتُ إلى الأبنية ألفاظًا مستطرفةً واقعةً أحسنَ المواقع عند أهل المعرفة، ورتبتُ الأبنية على الحروف مستعينًا بالله المنان الرؤوف».
– الفاخر للمفضل بن سلمة ت 291 هـ: لا يدل اسم هذا الكتاب على أي إشارة للقارئ تفصح عن مضمون الكتاب، وهو كتاب فيما تلحن فيه العامة بالعدول عن معنى اللفظ إلى غيره. يقول المفضل في أول صفحة من كتابه: «هذا كتاب معاني ما يجري على ألسُن العامة في أمثالهم ومحاوراتهم من كلام العرب وهم لا يَدروُن معنى ما يتكلمون به من ذلك، فبيَّنَّاه من وجوهه على اختلاف العلماء في تفسيره، ليكون مَنْ نظر في هذا الكتاب عالمًا بما يجري من لفظه ويدور في كلامه».
– الفاضل لأبي العباس المبرد ت 285 هـ: هذا كتاب في الأدب واللغة مثل كتاب الكامل للمبرد أيضًا.
– مجاز القرآن لأبي عبيدة معمَّر بن المثنى ت 209 هـ: يبدو لك أول ما يبدو أن الكتاب في فنِّ البلاغة وأنه يبحث في حقيقة القول بوجود المجاز في القرآن أو لا، والحقُّ أن الكتاب يُصنَّف ضمن كتب غريب القرآن ومعانيه وإعرابه، وسبب تسميته لكتابه بهذا الاسم أنه كان كثير الاستعمال في تفسيره للآيات لمقولة: «مجازُه كذا…».
– همع الهوامع شرح جمع الجوامع للسيوطي ت 911 هـ: أيضًا غير المتخصص لا يعلم كنه هذا الكتاب، وهو من كتب النحو الموسوعية، وسماه بهذا الاسم؛ لأنه جمعه من مائة مصنَّف كما نص في مقدمته له، وفي القاموس المحيط مادة (همع): «وسحابٌ همِعٌ، ككتِفٍ: ماطِر، ودموعٌ هوامعُ».
هذه العنوانات إنما سردتُها للتمثيل لا للحصر، فهناك الكثير الكثير من الكتب القديمة والمعاصرة لا ينمُّ عنوان الكتاب عن مضمونه، ومن ذلك كتب المثلثات اللغوية، والرسائل مثل الرسالة للشافعي، والأجزاء الحديثية، وما أكثرَها! فقد يظن غير المختص أنها من كتب الحساب.
وهذه القضية هي أُسُّ الإساسِ في أن بعض هذه الكتب قد قلَّ إقبال الجماهير عليها، اللهم إلا بعض الكتب التي اشتهرتْ لشهرة مؤلِّفيها وعلوِّ كعبهم في فنونهم مثل «الهمع» و«الارتشاف»، فإنهما من الشهرة بمكان؛ لشهرة السيوطي وأبي حيان.
والله أسأل أن يُوفِّقنا لمراضيه، ويهدينا لما يُوجِبه الإنصاف ويقتضيه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *