أستاذنا عبدالله الخثران – أ.د. إبراهيم الشمسان


أستاذنا عبدالله الخثران – أ.د. إبراهيم الشمسان



أول مرة سمعت اسم أبي راشد عبدالله بن حمد الخثران حين حدثني عنه الصديق العزيز الدكتور صالح بن سليمان العمير، كان ذلك حين عدت من البعثة عام 1405ه ودخلت مكتب أخي صالح وسلمت عليه وقلت له إني أسأل عنك منذ جئت، في ذلك اليوم حدثني عن الدكتور الجليل عبد الله الخثران، وكان يوم قال لي أبو سليمان إن الدكتور عبدالله الخثران مدعو للعشاء في استراحة الأستاذ سالم القرزعي، ودعاني إلى مرافقته فوافقت طمعًا بمعرفة الدكتور عبد الله الخثران والأستاذ سالم القرزعي.
في تلك الليلة جلست إلى جانب أستاذنا عبدالله واستمتعت بحديثه، وكان حديث الحاضرين يتناول جملة من قضايا اللغة والأدب، وكان مما أثير ما يتصل بالقراءات، وهنا سمعت منه كلمة حكيمة، قال “إذا وصل الأمر إلى القراءات يتوقف المرء”، قال ذلك تحرجًا وسلامة من قضية ما وقع بين النحويين والقراء وما كان من ردّ بعض النحويين لقراءات بعض القراء.
ومنذ ذلك الوقت نشأت بيننا علاقة ودّ وتقدير، وكان بيننا تعاون؛ إذ اشتركنا في مناقشة غير رسالة علمية، بدأ ذلك أستاذنا حين كلفني مناقشة رسالة طالبه خالد بن سعود بن فارس العصيمي، وكانت رسالته للماجستير “القرارات النحوية والتصريفية لمجمع اللغة العربية بالقاهرة: جمعًا ودراسة وتقويمًا. إلى نهاية الدورة الحادية والستين عام 1415ه/1995م”، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1421ه، ثم دعاني لمناقشة رسالة طالبته غالية بنت عبدالعزيز المسند، وكانت رسالتها للماجستير “اعتراضات بدر الدين ابن الناظم النحوية والتصريفية على أبيه جمعًا ودراسة وتقويمًا”، وكانت في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن عام 1422ه، وسعدت بسماع عالمة نحوية قديرة لم أكن أعرفها من قبل هي الدكتورة البندري العجلان.
وكان من طمعي بكرمه وتقديره أن دعوته، على شكواه من ضعف البصر، إلى مناقشة ابنتي الطالبة نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الزعاقي، وكانت رسالتها للدكتوراه “تراكيب التعليل في القرآن الكريم” في جامعة الملك سعود عام 1425ﻫ.
وعاد أستاذنا إلى تكريمي بدعوتي لمناقشة طالبته غالية بنت عبدالعزيز المسند، وكانت رسالتها للدكتوراه “التأويل النحوي عند سيبويه من خلال شواهده الشعرية”، وكانت في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن عام 1432ه، وسعدت بسماع النحوية القديرة الدكتورة منيرة العلولا. وبعد ذلك بسنة دعاني لمناقشة طالبه زكي بن صالح الحريول كانت رسالته للدكتوراه “الاشتراط في النحو العربي”، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1434ه.
في ذلك اليوم أصغى إلي الدكتور الخثران وهمس مبديًا ضيقه من ضعف مستوى مناقشة المناقش الآخر، وحين خرجت من قاعة المناقشة كان الأستاذ الدكتور سعود بن عبد الله آل حسين رئيس قسم النحو والصرف وفقه اللغة واقفًا، فحياني ودعاني لشرب الشاي في مكتبه، وبينا كنا نتبادل الأحاديث دخل علينا الدكتور الجليل عبدالله الخثران، وقال لرئيس القسم، وهو يشير إلي: “كلّما جلس هذا الرجل إلى جانبي حلّت عليّ السكينة”. أي تكريم يفوق هذا، وأي تقدير أكثر من ذلك، عدت إلى بيتي وكلي فرح بما سمعت.
والدكتور الخثران ورع كل الورع فحين اجتمعنا في الأسرة اللغوية التي تنظمها وزارة التعليم لتطوير كتب التعليم لم ير في اجتماعاتنا ما يثمر في التطوير؛ إذ كانت الكتب تكتب في جدة، ونحن نجتمع لمناقشة بحوث وأراق يقترحها بعضنا، فطلب إقالته من اللجنة تورعًا.
يعرف فضل الدكتور الخثران وقيمته العلمية زملاؤه وطلابه، تجد ذلك ظاهرًا في كتابة من كتب عنه من طلابه، فهذا الدكتور فهيد بن رباح الرَّباح يقول عن استقصائه وشغفه بالتعلم “وكان ممَّا ذكره لنا أنَّه عندما يخرج من الكليَّة- وكانت الدِّراسة آنذاك في الكليَّة والجامعة كلِّها تنتهي بحدود السَّاعة الثَّانية عشرة والنِّصف (30: 12) ظهرًا- فعندما يخرج منها يتَّجه إلى مكتبة جامعة الملك سعود، وكانت مكتبتها ضخمةً عامرة، وفي جامعة الإمام أيضًا مكتبة كبيرة عامرة هي المكتبة المركزيَّة، غير أنَّ مكتبة جامعة الإمام تراثيَّة السَّنخ في الأغلب الأعمِّ، وأمَّا مكتبة جامعة الملك سعود فكانت أكثر تنظيمًا وعناية بالرُّواد وتقديم الخدمات لهم، وكانت تفد إليها الدَّوريَّات، والمجلَّات العلميَّة، ومجلَّات المجامع اللغويَّة، وتردها مجلَّات بعض الجامعات في السُّعوديَّة ومن خارجها؛ لذا كثر وفود طلَّاب المعرفة عليها، فكثر روَّادها وحقَّقت أهدافها. يقول شيخنا د. الخثران: إنَّني أخرج من جامعة الإمام ظهرًا متَّجهًا صوب مكتبة جامعة الملك سعود، أمكث فيها وأقيم متصفِّحًا الدَّوريَّات، ومتى ما وقعت على عنوان يخصُّ تخصصي يعني به: النَّحو والصَّرف فإنَّني أقوم بتصويره… ويقول شيخنا: إنَّني أصوِّر هذه البحوث، وأجمعها وأصنِّفها في البيت إذا عدت، ويقول إنَّه لا يعود إلى بيته العامر إلَّا مع صلاة العشاء”(1).
وهذا الدكتور محمد بن إبراهيم الحمد قال عن حزمه “ولقد كان أستاذنا الجليل الدكتور عبدالله الخثران على هذا الطراز النادر، ومن أعظم ما يمثل تلك المعاني؛ فلقد كان مدرسة في الحزم، وأداء أمانة الدرس. ولم يكن حزمه في ضبط قاعة الدرس، وحسن إدارتها فحسب؛ بل كان من أول حَزْمِهِ حزمُه مع نفسه؛ فتراه قبل الدرس على خير ما يرام من الاستعداد النفسي والبدني، وحسن الهندام، وما يسبق ذلك من إعداد الدرس والتمكن من المادة العلمية، والإلمام بكل شاردة وواردة حوله، والحرص الشديد على الحضور في الوقت المحدد لقاعة المحاضرة”(2).
ويعرف الدارسون أبحاثه وكتبه. من كتبه ما هو تعليمي كتبها منفردًا أو بالمشاركة مثل كتاب “النحو” 1417ه، و”التطبيقات النحوية” و”التطبيقات اللغوية” 1423ه، “النحو والصرف”1419ه، و”القراءة والتحرير”1417ه. ومن أهم كتبه “النحو العربي بين حماته وخصومه” رسالة ماجستير في جامعة الأزهر، 1394ه، و”حركات التجديد في النحو العربي” رسالة دكتوراه في جامعة الإسكندرية، 1405ه/ 1985م. و”ظاهرة التأويل في الدرس النحوي: بحث في المنهج”، نشر عام 1408هـ، و”الدرس النحوي عند عبدالقاهر الجرجاني وابن خلدون” نشر دار هجر للطباعة/ القاهرة، في 1408ه، و”مصطلحات النحو الكوفي: دراستها وتحديد مدلولاتها” نشرته دار هجر/ القاهرة، 1411ه، و”مراحل تطور الدرس النحوي” نشرته دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1413ه. وأعادت نشره دار التدمرية/ الرياض، 1434ه، و”القواعد والفوائد في الإعراب” لركن الدين جمال الإسلام أبو الحسن محمد بن محمد الخاوراني الشوكاني، الإسكندرية (مصر) دار المعرفة الجامعية، 1413ه. و”المصطلح العلمي : التعريف والتعريب والتصحيح اللغوي، بدائل عربية لمصطلحات وكلمات غير عربية”، الجمعية العلمية السعودية للغة العربية، الرياض، 2008م.
ولأستاذنا عدد من البحوث العلمية، منها “ظاهرة التصرف الاعرابي في العربية وأهميتها في تحديد المعنى وتوضيحه”. مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، ع٦، في ١٩٧٦م. و”أصالة النحو العربي
مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، ع١١ في ١٩٨١م. و”الأهداف العامة والخاصة لتدريس اللغة العربية”. ندوة مناهج اللغة العربية في التعليم ما قبل الجامعي. المنظمة العربية للتربية والعلوم وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٩٨٤م. و”حفظ النصوص الجيدة وأثره في ترسيخ الفصحى في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة”. مجلة كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية،ع١٣/١٤ في ١٩٨٤م. و”ظاهرة التأويل في الدرس النحوي بحث في المنهج”. مجلة عالم الكتب مج١٣ ع٤ دار ثقيف ١٩٩٢م.
رحم الله أستاذنا الذي توفاه الله يوم الأحد 25/3/ 1443هـ. وأسكنه فسيح جناته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)انظر: https://www.al-jazirah.com/2021/20210604/cm16.htm
(2)انظر: http://iswy.co/e2dftc


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *