أهل الحل والعقد – أ.د. محمد جمال صقر


أهل الحل والعقد – أ.د. محمد جمال صقر



من أجل “تَجْلِيَةِ وجوهٍ من قدرة اللغة العربية على توليد أطوارها بعضها من بعض، تَوْليدًا صَحيحًا نافِعًا ناجِحًا- ووجوهٍ من تلاقي الأعمال الفنية العربية السالفة والخالفة على ما يقتضيه استيعابُ حركة الثقافة العربية الإسلامية”، عالجتُ في “مقام السرقة”، علاقة بعض الشعر ببعض، ولكنني بقيت من كفاية ما صنعت على قلق، من حيث لم أبرح دارة الشعر، حتى اهتديت إلى معالجة علاقة بعض الشعر ببعض النثر!

لقد درج معلمو البيان على إغراء تلامذتهم بحل المنظوم (نثر الشعر)، وعقد المنثور (نظم النثر)، فطرَّقوا ليَ الطريق إلى غايتي -أحسن الله إليهم!- ولكنني بقيت كذلك على قلق من جدوى النصوص المتكلَّفة على القول الفَصل؛ فذهبت أفتش عما كان منها عَفْوًا لا قَصْدًا؛ فعثرت على ثمانية وخمسين نصا، متزاوجة (نصفها يُناصُّ نصفها)، ردَّدتُّ فيها النظر حريصًا على وجوه التوارد التي تقتضيها الموازنة المفتوحة التي احتكمت إليها من قبل في “مقام السرقة”، حتى استصفيتُ منها عشرين (عشرة تُناصُّ عشرة)، نصفها من نظم المنثور ونصفها من نثر المنظوم، ورتبتُها على تواريخ حدوث لواحقها، ثم أقبلت أستنبط أسرارها العامة والخاصة، بمقالي “خصائص التفكير العروضي اللغوي بين نظم المنثور ونثر المنظوم”، الذي كان خطوتي السادسة في سبيل التطبيق النصي العروضي.

لقد عثرت في تنميط “خصائص التفكير العروضي اللغوي”، على أربعة أنماط أَظْهَرِيَّة -راعيتُ في تَسميتها الأظهرَ عليها-: (1) سابِقيّ (في النص اللاحق من هذا النمط، عبارة سابقة مضافة كأنها العنوان الذي يدَّعي به الأديبُ العملَ لنفسه من قبل أن يشرع فيه)، وظيفتُه التأسيس أو التمهيد. (2) عارِضيّ (النص اللاحق كله من هذا النمط، عارضة كأنها صورة صوَّر بها الأديبُ النصَّ وصوَّر نفسه في ظلاله)، وظيفتُه التقريب أو التوثيق. (3) لاحِقيّ (في النص اللاحق من هذا النمط، عبارة لاحقة مضافة كأنها التوقيع الذي يدَّعي به الأديبُ العملَ لنفسه من بعد أن يفرغ منه)، وظيفتُه التعليل أو التوكيد أو التكميل. (4) حاشَويّ (في النص اللاحق من هذا النمط، عبارةٌ حاشيةٌ، مضافة كأنها الغذاء يُرَبّي به الأديبُ العملَ في أثنائه من غير أن يُنتبه إليه)، وظيفتُه التعليل أو التوكيد. وتجلى لي اطمئنانُ ناظم المنثور إلى رَواج عمله، من حيث غلب على تفكيره العروضي اللغوي تنكيرُ النفس- وخشيةُ ناثر المنظوم من كَساد عمله، من حيث غلب على تفكيره العروضي اللغوي تكبيرُ النفس!

ذاك عمل كَلَّفْتُه عام 2008، إحدى نجيبات تلميذاتي المصريات، رسالةَ ماجستير -وكنتُ بمظنّة السفر إلى المدينة المنورة، على ساكنها صلاة الله وسلامه!- فخشي عليها قسم النحو والصرف والعروض بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة، خَشْيَتَيْنِ: خشية إشكال المسألة على غير مشرفها، وخشية عجز الفتاة عن شَأْوها، خَرَجَ منهما عن قوله: إذا بقيتَ ولم تسافر أجزناها! ولكنني سافرت، وهناك في الجوار الشريف، استعنت بالله؛ فتم لي هذا المقال، ولكنه مُنع النشرَ في مجلة الكلية -وقيل في منعه: إن كاتبه إنما كتبه لنفسه- ونُشر في مجلة “دراسات عربية وإسلامية”، التي كان عليها الدكتور حامد طاهر، رحمه الله، وطيب ثراه! والآن أعترف بأن غياب المشرف عن رسائله التي لا يشرف على مثلها غيره، مشكلة مستمرة، وأستغفر الله كثيرا كثيرا كثيرا عناءَ تلامذتي الذين أصابَتْهُم! أما خشية العجز عن شأو المسائل الصعبة، فلا يستغني عنها مع الفتيات الفتيانُ ولا أساتذتُهم، ما دامت من وراء الاستعداد، لا من أمامه!


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *