القشة التي قصمت ظهر البعير – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان


القشة التي قصمت ظهر البعير – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان



يستعمل هذا التعبير في شأن أمر يسير ضئيل يأتي غِبَّ أمر جليل فيكون على ضئله سببًا في انهيار ما كان متحملًا وتفكك ما كان مترابطًا وسقوط ما كان صامدًا. ولم يعرف هذا التعبير في تراثنا القديم بل استعمله المحدثون بعد اتصال العرب بالثقافة الغربية.
و(القشَّة) في معاجمنا التراثية بفتح القاف وبكسرها باختلاف معنى، قال ابن فارس “(قَشَّ) الْقَافُ وَالشِّينُ كَلِمَاتٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. فَالْقَشُّ: الْقِشْرُ. يُقَالُ تَقَشْقَشَ الشَّيْءُ، إِذَا تَقَشَّرَ… وَمِمَّا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ: الْقِشَّةُ: الْقِرْدَةُ، وَالصَّبِيَّةُ الصَّغِيرَةُ”(1). وقال الزبيدي “والقَشُّ، بالفَتْح: رَدِيءُ التَّمْرِ، كالدَّقَلِ ونَحْوِه، قالَهُ ابنُ دُرَيْدٍ، وَهِي عُمَانِيّة، والجَمْعُ قُشُوشٌ، وقالَ ابنُ الأَعْرَابِيّ: هُوَ الدَّمَالُ من التَّمْرِ”(2).
وأورد أستاذنا أحمد مختار عمر في معجم اللغة العربية المعاصرة (قَشّ) وجعله جمعًا، وهو يعني اسم جنس جمعي، والواحد (قَشَّة)، وجمعه (قُشُوش). وقال في تفسير القش: “ما يتخلَّف من القمح والأرز ونحوهما بعد استخراج حبِّه، ما صغُر ودقّ من يبيس النَّبات (احْذَرْ تقريب النار من القَشّ) – (الغريق يتعلّق بقَشَّة) [مثل أجنبيّ]: يماثله في المعنى المثل العربيّ: (يتعلّق الغريق بحبال النور). (القشَّة التي قصَمت ظهرَ البعير): تعبير يُراد به أن سببًا بسيطًا عندما يُضاف إلى أسباب سابقة يؤدِّي إلى انفجار وتوتُّر- (رَجُلٌ من قَشّ): أي يتعلّق بأيّ شيء مهما كان تافهًا لإنقاذ موقفه”(3).
والتعبير معروف في اللغة الإنجليزية قبل العربية؛ وارتبط أول أمره بالحصان لا بالجمل، ثم استعمل للجمل الذي يعرف في الثقافة العالمية بأنه حيوان صحراوي شديد التحمل، فليس بغريب أن يستعمل في التعبيرات الإنجليزية.
وجدت في موسوعة WikipediA أنَّ أقدم استعمال في الإنجليزية كان في عام 1677م. وهو “إنها الريشة الأخيرة التي كسرت ظهر الحصان”، وفي 1799م. “إنها القشة الأخيرة التي ناءت بالجمل”. وذُكر أن هذا مثل شرقيّ، ولعل ربطه بالشرق بسبب ذكر الجمل مع أن الجمل معروف في أستراليا وغيرها، وفي عام 1832م. “إنها الأوقية (ounce) الأخيرة التي كسرت ظهر الجمل”، وفي 1836م. “آخر قشة ستكسر ظهر الجمل”. وفي 1848م. “كآخر قشة تكسر ظهر الجمل المثقل”، وفي 1876م. “هذه الريشة الأخيرة كسرت ظهر الجمل”، ووردت صيغ أخرى تستعمل ظهر الحمار وظهر القرد.
فلا عجب أن عدّ (ف. عبد الرحيم) هذا التعبير مترجمًا قال: “(القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير): آخر قول أو فعل أو حدث في سلسلة من الأقوال، والأفعال، والأحداث يجعل المرء يفقد صوابه، أو يحمله على اتخاذ قرار. وهو ترجمة للتعبير الإنكليزي:
“The last straw that broke the camel’s back(4).
وفي العربية كنايات مختلفة عن تجاوز الحد، منها “قد بلغ السيل الزبى… قد جاوز الحزام الطبيين…التقى البطان والحقب … التقت حلقتا البطان”(5).
وقريب من ذلك “من يزاد غما على غمه، منه قولهم: ضِغْثٌ على إبّالة. الضِّغْث: الحزمة الصغيرة من الحطب، والإبالة: الكبيرة”(6).
ولعله ينتهي بنا التحرير أن لّيس عربيًا هذا التعبير وإن اشتمل لفظه على البعير. ومن مرجحات هذا أن الحمل لا يقصم ظهر البعير بل يعقر قوائمه حتى يخر على الأرض، والقصم للأغصان ونحوها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ابن فارس، مقاييس اللغة، 5: 10.
(2)الزبيدي، تاج العروس، 17: 334.
(3) أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، 3: 1816.
(4) ف. عبد الرحيم، معجم الدخيل في اللغة العربية الحديثة ولهجاتها، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1432هـ – 2011م، ص: 230.
(5) ابن سلام، الأمثال، ص: 343.
(6) ابن عبد ربه، العقد الفريد، 3: 69.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *