حدود اللسان العربي ومظانّ وجوده وبقائه – د. عبدالله الأنصاري


حدود اللسان العربي ومظانّ وجوده وبقائه – د. عبدالله الأنصاري



مصدر كل لغة هو أهلها الذين يتحدثون بها؛ لأنها جزء من حياتهم وجميع شؤونهم من كل وجه، ويعني ذلك أن اللغة محصورة في بيئة المتحدثين بها، ولن تتجاوزها إلا بأسباب أخرى، كانتقال أهلها، وانتقالها في كتبٍ منشورة بها، أو اتصال أهلها بأُمم أخرى من غير أهل لسانهم تَفِدُ عليهم أو يَفِدون إليها، والحاجة إلى ترجمة الكتب والمصطلحات من الثقافات واللغات الأخرى..ونحو ذلك من أسباب الاختلاط والتواصل وتداخل الأمم واللغات.
وقد كانت العرب في الجزيرة العربية معزولين في الغالب عن سائر الأمم والثقافات، وليس لهم اختلاط ذو تأثير بغير الناطقين بالعربية، ولم يكونوا في حاجة إلى استعمال غير لغتهم، ولا كتابة لغة سواها، فكانت اللغة العربية الصافية الفصحى محصورة في الديار العربية، وكانت الديار العربية في الجزيرة العربية مهدًا لهذه اللغة وخزانة لها، لاعن طريق الكتابة والتدوين، ولكن عن طريق التحدث والرواية والحفظ، وكان أهلها أهل سليقة صافية، ينفرون من اللحن وتأباه طبائعهم، وتمجه أذواقهم، ولا تجري به ألسنتهم، ولايصغون للاحن ولا يعيرونه سمعًا.
وكثر محفوظهم مما يروونه من الشعر والنثر بسبب اعتمادهم على الحفظ والتلقي، فكان ذلك سببًا في حفظهم لألفاظ نصوص لغتهم دون تغيير مؤثر، وقد كان أحدهم إذا نسي لفظة أو تركيبًا لغويًّا فإنه يأتي بمرادف لها مكانه، ويجري لسانه بنظيره مما تستوعبه ملكته ويتأتَّى على طبعه.
تَغَيُّر هذه الحال
تغيَّرت هذه الحال لأسباب متعددة، منها: انتقال العرب من ديارهم في جزيرة العرب إلى غيرها من أصقاع الأرض، ومنها اختلاطهم بالأمم الأخرى، ومنها دخول اللغات غير العربية في البيئات العربية عن طريق الكتب المترجمة، والدراسات الحديثة، والزواج من غير العربيات، وتعدد أسباب السفر إلى الخارج مع كثرته، ودخول أمم كثيرة من غير العرب في الإسلام فاندمجت مع المجتمع العربي في الديار العربية نفسها…وأسباب أخرى.
البيئات العربية ومظانُّ وجود الألفاظ العربية وطبيعتها
بعد الحال المذكورة انقسم العرب إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: مَن انتقل إلى البيئات الأخرى خارج الجزيرة العربية، بأسباب متعددة كالهجرة والفتوحات، ونحو ذلك، كبلاد المغرب والأندلس والهند وفارس ومصر والسودان، وغيرها، فاختلطوا بأهلها وتصاهروا معهم واندمجوا في المجتمعات غير العربية، فأثَّر ذلك في لغتهم العربية وتأثرت لغة ذرياتهم من بعدهم، وتحتفظ فئات هذا القسم ببعض الجذور العربية الفصيحة التي كان أسلافهم يستعملونها، وبعضها لم يتأثر بالعاميات الحديثة.
القسم الثاني: مَن بقي في الديار العربية في الجزيرة، وكان اختلاطهم بغير العرب عن طريق من يفد عليهم من غير العرب، وعن طريق الزواج من غير العربيات، وما شابه ذلك، فأثر ذلك في لغتهم العربية ، وتأثرت لغة ذرياتهم من بعدهم، ولكن لا يزال كثير من الجذور العربية الفصيحة باقية على ألسنتهم، ولا يفرقون بينها وبين العامية.
القسم الثالث: المترددون بين القسمين السابقين، ممن يذهب ويجيء، أو يسافر ويعود، أو يتعلم غير اللسان العربي ثم يعود إلى الديار العربية، أو يتاجر مع غير العرب ويتواصل معهم، أو يقرأ الكتب والثقافات غير العربية، فأثر ذلك في لغته العربيةـ وتأثر بهم المجتمع العربي، ولا سيما الأجيال المتأخرة من بعدهم.
القسم الرابع: عَرَب باللسان لا بالنسب، وهم العجم الذين تعرَّبوا، واكتسبوا العربية، إما بنشأتهم في المجتمع العربي، ونطقهم بالعربية كالعرب، وإما باختلاطهم بالعرب حتى تعلموا العربية وغلبت على ألسنتهم، أو تعاملوا معها على قدر حاجتهم، أو درسوها لغرض من الأغراض، ومنهم علماء وطلاب علم درسوا علوم العربية وفنونها وحفظوا نصوصها، ورَوَوْها، وبرعوا فيها وأبدعوا، وهم في الأصل من غير العرب، وقد وُجد هذا القسم منذ منتصف القرن الثاني الهجري وأخذ يكثر وينتشر واستمر ذلك إلى يومنا هذا.
تشترك هذه البيئات كلها في ثلاثة أشياء :
الأول: وجود أصول ألفاظ اللغة العربية فيها، وإن تفاوتَتْ.
والثاني: تأثر العرب بغيرهم في اللغة، وطُرق نطقها، واستعمال ألفاظها نطقا ودلالة.
الثالث: تأثر اللسان العربي بغيره من اللغات والثقافات غير العربية، في جميع هذه البيئات، وهذا على وجه العموم، وأما على وجه الخصوص فمن المتصوَّر غير المستبعَد أن يكون بعضها أشدَّ تأثرًا وتأثيرًا.
ولا يوجد قسم آخر من غير هذه الأقسام الأربعة، ولا وجود للغة العربية على لسان أحد غير هؤلاء.
طبيعة الألفاظ العربية بعد ذلك:
بناءً على التقسيم السابق للمتحدثين باللغة العربية انقسمت اللغة العربية في العصور المتأخرة إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما دَوَّنَتْه علماءُ العربية في المعاجم العربية، وأدركوه فصيحًا صحيحًا على ألسنة العرب قبل تغيره بسبب من الأسباب السابقة، فسجلوه في زمن غلبة الفصاحة وقوتها، وسلامة اللفظ ونصاعته، وحفظوه بذلك من عوادي الدهر اللسانية، ومن طغيان العجمة الوافدة والموفد إليها.
ومن هذا القسم المدوَّن، ما وُجد على ألسنة العرب من الدخيل في لغتهم، أو المولَّد، أو المعرَّب، فدوَّنه المعجميون ونبهوا عليه. ومن أمثلة المعاجم العربية التي اعتنت بتدوين الألفاظ العربية وتسجيل اللغة: معجم “العين” للخليل، ومعجم “جمهرة اللغة لابن دريد” ومعجم “البارع في اللغة” للقالي، ومعجم “تهذيب اللغة” للأزهري، ومعجما “مقاييس اللغة” و”مجمل اللغة” كلاهما لابن فارس، ومعجم “صحاح العربية” للجوهري، ومعجم “القاموس المحيط” للفيروز آبادي. ومعجم ” لسان اللعرب” لابن منظور.
ثاني أقسام ألفاظ اللغة العربية: ما حفظتْه النصوص اللغوية المحفوظة والمدونة، شعرًا ونثرًا، وهذا القسم كثير منه سجَّله أصحاب المعاجم ودوَّنوه، وكثير منه لا يوجد إلا في هذه النصوص، فهو يُعدُّ من فوائت المعاجم فهو مجال للاستدراك على المعجم العربي، وللإضافة عليه، ونجد العلماء في كل عصر يستدركون بعضه على من سبقهم؛ لأن الإحاطة بجميع المدونات العربية واستقراء ألفاظها عسير أو ممتنِع.
ثالث الأقسام: الألفاظ التي بقيت على ألسنة العرب في العصور المتأخرة، مما ليس من القسمين السابقين، ولكنه من صميم نطقهم واستعمالهم، وهذا القسم تعتوره عدة احتمالات ظنية كلها، وأهمها ثلاثة:
اـ أن يكون فصيحًا من أصول عربية باقية. وقد يكون الفصيح منه جذره فقط، وقد يبقى بجذره ودلالته، ويكثر تحريف لفظه المستعمل مع ذلك.
2 ــ أن يكون من الدخيل من اللغات الأخرى وغلب على ألسنة العرب فاستعملوه كما يستعملون سائر الألفاظ العربية.
3 ــ أن يكون مما عرَّبوه قصدًا أو تلقائيًّا فأجروه مجرى الألفاظ العربية نطقًا واستعمالًا.
وقد يتوصل علماء اللغة عن طريق علم اللغة المقارن، وعلم اللغة التاريخي، والبحث في الجذور المشتركة بين اللغات، إلى تمييز كثير من ألفاظ الاحتمال الثاني والثالث.
وأما الاحتمال الأول فدون معرفته وتمييزه خرط القتاد، ونقل الجبال، ومصافحة الثريا، والسبب في ذلك أنه مجهول الأصل، ولا دليل على أصالته عربيًّا، ولا يُعرف له تاريخ، ولأن العرب الذين يستعملونه غير فصحاء، فهم يستعملون غيره مما ليس بفصيح، فلا يؤمَن أن يكون دخيلا عليهم، أو معرَّبًا، أو متطوِّرًا من لفظ آخر عربي أو غير عربي، وليس أمامنا معيار يمكننا الاعتماد عليه لتأصيله، ولذلك لايمكن الجزم بعربيته، ولاينبغي الاعتماد عليه في تأصيل ألفاظ اللغة، ولا الاستدراك به على أصحاب المعاجم؛ لأن الاستدراك بالمجهول كعدمه، ووجوده مستعمَلًا في البيئات العربية في هذه العصور المتأخرة أقصى ما يفيده الظن بعربيته، ولكن الظن ليس بعلم، قال الله تعالى: {وإنَّ الظنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا}
ونخلص إلى أنَّ ألفاظ اللغة العربية المعتمدة تنحصر في القسمين الأوَّلَين دون الثالث، وهما: “مدوّنات المعاجم العربية” و “محتويات النصوص العربية الفصيحة” هذا ما يتعلق بجذور اللغة وموادها الأصلية، أما مبانيها الصرفية وأساليبها وتراكيبها النحوية، فتنضبط بعلم النحو بمفهومه الشامل؛ لأنه هو نظام اللغة، وهو علمٌ مكتَسَبٌ بالدرْس، مُستَنبط بالنظر في اللغة، محكومٌ بأصل الوضع العربي، خاضع للاستعمال العربي الفصيح. والله أعلم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *