“الأستاذ” في التراث اللغوي – أ.د. رياض الخوام


“الأستاذ” في التراث اللغوي – أ.د. رياض الخوام



هذه الكلمة – فيما أحسب – من أكثر الكلمات استعمالاً في حياتنا المعاصرة، فباتت تحمل عدداً من الدلالات، وكأن قول القدماء إن الأعجمي يكثر فيه التغيير والتبديل يريدون تغييراً يصيب البنية والدلالة معاً، لقد بين المعجم الوجيز حين عرَّف “الأستاذ” الكثيرَ من المعاني الدلالية التي باتت الكلمة حاملة لها، قال أصحابه “يطلق هذا اللقب على المعلم، وعلى الماهر في الصناعة يعلّمها غيره، ويطلق على أعلى لقب علمي في الجامعات، وجمعه أساتذة وأساتيذ”(1)، ولا يغيب عن بال طلبة العلم بيتا الشعر اللذين نظمهما الشافعي مستخدماً لفظة الأستاذ مريداً بها الماهر الحاذق في العلم، قال:
أخي لن تنال العلم إلا بستة *** سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبُلغة ٌ *** وصحبةُ أستاذٍ وطولُ زمان (2)

وقام الدكتور علي جاسم سلمان بتأصيل هذا اللقب مبيناً أصله واستعماله، فقال: الأستاذ:
– لا توجد في الشعر الجاهلي، وليست عربية.
– هي فارسية الأصل، فحروفها كلها أصول، ولو كانت عربية لكانت من أستذ، ووزنها فُعلال لا من ستذَ، وإلا كان وزنها (أُفعالاً) وليس هذا في العربية.
– وأهل العراق استعملوها أول الأمر لاتصالهم بأهل فارس وانتقلت إلى الجزيرة والشام ثم إلى سائر البلاد العربية.
– وتطلق على الحاذق في عمله وعلى المحامي أو الوكيل في القضايا أمام القضاء.
– وهي من درجات المدرسين في الجامعة.
– ويجري الآن وصف من حصل من النساء على شهادة علمية خاصة (الأستاذة) ومن يزاول منهنَّ مهنة المحاماة أمام المحاكم فيقولون: الأستاذة فلانة، ولم يرد هذا فيما وقفنا عليه في اللغة العربية.
– ولا يطرد تأنيثه لأنه ليس وصفاً، ولهذا أنكر بعضهم أن يطلق على الظبية (غزالة) مع ورود (غزال) للمذكر، ومن الصواب أن تطلق كلمة الأستاذ هكذا خالية من علم التأنيث على الأنثى، لأن هذا الوصف متعارف في الرجال فيبقى على حاله ولو وصف به مؤنث (3)، والظاهر أن هذا اللفظ من الألفاظ التي تتطور دلالته على النحو الذي ذكره المعجم الوجيز والدكتور علي جاسم، ومن مظاهر تطوره أننا صرنا نطلقه في العصر الحاضر على أي إنسان لانعرف اسمه، ونقول له: يا أستاذ فيتلقاها بالقبول والرضا، هذا اللقب استعمله ابن جني المتوفى سنة392هـ، مجموعاً على أستاذين، قال معلقاً على مسألة صرفية “ومثل هذه المواضع يُحتاج مع الكتب إلى الأستاذين(4)، واستعمله أيضاً عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471هـ، بصورة المصدر الصناعي، وكلاهما أراد به الريادة والمهارة والحذق، قال: واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه….. ولا تقضي له بالحذق والأستاذية، وسعة الذّرْعِ وشدة المُنّة حتى تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات (5).
أما ابن عادل المتوفى سنة 775هـ تقريباً، فقد أطلقه على سيبويه وذلك حين ووصفه بـ”الإمام الأستاذ”(6)، والمعروف أن الأندلسيين وسعوا دلالته حين أطلقوه على من يجمع بين النحو والأدب، أي لم يخصوه بفن واحد، قال القفطي “ولا يلقب أحد ببلد الأندلس بالأستاذ إلا على النحوي الأديب” (7) وقد شاع هذا النعت عند الأندلسيين كثيراً – فيما يبدو – فوُصِفَ به كثير من النحويين الأندلسيين، لقد أطلقها أبو حيان على الشلَوبين، وعلى ابن عصفور، وعلى ابن أبي الربيع، وعلى أبي بكر بن طاهر، وعلى أبي جعفر بن أبي رقيقة وغيرهم كثير (8) كابن الفخار، وأبي سعيد بن لُبٍّ التغلبي، وأبي عبدالله البلنسي (9) أما المعاصرون فقد رأيت الأستاذ سعيد الأفغاني – رحمة الله عليه – يستعمله بصيغة جمع التكسير وذلك بقوله: ثم تصدى بعض الأساتيذ لرصد هذه النتائج” (10) وذكر الدكتور عبد العزيز الحربي أن الإمام مسلم خاطب الإمام البخاري بأستاذ الأساتيذ (11) ولست أدري لِمَ لم يتصرف به المتكلم العربي كغيره من الألفاظ الأعجمية التي استطاعت العربية أن تجعلها من مفرداتها، ولم تضق ذرعاً بها، فليكن ماضيه أستذ ومضارعه يؤستذ -، والأمر أستذْ، والمصدر أستذة، واسم الفاعل مؤستذ، واسم المفعول مؤستَذ، و لا مانع لتعريبه من التصرف فيه، ثم لماذا لانجمع الكلمة جمع العاقل السالم مراعاة لمعناه، فالألفاظ المرادفة للفظة الأستاذ نحو: “المعلم والمدرس والمربي والمؤدب..إلخ” كلها تجمع جمع العقلاء، والعرب تحمل الشيء على مرادفه المعنوي، ذكر ابن جني ذلك وساق أمثلة على ذلك أشهرها، فلان لغوب أتته كتابي فاحتقرها، ولم يقل أتاه كتابي، فلما سئل قائله أجاب: أليس الكتاب بصحيفة، لذا لوقلنا: أستاذون وأستاذين وأستاذات لجاز عربية، وهكذا نكون قد أنشأنا أسرة عربية، فلله درُّ العربية، ما ألينها وما أظرفها وما أجملها، فهي الآن حين ضمت هذا اللفظ إلى أسرتها، وأرضعته من لبانها الأصيلة – فرحت به كعروس هزَّها الطرب.

_________________________________________
1 – المعجم الوجيز، أستذ
2 – لحن القول، 73
3 -موسوعة الأخطاء اللغوية الشائعة، 200
4 – المنصف، 1/210
5 – دلائل الإعجاز، 88
6 – اللباب 17/342
7 – إنباه الرواة 4/113
8 – التذييل والتكميل 4/150-156-280-281
9 – انظر مقدمة المقاصد الشافية، للدكتور إبراهيم البنا، 5-9
10 – من حاضر اللغة العربية 204 وانظر 84
11 -لحن القول، 74


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *