هل الفعل “تَلاشَى” مُشتقٌّ من “لا شيء”؟ – أ.د. عبدالرحمن بودرع


هل الفعل “تَلاشَى” مُشتقٌّ من “لا شيء”؟ – أ.د. عبدالرحمن بودرع



كنتُ أظنُّ أنّ الفعلَ تَلاشى يَتَلاشَى مَنحوتٌ مِنْ لا النافية وكلمة شيء، مع تسهيل الهمزَة أو قلبِها ألفًا، واشتقاق صيغ منها، كالفعل تَلاشى يَتَلاشى تَلاشِيًا ومُتَلاشٍ ومُنلاشِيات…
حَتّى وجدتُ أنّ المادّةَ المعجميّة مَوجودة في المصادر اللغوية والمَعاجم اللغوية “لشا”، في تهذيب اللغة للأزهري والبيان والتبيُّن للجاحظ والصحاح للجَوهَريّ ولسان العَرب لابن منظور: لَشَا فُلان لَشْوًا خَسَّ بعدَ رِفْعة. واللَّشِيُّ الكثيرُ الحَلَبِ.

أمّا المَعْنى المُتَداولُ اليومَ فقَد تَداولَه قومٌ على عهدِ الجاحظ وارتَضَوْه وإن لم يستسغْه الفُصَحاءُ، ولكنّ الحاجَةَ إلى المعنى اقتضتْ ابتكارَه

فقَد ذكرَ الجاحظُ في “البَيان والتَّبيُّن” الحاجةَ إلى توليدِ الجديدِ:
” سَمَّى النَّحويّون، فذكروا الحالَ والظّروفَ وما أشبهَ ذلك؛ لأنَّهم لو لم يضَعُوا هذه العلاماتِ لم يستطيعوا تعريفَ القَرويِّين وأبناء البلَديِّين علمَ العروض والنَّحو، وكذلك أصحابُ الحساب فقد اجتلبوا أسماءً جَعَلوها علاماتٍ للتفاهُم، قالوا: وقبيحٌ بالخطيب أن يقوم بخُطْبة العيد أو يوم السِّماطين، أو على منبر جماعة، أو في سُدّة دار الخلافة، أو في يومِ جَمْعٍ وحفل، إمَّا في إصلاح بين العشائر، واحتمالِ دماء القبائل، واستلالِ تلك الضّغائِن والسّخائم، فيقولَ كما قال بعضُ مَن خطَب على مِنبرٍ ضخمِ الشَّأنِ، رفيعِ المكان:
ثم إنَ اللَّه عزّ وجلّ بعد أن أنشأ الخَلق وسَوّاهم ومَكّن لهم، “لاشَاهُم فتَلاشَوْا”، ولولا أنَّ المتكلِّم افتقَرَ إلى أن يلفِظ بالتَّلاشي لكان ينبغي أن يُؤخَذَ فوقَ يده، وخطَب آخَرُ في وسط دار الخلافة، فقال في خطبته: وأخرجَهُ اللَّه من بابِ اللَّيْسِيَّة، فأدخله في باب الأيْسِيَّة، وقال مَرَّة أخرى في خُطبةٍ له: هذا فرْقُ ما بين السَّارّ والضَّارّ، والدَّفّاع والنَّفّاع، وقال مَرَّة أخرى: فَدلَّ ساترُه على غامِرِه، ودلَّ غامِرُه على مُنْحَلّه، فكاد إبراهيمُ بن السِّنديّ يطير شِقَقاً، وينْقَدُّ غَيْظاً، هذا وإبراهيمُ من المتكلِّمين، والخطيبُ لم يكن من المتكلِّمين…

وإنَّما جازت هذه الألفاظُ في صناعة الكلام حين عَجَزت الأسماءُ عن اتِّساع المعاني، وقد تَحسُنُ أيضاً ألفاظُ المتكلِّمين في مثل شعرِ أبي نُواسٍ وفي كلِّ ما قالوه على وَجْه التَّظرُّف والتَّمَلُّح…” (البيان والتَّبيُّن: ج:1، ص:133)

ثُمّ استعمَلَها المجمعُ القاهريُّ وضمَّنَها المُعجمَ الوسيطَ: وجَعَلَ الفعلَ (تلاشى) مُطاوعًا للفعلِ: لاشاه.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *