اللسانيّات التطبيقيّة – أ.د. عبد الحميد النوري عبد الواحد


اللسانيّات التطبيقيّة – أ.د. عبد الحميد النوري عبد الواحد



تعتبر اللسانيّات التطبيقيّة علما بينيّا بامتياز، تتداخل فيه مجموعة من الاختصاصات. وهي تهتمّ باللغة في ممارساتها الفرديّة والاجتماعيّة. وهي علم تطبيقيّ مثلما يدلّ عليه اسمها. وهي تهتمّ بالجوانب الإجرائيّة أو التطبيقيّة للغة، خلافا للسانيّات العامّة أو المحضة التي تهتمّ ببنية اللغة، وأنساقها النحويّة أو التركيبيّة.

ومن جملة ما تهتمّ به اللسانيّات التطبيقيّة، ومن باب الذكر، اكتساب اللغة، والسلوك اللفظيّ، ولغة الأطفال، واضطرابات النطق، وتعلّم اللغة أو تعليمها، سواء تعلّق الأمر باللغة الأمّ أو اللغة الثانية المتعلّمة، وتعليم المواد، والثنائيّة اللسانيّة والازدواجيّة اللسانيّة، واحتكاك اللغات أو تصادمها، والتداخل اللسانيّ، والتقابل اللسانيّ، والوضعيّة اللسانيّة للمجموعات اللسانيّة، وحياة اللغة في المؤسّسات المختلفة، والتوزيع الجغرافيّ للغات أو اللهجات، والتخطيط اللسانيّ، والوسائل التكنولوجيّة الحديثة في التعليم، والمصطلحيّة أو علم المصطلح، والترجمة العاديّة والترجمة الآليّة، ومعالجة اللغات الطبيعيّة. ومثلما يمكن ملاحظته فإنّ مجال اللسانيّات التطبيقيّة واسع ومتنوّع، وهو قائم على اختصاصات كثيرة ومتباعدة أحيانا، وإن اتّفقت في مجملها في الممارسة اللغويّة للأفراد والمجتمعات.

ومن خلال هذه الاختصاصات المشار إليها نتبيّن المسائل التي تتمحور حولها اللسانيّات التطبيقيّة، وهي وثيقة الصلة، بممارسة الطفل للغته، وتعليم وتعلّم اللغة سواء كانت اللغة الأمّ أو اللغة الأجنبيّة الثانية، والاهتمام بالترجمة ونقل النصوص من لغة إلى أخرى، والاهتمام بالمصطلح وكيفيّة إنشائه وشروط نجاحه وقدرته التعبيريّة عن المفاهيم المختلفة. وهذا بالإضافة إلى المعالجة الآليّة للنصوص ووضع البرمجيّات اللازمة لتحليل اللغة ووضع القواميس، وكلّها تتمحور حول اللغة في أبعادها المتباينة.

ويختلف علماء اللغة اليوم في تحديد ماهية اللسانيّات التطبيقيّة، أي هل هي علم مستقلّ وقائم بذاته، أم هي مجال تطبيقيّ من مجال اللسانيّات العامّة؟ وهل اللسانيّات التطبيقيّة شبيهة بالفيزياء التطبيقيّة أو الرياضيّات التطبيقيّة؟

ومن باب الإجابة، نشير إلى أنّ الإجراء التطبيقيّ في حدّ ذاته، باعتباره يسعى إلى حلّ مشكلات الإنسان في واقعه الذي يعيش فيه، قائم على الاختلاف. والنتاج التطبيقيّ العمليّ في واقعنا اليوم لا تخفى نتائجه. ويكفي أن نلمّح في هذا المضمار إلى أنّ كلّ الإنجازات التكنولوجيّة تقريبا ما هي إلّا ثمرة من ثمرات تطبيقات علميّة للفيزياء والكيمياء والرياضيّات، وأنّ كلّ ما يتعلّق بالهندسة المدنيّة، من نحو الطرقات والقناطر والسدود، هي نتاج هذه العلوم التي تعتبر نظريّة أيضا. واللسانيّات التطبيقيّة لا تخرج في الحقيقة عن هذا المجال. وهي لا تتوسّل في معالجة مواضيعها بالجوانب النظريّة في اللسانيّات العامّة فحسب، وإنّما تأخذ من علم الاجتماع وعلم النفس وعلوم التربيّة ومن الفلسفة، وما شابهها مرجعا.

ولعلّ اللسانيّات التطبيقيّة كانت في بدايتها فرعا للسانيّات بوجه عام، مع الاختلاف في المنهج والموضوع المعالج، إلّا أنّ الظاهر اليوم أنّها غدت شبه مستقلّة بذاتها، وذلك بحكم تداخل جملة من الاختصاصات في تكوينها.

واللسانيّات التطبيقيّة فيما أنجزته من أبحاث تقدّمت شوطا كبيرا لا ينكر في مجالات بحثها، وقدّمت حلولا ذات جدوى لا تنكر للكثير من المشاكل التي تواجه الأفراد والمجتمعات في التعامل مع اللغة، أو الكلام بأوجهه المختلفة.

ومقارنة باللسانيّات العامّة، تعتبر اللسانيّات التطبيقيّة علما ناشئا وتاريخها قصير. إذ هو يعود إلى بداية الستّينات. ولا يخفى أنّ بداياتها كانت مع تكوين مراكز بحث مختصّة للبحث في مواضيعها المشار إليها، وذلك من نحو مركز اللسانيّات التطبيقيّة في واشنطن، وآخر في بيزنسون بفرنسا. واستقرّ أمر اللسانيّات التطبيقيّة بحقّ عندما برزت للوجود الجمعيّة الدوليّة للسانيّات التطبيقيّة، وذلك من خلال عقد مؤتمرها الأوّل سنة 1964 بنانسي بفرنسا. وأصبحت للجمعيّة فروع نشطة في عدّة مدن أو عواصم من العالم، وهي تضمّ اليوم 32 فرعا.

وعقدت الجمعيّة عدّة ملتقيات دوليّة، آخرها ملتقى ألمانيا سنة 2008، ثمّ ملتقى بيكين سنة 2011. وكلّ هذا من أجل ترسيخ أو تثبيت هذا الاختصاص في أبعاده العلميّة والمعرفيّة، والإسهام في حلّ الكثير من المشكلات التي يعيشها الفرد في المجموعات اللسانيّة التي ينتمي إليها. وهذه القضايا على غاية من الأهميّة ولا شكّ، عندما تمسّ التعليم والتعلّم، والترجمة والمصطلح، والمعالجة الآليّة، وهي مجالات حسّاسة يمكن أن تقاس من خلالها مدى تقدّم الأمم أو تخلّفها.

وقد يختلف هذا العلم من عالم إلى آخر، أو من فريق إلى فريق، وذلك بالنظر إلى المنهج والخلفيّات النظريّة المعتمدة. وهذه الخلفيّات النظريّة موجودة في اللسانيّات العامّة بدرجة أولى، وفي علم النفس وفي علم الاجتماع وعلوم أخرى ممّا يدخل في مجال اللسانيّات التطبيقيّة.

ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى أنّ موضوع اكتساب اللغة، والحوار الدائر بشأنه، والخلاف في فهم الاكتساب وفهم لغة الطفل على درجة عالية من الأهميّة. والمطروح هل أنّ الاكتساب فطري وطبيعيّ، بالنظر إلى الممارسة والتقليد وتأثير البيئة، أم هو راجع إلى قدرات ذهنيّة واستعدادات فطريّة، قائمة على جينات وراثيّة تولد مع الإنسان، وتبرز آثارها منذ بداية عمليّة الاكتساب، أي منذ النشأة الأولى.

إنّ اختلاف المدارس اللسانيّة ومدارس علم النفس والمدارس الاجتماعيّة له أثر واضح لا يخفى في معالجة الكثير من المشاكل التي سبق أن أشرنا إليها. وهو ما يجعل اللسانيّات التطبيقيّة، وإن اتّفقت في التوجّهات العامّة، في معالجة الكثير من القضايا التي تتعلّق بممارسة الفرد أو المجموعات اللسانيّة، في التعامل مع لغتها وما يتّصل بها، تختلف في المقاربة وطرق المعالجة بالنظر إلى الاختلاف في الخلفيّات النظريّة والمعرفيّة.

إنّ اللسانيّات التطبيقيّة، وإن نجحت في ضبط حدود مواضيعها ومجالاتها المعرفيّة إلى هذا الحدّ، إلّا أنّها باتت تشهد تحرّر بعض الاختصاصات من دائرتها المعرفيّة، وذلك من نحو الترجمة والمصطلح، ومن نحو المعالجة الآليّة للغات الطبيعيّة، ومن نحو التعليميّة. ولا غرابة في هذا طالما أنّ العلوم تتداخل وتتباعد في الآن نفسه، وذلك بالنظر إلى ضبط حدود موضوعاتها، وبالنظر إلى ضبط مفاهيمها ومصطلحاتها، وضبط المنهج الذي تتوسّل به في معالجة هذه القضايا.

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *