من أحاديث الاستعمال والقاعدة (1) – أ.د. سعد بن حمدان الغامدي


من أحاديث الاستعمال والقاعدة (1) – أ.د. سعد بن حمدان الغامدي



عندما يتشبّعُ المَرْءُ باللغة العربية أحدِ مستوياتها الموسومِ بالفصحى، ويستبطنُ أساليبَها، ويستحضر نصوصَها، ويحفظُها وينسجُ على منوال استعمالاتها، نجده حين يتكلّم إنما لُحمةُ كلامِه وسَدَاهُ لغةٌ بارعة فصيحة تستنير بقبس من القرآن ومستويات الفصحى العالية، والإمام عامر الشَّعْبيّ تـ 103 هـ، يقف موقفا دالّا على ما نقول، وذلك فيما رُوِي عنه، وذكره الثعالبي في كتابه فقه اللغة وسر العربية في فصل عقده عن إجراء الاثنين مُجرى الجمع الذي يشكل خُروجًا على قاعدة المطابقة التي ترددت في كلام النحويين من قَبْلِ الشعبيّ وبعدِه، وكأنّ الشعبيّ يضعُ مقولاتِ النحاة التي يخالفها العربُ في كلامهم ولو بقلّةٍ دَبْرَ أُذُنِه ولسانه، وأنّ المعتبر هو ما تكلمت به العرب وإنْ قلّ، وبخاصّة ما جاء به القرآن فهو فوق القاعدة، وأنه وإنْ كانتِ القاعدةُ مبنيّةً على الشائع فإنّه لا يحقُّ لأحدٍ أنْ يثرّبَ على متكلمٍ معتضدٍ في كلامه سماعًا من القرآن أو صحيحِ السماع!!!
ولكنْ ماذا لو ولّينا وِجْهةً أخرى في تحليل موقف الشَّعْبيّ بأنْ نعدَّه يحفِل بالقاعدةِ إلا أنّه لا يحكّمُها في كلامه ما استبان له استعمال صحيح له سندٌ من استعمالات القرآنِ تعلُّقًا وشَغَفًا بلغته وهُياما بها.
قال الثعالبي: “قال الشَّعْبيّ، في كلام له في مجلس عبد الملك بن مروان تـ 86 هـ: رجلانِ جاؤوني، فقال عبد الملك: لَحَنْتَ يا شَعْبِيُّ، قال: يا أمير المؤمنين، لم ألْحَن، مع قول الله عزّ وجلّ: {هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} 19 الحجّ. فقال عبد الملك: لله دَرُّكَ يا فقيهَ العِراقَيْنِ، قد شَفَيْتَ وكَفَيْتَ”.
ويبقى أنّ قراءة هذا النص تثير سؤالًا في تاريخ النحو، وهو ما الأساسُ الذي اعتضده عبد الملك في اعتراضه على كلام الشعبيّ؟ أهو علمُه بالنحو في ذلك الوقت المبكر وبقاعدة التطابق خاصة؟
أستبعد هذا؛ إذْ لم يثبت بروزٌ وحضورٌ للنحو في البيئات العلمية قُبيل نهاية المئة الأولى ناهيك عن شيوعٍ يصلُ حتى إلى الخلفاء المشغولين بمهمات الأمور وبخاصة عبد الملك الذي يعدّ المؤسس الثاني للدولة الأموية المروانية، إلا أنْ يكونَ في تاريخ النحو ما هو خافٍ، فتشيَ به هذه القصة وما يماثلها.
وبما أنّ الخليفة فصيح، وفي خِضَمِّ عصر الفصاحة فلعل اعتراضَه كان مبنيًّا على ما وقر في سليقته ومُكنتِه اللُّغوية التي قد لا يكون من منابعها ماورد أحيانا في القرآن وكلام العرب من إخلال بالمطابقة وغيرها من أصول التركيب بشكل ما، فيكون قد اعترض مُتكّئًا على مبلغ علمه ومعرفته باللغة، – وقد كان عالي الكعب في ذلك، كما سنذكر شيئا ذلك بعد قليل في حاشية -، على أنه قد لا يستقيم هذا إذا علمنا أنّ القرآنَ كان موردَ الفصحاء في تلك الحِقْبة التي كانت زاخرة بالعناية بالقرآن بشتّى وسائلِ العنايةِ من نَسْخٍ وروايةٍ وتحسين لرسمه وضبطه، وإنشاءِ علومٍ وتطويرِها خِدْمةً له.
وعلى كل حال فإنّه حتّى لو ظَنّ ظانٌّ أنّ الخليفةَ يصدرُ عن منهج النحاة من العمل على الشائع وإنْ ورد ما يخالفه في القرآن، فإنه يمكن دفع ذلك الظنّ بما ذكرنا من عدم حضور هذا العلم عند القوم، وبأنّ الخليفةَ سلّم بجواب الشعبيِّ وعدّه شافيا كافيا، مُظهرا إعجابه وتقديره لمكان الشعبيّ من العلم بقوله: لله دَرُّك يا فقيهَ العراقين.
ولكنّي مع هذا لا أستبعد الوضع لهذه الرواية كما هو حال رواياتٍ كُثْرٍ ابتليت بها كتب تاريخ النحو.
حاشية:
عبد الملك بن مروان [26 – 86هـ] ولد بالمدينة المنورة، وبها تفقه بالدين حتى صار وهو في سن الشباب أحد الفقهاء الأربعة بها مع سعيد بن المسيب وعُرْوَة بن الزبير وقَبِيْصَة بن ذُؤَيب، وكان أديبا حافظا حتى إنّ الشّعْبِيّ يقول: ما ذاكرت أحداً إلا وجدتُ لي الفضلَ عليه إلا عبدَ الملك؛ فإني ما ذاكراته حديثاً إلا زادني فيه، ولا شعراً إلا زادني فيه. كان أحرص الناس على أنْ يرقى المنابرَ بخُطَبٍ تخلو من لحن القول حتى إنّ بعض ندمائه قال له: لقد أسرع إليك الشيب، فقال: شيبني ارتقاء المنابر وخوف اللحن. وقد كان لقراره الحاسم بتعريب لغة ما بقي من الدواوين كديوان الخراج أثَرٌ بالغ أنهى قرابة نصف قرن من الازدواج اللغوي، وتعريب الدولة الأموية بالكامل مما زاد في ظنّي من عناية العرب والعجم باللغة العربية، وهذا بلا شكّ عندي قوّى الحركة اللغوية والعلوم المتصلة بالقرآن والسنة والشريعة، ولم يكتف هذا الخليفة الملهم بذلك بل ثَنّى بقرار تعريبِ العملات الإسلامية لتستقل بنقوشها العربية وأوزانها عن عملات الفرس والروم. [مقتطفات من مواقع شتّى من الشبكة العَنْكَبِيّة]
انظر فقه اللغة وسر العربية لأبي منصور الثعالبيّ، تحقيق: خالد فهمي، مكتبة الخانجي، ط 1، عام 1418، الفصل 22 من سرّ العربية ص 575.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *