الإعلام وقيمة الكلمة – أ.د. حمدي سلطان حسن أحمد العدوي*


الإعلام وقيمة الكلمة – أ.د. حمدي سلطان حسن أحمد العدوي*



الكلمةُ الإعلاميَّة اليوم هي من أخطر الكلمات؛ لكونها سريعةَ الوصول، نافذةً إلى القلوب، بعيدةَ المدى، واسعةَ الانتشار، ذائعةَ الصيت، وهذا يستوجب على الإعلام ولُغته والقائمين عليه أن يدركوا أهميةَ عملهم في المحافظة على الهُوية الدِّينيَّة واللُّغويَّة والوطنيَّة وأن يعملوا بدافع الصِّدق وبواجب الأمانة، وعدم اتِّباع الهوى والميل إليه.

وإذا كانت اللغةُ عمومًا وعاءَ الفكرِ، وأداةً من أدوات المعرفة، ووسيلةً من أهم وسائل التَّخاطب والتَّفاهمِ، فإنَّ لُغة الإعلام هي عنوانُ شخصيَّةِ الإنسان، ودليلُ ثقافته، وهي العاكسة لسلوكه وحضارته، ولها أثرها الواضح على دينه وتصرفاته، والجاذب لعقله وخلقه.

وهذا كلُّه يؤكِّد أنَّ من أكثر وسائل عصرنا الحالي تأثيرًا في المجتمع ولغته: الإعلامُ بكل وسائله، فكلُّ كلامٍ له دَلالةٌ وله غايةٌ، وقد يُحقق الدَّلالةَ لكنه يفقد الوصول إلى الغاية المستهدفة.
ولغة الإعلام لها أثرٌ جليٌّ على الوعي اللُّغويِّ، فلُغة الإعلام رافدٌ من أهم روافد إمداد المعجم بتلك الألفاظ والتَّعابير الاصطلاحية المستجدَّة تلبيةً لمتطلبات الحياة، وهي – كذلك – عاملٌ من عوامل ذيوعها واستقرارها، فمن الألفاظ (هيكلة، ودَبلجة، ونمذجة، ودولة، وسفير، والحرب الباردة، وغير ذلك)، ومن التعابير الاصطلاحية: هذا عصر السماوات المفتوحة، وتكهرب جوُّ السياسة، وهو فقيد الواجب، والعالم الافتراضي، وغير ذلك.

وفضلًا عما سبق، فإن لغة الإعلام لها تأثيرٌ في عملية استقرار الأنماط الصرفية في العربية المعاصرة، وتسوغ لاشتقاق مصادرَ من أسماءٍ جامدةٍ، مثل: أسلمة من إسلام، وأقلم وتأقلم من إقليم، وغير ذلك كثيرٌ.

ومن هنا فإنَّ على مجمعنا المبارك (مجمع اللُّغة العربيَّة بمكَّة المكرَّمة) فضلًا عن المجامع الأخرى عليها أن تفتح قنواتٍ؛ للتواصل مع الجهات الإعلاميَّة وبرامجها؛ من أجل دعمها في نشر قراراتها والعمل بها والحثِّ على اتِّخاذها ميدانًا للتَّطبيق في إعداد البرامج والحوارات والنَّشرات وغير ذلك.

ومما هو غنيٌّ عن البيان والتَّوكيد أثر لغة الإعلام في التَّربية اللُّغويَّة والدِّينيَّة والمحافظة على العقيدة، وأصول الدِّين الحنيف، وأثرها على الثَّقافة الاجتماعيَّة والمحافظة على الذَّوق العامِّ، وأثرها على الثَّقافة الحضاريَّة والمحافظة على الدَّور الحضاريِّ الذي بناه الإسلام ودعا إليه.

فلُغة الإعلام لغةُ فنٍّ تطبيقيٍّ غيرِ مقصودٍ لذاته، وإنَّما يهدف إلى تحقيق غاياتٍ معينةٍ، فكلُّ لفظٍ أو خطٍّ أو إشارةٍ أو غيرِ ذلك من الدَّوال لها دلالة ما، ومن ورائها غاياتٌ منشودة.

ولا ينكر كثيرٌ منَّا أنَّنا تربَّينا على سماع جيلٍ من الإعلاميين والإذاعيين كانت لهم بصماتهم سواء من ناحية الأداء وسلامته أو المضمون ودقَّته، وكانت تلك مائزة من موائز الإعلام، التي تدفع إلى التَّربية اللُّغوية السَّليمة والذَّوق الرَّفيع، والبعد عن السَّفسفطة في الكلام أو الإسفاف، ولذا أقترح:

– إعداد حقيبة تدريبية تُقدَّم للإذاعيين الجدد ومن يرغب من الإعلاميين، تركز على تقويم اللسان، وتنمية مهارة الأداء وفنِّ الإلقاء، مع منحهم رصيدًا لغويًّا جيدًا يتضمن القواعد الأساسيَّة للغة العربيَّة.

– السَّعي نحو عمل معجم إعلاميٍّ يُزوِّد الإعلاميين والنَّاس برصيدٍ لغويٍّ إعلاميٍّ يصحِّح نطقهم للألفاظ العامية ذاتِ الأصول العربيَّة، ويساهم في ترقية لغتِهم وتعبيرِهم.

– الدعوة إلى عمل ميثاق شرفٍ لغويٍّ، يكون وازعًا لكل إعلاميٍّ على أن يحافظ على لغة هُويته، وكذلك يُنظِّف الإعلامَ من كل ما يُزِّين الانحراف ويحضُّ عليه فكرًا أو سلوكًا، ويؤكِّد العمل على تطوير الذائقة اللُّغوية والتَّعبيرية لدى جمهور لغةِ الإعلام بكل وسائله من خلال اعتمادِ صيغٍ مرنةٍ ومصطلحاتٍ سائغةٍ ذاتِ دلالاتٍ مفهومة.

وشكر الله لمجمعنا الفتيِّ رئيسًا وأعضاءً جهودهم المباركة في المحافظة على الهُويَّة، وخدمة لغة القرآن الكريم.

والله ولي التوفيق، والهادي إلى سواء السبيل،،،

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارك على نبينا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه.

_________

* أستاذ فقه اللغة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
كلية اللغة العربية بالرياض
وعضو مجمع اللغة العربية بمكَّة المكرَّمة


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *