العالم والعلَّامة والتعلامة في التراث اللغوي – ـ أ.د. رياض الخوام


العالم والعلَّامة والتعلامة في التراث اللغوي – ـ أ.د. رياض الخوام



امتلأت كتب تراثنا بنعوت للعماء كثيرة تقديراً لهم وإعزازاً لشأنهمً وتحقيقاً لمقاصد ديننا الحنيف الذي جعل العلم من أهم ما يطلبه المسلم في حياته، ومن أكثر النعوت التي أُطلقتْ في مقام العلم هي “العالم”، لقد صار هذا النعت على مر العصور وتتابع الدهور مصطلحاً علمياً كثير الاستعمال، واسع الانتشار، فما المراد منه بدقة؟ وكيف استخدمه علماؤنا وأصحاب التراجم في سياقاتهم التي كانوا يعرّفون بها بعالم ما من العلماء؟ هل صار لهذا المصطلح ضوابط يتميز بها عن غيره من الألقاب والنعوت الدالة على البروز في الفن الذي اختص به المُترجَم له؟ هل تطورت دلالته؟ لعل ما أقدمه من لمحات سجلتها من قراءاتي العامة تضيء وتفيد في تحرير هذا الوصف:
إن مصطلح “العالم” من أكثر النعوت التي نستخدمها في حياتنا، لأن هذا الوصف يتسع ليشمل كل مبرز في أي فن من فنون المعرفة، سواء أكانت عقلية أم نقلية، وهو مشتق من المصدر (العِلْم) وحقيقة العلم: هو إدراك الشيء ومعرفته بحقيقته، أو كما قيل: هو مجموع مسائل وأصول كلية تدور حول موضوع واحد، وتُعالج بمنهج معين وتنتهي إلى بعض النظريات والقوانين كعلم الزراعة وعلم الفلك، ويجمع العلم على علوم، فيقال: علوم العربية (1) وعلوم الشريعة، وقد نقل ابن سيده عن أبي علي قوله: سُمِّيَ العِلم عِلماً، لأنه من العلامة، وهي الدلالة والأمارة، ومنه: معالم الأرض والثوب (2)، فكأن العالم ببروزه في فنه، صار ظاهراً ومعْلَماً في فنه الذي تخصص به، وأهم ما يجب أن ننبه إليه هو أن هذا النعت العلمي الكثير التداول، لو طبقنا مدلوله الذي كان مستقراً عند علمائنا القدماء، ما رأينا الآن علماء إلا قلة قليلة، يمكن أن نطلق على أصحابها وصف “العالم”،فما الشروط أو الخصائص التي يجب أن تتحقق في من نريد أن نطلق عليه هذا اللقب؟ لقد ذكر الدكتور إبراهيم البنا في مقدمة تحقيقه للمقاصد الشافية في النحو للإمام الشاطبي، نبذة عن نشأة الشاطبي العلمية، فأفاد أن الشاطبي كان فطناً إلى الأمور التي يجب أن تتحقق في (العالم)، فكان يرنو إليها، وهي من العلو بمكان، قال الدكتور البنا: ولقد كان الشاطبي يعي جيداً أموراً يجب أن تتوافر في العالم، فيحدثنا في إفاداته عن أبي علي الزواوي أن بعض العقلاء كان “لا يُسمي العالم بعلم ما عالماً بذلك العلم على الإطلاق حتى تتوافر فيه أربعة شروط:
1- أن يكون قد أحاط علماً بأصول ذلك العلم على الكمال.
2- أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العلم.
3- أن يكون عارفاً بما يلزم عنه.
4- أن تكون له قدرة على رفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم.
ثم نقل الدكتور البنا عن الشاطبي قوله: وهذه الشروط رأيتها منصوصة لأبي نصر محمد بن محمد الفارابي الفيلسوف في بعض كتبه”(3)، أي هي للفارابي، وبذلك تقوى قيمتها، وتزداد أهميتها، وتوضح حقيقة هذا اللقب العلمي الذي لو عددنا العلماء الذين يمكن وصفهم بالعالم، لانتهينا إلى القول: إنهم أندر من الكبريت الأحمر، وأعزُّ من بيض الأنوق، وكأن هذا النعت يرادف نعت (المجتهد)، الذي كاد ينقرض في زماننا هذا، فإن قلت: إذن ماذا يُطلقُ على أصحاب العلوم القليلة الذين شدَوا في العلم قليلاً، وأُوتوا ذرابةً في اللسان، كبعض من يظهرون على شاشات التلفاز؟ أو أولئك الذين يصعدون المنابر ولا يجيدون إلا الوعظ والترغيب والترهيب والسِّير؟ أو الذين حصلوا على الشهادات العلمية العالية مع أن مبلغهم من العلم أثارة لاتسمن ولا تغني من جوع؟
فالجواب: أن نطلق عليهم، أهل العلم، أو الدعاة أو الوعاظ أو طالبي العلم، ولا يعني ذلك الغضَّ من شأنهم، وإنما هو احترام للعلم، وصيانةٌ لمرتبة العالم، وقد أدرك الأزهر الشريف في يومٍ ما هذا الإشكال فأطلق على شهادة “الدكتوراة” لقب “العالِمية” نافرين من الكلمة الأجنبية، ولكن شروط الفارابي لا تتوافر فيما أعتقد حتى في حاملي العالِمية، ولا في الحائزين على درجة الأستاذ المشارك أو الأستاذ، وإلى الله المشتكى.
و من المفيد أن نذكر أيضاً أن إطلاق (العالم) على شخصٍ ما، اقترن مفهومه بأصحاب الصنعة المشتغلين بهذا العلم، وهذا المفهوم قد تكوَّن عند المُطلِقِ نتيجة مذهبه ونزعته وثقافته، ففي قوله تعالى “إنما يخشى الله من عباده العلماء” قال الشَعبي: العالمُ هو من يخشى الله، قال ذلك حين قيل له: أيها العالم، فقال: لسنا بعلماء إنما العالم من يخشى الله، وحين علَّق ابنُ القيم على الآية الكريمة السابقة قال: ولا يكون عالماً إلا من يخشاه، فلا يخشاه إلا عالم، وما من عالم إلا وهو يخشاه، فإذا انتفى العلم انتفت الخشية، وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العالم (4)، فكأن العالم في الشريعة من لوازمه ما تحدث عنه الشعبي وابن القيم، ونظر البوسنجي أحمد بن سهل المتوفى سنة 348هـ، إلى أن هذا النعت يُطلق على من اتصف بالعلم والعمل، قال: العالم هو من كان باطنه وظاهره سواء، ومن كان ظاهره أفضلَ من باطنه فهو الجاهل، ومن كان باطنه أفضلَ من ظاهره فهو الولي (5)، وعلى هذا فكل أصحاب فن أو مذهب صار عندهم مدلولٌ خاص للفظة العالم، لكن الأساس المعتبر فيما أحسب هو ما نص عليه الفارابي ذلك الذي ذكرناه من قبل، فهو المقياس الدقيق لصحة تلقيب الشخص بحلية “العالم”.
ويتصل بالعالم (العلاَّمةُ والتعلامةُ): أما العلامة – بتشديد اللام- فهو وصف كسابقه “العالم”، كلاهما مشتق من العلم، فالعالم اسم فاعل، والعلاَّمة من صيغ المبالغة المعروفة، قال ابن خالويه: والعرب تقول: رجل عالم، فإذا زادوا في المدح قالوا: عليم، فإذا بالغوا في الوصف قالوا: علّاَّم وعلاَّمة (6) ويبدو أنهم أرادوا توكيد المبالغة في صيغة المبالغة “علاَّم” وتمكينها أكثر في عقل المخاطب، فنقلوها إلى باب المبالغة لملاحظتهم أن المتصف يستحقها، فأدخلوا هذه التاء، قال ابن يعيش معلقاً على قول الزمخشري: إن التاء تدخل للمبالغة في الصفة ما نصه: مثل علامة ونسابة، للكثير العلم والعالم بالأنساب، وقالوا: راوية للكثير الرواية، هذا مذهب الجمهور (7) فكأن استشعارهم بزيادة العلم -ولو كان فناً آخر- دفعهم إلى زيادة هذه التاء، أي كثرة العلم أدت إلى ضرورة وجود تميز عن دلالة (العالم) فارتأوا إدخال التاء للدلالة على ارتقاء صاحب العلم إلى مرتبة أعلى ، فعبَّروا عن هذا الارتقاء العلمي بزيادة التاء فقالوا (علاَّمة)، وأشار الصبان إلى أن إطلاق( العلَّامة) قد يكون سببه كثرة التنوع في العلوم (8) قال: إن علّامة معناه لغةً كثير العلم جداً، لأن الصيغة للمبالغة، والتاء لزيادتها”، ثم بين أن كثرة العلم جداً، تحصل بالتبحر في أنواع من الفنون (9)، ويستفاد من كلامه أيضاً أن العلاَّمة عند بعضهم يُطلق على من جمع بين المعقول والمنقول، قال: فما اشتُهر من أنه –أي العلامة –الجامع بين المعقولات والمنقولات، لعله اصطلاح لبعضهم (10). ولعل مما يؤكد هذا التفسير أن بعضهم أشار إلى أن العالم هو من يبرز فْي علم واحد، قال ابن قتيبة ” كان يقال إذا أردت أن تكون عالماً فاقصد لفن من العلم، وإذا أردت أن تكون أديباً فخذ من كل شيء أحسنه” (11) لذا فالقول: إن العالم هو المتبحر في علم واحد أصل معتبر – فيما يبدو – لإطلاق هذا اللقب على من يستحقه، ثم إذا نوَّع في العلوم صار علَّامة، وإذا وصل إلى الغاية جامعاً أكثر من علم، وهو ما عبروا عنه -والله أعلم – بأنه عالم بالمعقول والمنقول فلا مانع من أن يلقب بالتعلامة (12) هذا تفسير من تفسيرين والآخر أن العلاّمة هو من تبحر في علم معين حتى صار الغاية فيه، وليس من شرطه تنوع العلوم أو الجمع بين المعقول والمنقول.

والظاهر أنهم حين أرادوا توكيد “علّامة” مرة ثانية للمبالغة في التمكن العلمي، ولاتساع علم الرجل وتنوعه، ورأوا أن آخر اللفظة قد أُحْكِمَ واُغلق بالتاء، ففكروا في أولها، فلم يجدوا ما يمنع من إدخال هذه التاء ، فزادوا تاء في الأول أيضاً، فصارت الكلمة بتاءين، واحدة في أولها وثانية في آخرها، وهم بحاجة شديدة إلى التاءين لئلا ينتقض الغرض الذي يرمون إليه، فلجأوا إلى تخفيف اللام – بفك تشديدها، – ثم حذف الثانية، ليتم التوازن والتناسب بين زيادة التاء في أول الكلمة وحذف اللام الثانية من “علاّمة “فقالوا: (تِعلامة)، قال الفيروز أبادي: والتِّعْلِمَة كزِبرجة والتعلامة: العالم جداً (13)، ويبدو أن “التعلمة” المرادفة لتعلامة، ربما كان أصلها عندهم تعلاَّمة، فشعروا بوجوب التخفيف من لفظة “التعلاّمة” بتشديد اللام، فخففوا – كما ذكرنا من قبل – بحذف اللام الثانية، فقالوا تعلامة” ثم خففوا بحذف ألف تعلامة فقالوا: تِعْلِمة” ويبدو أنهم كسروا لام تعلمة للانسجام الصوتي بين كسرة التاء، واللام، كما قالوا: تِفرِجَة، ولئلا يلتبس بالمضارع تعلم المتلتل، ويحتمل أن التاء في “تعلامة” تدل على توكيد المبالغة في علاّمة كما تفيد أن هذه المبالغة مشبوبة بالتعجب فكأن وصف رجل بأنه تعلامة، صار يدل على المبالغة بكثرةٍ مع الإعجاب، أزعم ذلك لأن التاء عُهدتْ عندهم أنهم أدخلوها على أول الكلمة دالة على التعجب ففي دخولها على لفظ الجلالة “وتالله لأكيدن أصنامكم” ألمحوا إلى دلالة التعجب فيها قال ابن يعيش “فالتاء تدخل على طريق الاختصاص بالاسم الذي يكون القسم به أكثر، وقد يكون فيها معنى التعجب قال الله تعالى “تالله تفتؤ تذكر يوسف” على طريق التعجب، وقال الله تعالى “وتالله لأكيدن أصنامكم” (15) فلعل فكرة التعجب هذه المستنبطة من أنهم يدخلون التاء في أول الكلمة يريدون منها التعجب أحيانا كانت السبب في إدخالهم التاء على أول علاَّمة لإرادة المبالغة أي بيان أن الرجل بلغ الغاية في العلم حتى صار يُتعجَّب من كثرة علمه.
وقد عرض الدكتور التعلامة عبد العزيز الحربي، لعلَّام وعلَّامة في مبحث مفيد نافع أتى على ما ذكره القدماء ثم قال: توارد على ذهني أن الموصوف “فعَّال” يحتمل أنه بلغ الغاية فيما وصف به، ويحتمل أنه لم يبلغ، فاحتاجوا أن يميزوا من بلغ الغاية بهاء التأنيث “وأضاف قائلاً” وتمثل في خلَدي وجه آخر أعمق دلالة وهو أنهم أرادوا بإدخال هاء التأنيث التي للمبالغة بيان أن الموصوف بذلك بلغ النهاية في العلم وقعد له قعود الواحدة من القواعد، وهكذا كل الأوصاف المختومة بالتاء، وليس له ما يشغل غيره من الرجال من القتل والقتال والصّفق بالأسواق (16)، والتفسيران مقبولان، وهما يضافان إلى التفسيرات التي ذُكرتْ، ولا بعد فيما أحسب إن قلنا: إن قولهم: تعلامة، -بكسر التاء- فيها مزيد من التخصص في العلم أيضاً، والتبحر فيه، وكأن العلم صار علامة عليه، إذ لا علامة تدل عليه إلا بهذا العلم الذي تبحر فيه، وصار يُتعجب منه، ولاشك أن في العلم مراتب، ودرجات، فوضعوا صيغاً تمثل كل مرحلة وصل إليها صاحب النعت، فلزمهم تنوع الوصف، مراعين وجه الإعجاب من كثرة العلم الذي اتصف به ذلك العالم، فالظاهر أن تاريخ هذه الصيغ يُصوّر على أن صيغة فعَّال، هي المطردة كغيرها من صيغ المبالغة، ثم لحظوا أن هناك من ارتقى في سُلّم العلم درجات أعلى فقالوا مبالغين: “علاّمة” ، ثم رأوا في السلَّم من وصل –في اعتقادهم – إلى الغاية التي لامزيد عليها حتى صار يُتعجَّب من كثرة علمه أو علومه المتنوعة، فقالوا: تعلامة، وهذا يعني أن من أسباب التصرف في عالم وعلاَّم و علّامة وتِعلامة هو الإعجاب، وأن حقيقة العلم أنه ذو مراتب – كما ذكرنا -، ولا يتحقق التعبير بلفظة واحدة تتضمن كل هذه المراتب، الأمر الذي أدى إلى هذه المترادفات، ولكن هل يجوز القياس عليها،؟قالوا: إن مجيء التاء لتأكيد المبالغة سماعي لا ينقاس (17).
هذا بعض مما أتحفنا به تراثنا الغني حول العالم والعلامة والتعلامة، وهو يؤكد أن الفكر اللغوي العربي كان فكراً متطوراً يتفق مع مقاصد العرب المتطورة بتطور حياتهم الاجتماعية، وإبداعاتهم اللغوية العلمية.
ولعل أصحاب رابطات العلماء التي باتت منتشرة الآن، يراعون الشروط التي يجب أن تتحقق في من يُطلق عليه “العالم” ففي ذلك خير للعلم وتكريم للعلماء.

__________________
1- المعجم الوجيز، علم
2- المخصص3/29
3- مقدمة المقاصد الشافية ،3-4
4- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل، لابن القيم 1/172والنقل من هدايات القرآن الكريم، لمجموعة من الباحثين ،2/562.
5- الطبقات الكبرى ،172بتصرف
6- إعراب القراءات السبع 2/208
7- شرح المفصل 5/98
8- حاشية الصبان 1/7
9- حاشية الصبان 1/7
10- عيون الأخبار 3/127
11- انظر عيون الأخبار3/127
12- القاموس المحيط، علم
13- شرح المفصل 8/34
14- مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية، علام وعلامة
15- الكوكب الدري 351


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *