العبودي اللغوي (1) – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان


العبودي اللغوي (1) – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان



من يتيسر له الاطلاع على ترث العلامة الشيخ محمد بن ناصر العبودي رحمه الله يدرك أنه عالم موسوعي، فهو لغوي معجمي وهو مؤرخ جغرافي ورحالة وأديب، هذا إلى معرفته الفقهية والأصولية، وهو في كتبه يمزج بين تلك الاهتمامات، ومن أهمها اللغة التي تَظهر لك جوانب اهتمامه بها في المعاجم اللغوية ومعاجم المعارف الأخرى والمعجم الجغرافي وفي معاجم الأسر وفي كتب الرحلات، ويمكن أن نقف على خمسة جوانب من هذا الاهتمام اللغوي:
1)غزارة الإنتاج.
من دلائل غزارة إنتاجه اللغوي أنه كتب ما يزيد على خمسة وثلاثين معجمًا، منها المطبوع ومنها المخطوط، ومنها ما يقع في مجلد ومنها ما جاء في مجلدات ذوات عدد؛ فالمعجم المخطوط (معجم الألفاظ العامية: المعجم الكبير) يقال إنه في عشرين مجلدًا، ونجد (معجم أسر بريدة) في 23 مجلدًا.
والمعالجة اللغوية مبثوثة في أعماله المعجمية والأدبية وكتب رحلاته أيضًا، قال د. إبراهيم بن عبدالرحمن التركي “تتخطى إصدارات الشيخ أربع مئة كتاب حتى الآن، وهو ما يعلو به نصًا ليكون في طليعة المؤلفين العرب؛ لا في وقتنا هذا فقط بل عبر القرون”(1).
ولعل أعماله ترى النور بعد نشرها على الشابكة بإذن الله حتى الأعمال التي لم يأذن الله بإكمالها مثل (معجم أسر المذنب) الذي حدثني عنه الشيخ، ونحن في مجلسه الاثنيني، وقال إنه سينشر بعد سنتين، ثم حلّت جائحة (كارونا) فحالت دون ظهوره كما حالت وفاة الشيخ عن ذلك أيضًا.
2)الجمع بين التراثين: تراث الفصيحة وتراث الدارجة
تلقى الشيخ منذ صغره تراث العربية الفصيحة، وحفظ كثيرًا من متونها النثرية والشعرية، وأتقن العربية وعلومها وتمكن منها تمكنًا ظهر أثره في معالجاته اللغوية، وهو على معرفته بالفصيحة وتراثها لم يكن بمعزل عن ثقافة اللغة الدارجة وتراثها الشعبي الحاضر؛ إذ حفظ من أشعارها وأخبارها ما جعله يستطيع باقتدار أن يجمع بين التراث القديم والشعبي المعاصر، وظهر هذا جليًّا في أعمال خصصها للربط بين التراثين، من أبرزها (الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة: أو ما فعلته القرون بالعربية في مهدها) [13 مجلدًا]، ويبين لنا العنوان الشارح لعنوان المعجم موقف الشيخ من اللغة الدارجة وهو أنها هي اللغة الفصيحة بشيء من التغير، ومنها (معجم الأصول الفصيحة للأمثال الدارجة)[8مجلدات]، (معجم غرائب الألفاظ النجدية ذوات الأصول الفصيحة : يشتمل على ألف وثلاثمائة لفظ)(2). ونجد هذا الربط واضحًا في أعماله الأخرى ففي (معجم بلاد القصيم) بيّن منهجه في ذكر أسماء الأماكن الحديثة ثم أسمائها التراثية، وعلل ذلك بقوله “لأنها أسماء ذهبت وبادت كما باد أهلوها الذين وضعوها واكتسبت تلك المواضع تسميات جديدة فالنباج أصبح اسمه (الأسياح) والقنان يسمى الآن (الموشم) ومتالع يعرف باسم (أُم سنون) والسِّتار هو (الرَّبوض) عند المتأَخرين”(3).
وهو أيضًا يجمع بين تعريفه المحدث وتعريف القدماء مستشهدًا بالأشعار الفصيحة والأشعار الدارجة، قال “ثم أذكر بعد تعريفي الخاص للموضع تعريف القدماء به إن وجد ثم أذكر الشواهد الشعرية…ثم أنقل الأشعار العامية التي ورد فيها ذكر الموضع”(4).
3)ضبط الشكل باللفظ.
ومن أهم الأمور التي أخذ الشيخ بها نفسه أن يضبط مداخل معاجمه من أعلام وألفاظ ضبطًا دقيقًا؛ وذلك بوضع الحركات على الحروف وبتسمية الحروف وحركاتها، وهو منهج أشار إليه بقوله “ثم أضبطه [الاسم] ضبط قلم ثم ضبط حروف بذكر الحركات اللفظية كما يلفظ باسمه في الوقت الحاضر وليس على مقتضى اللفظ الفصيح”(5). وهذا المنهج مطرد نجده في كل أعماله، ومن أمثلة ذلك:
“الْمبَارِي:
بإسكان الميم بعد (ال) ثم باء مفتوحة فألف ثم راء فياء أخيرة، على صيغة اسم الفاعل من باراه يُبَاريه، إذا سايره وماشاه”(6).
“الْمِذْنَب:
بكسر الميم وإسكان الذال ثم نون مفتوحة فباء أخيرة”(7).
وربما وجد أن من الألفاظ في النصوص ما يفتقر إلى الضبط فيضبطه ضبط قلم، كما سماه، أي بإظهار الحركات. ونجد هذا في الألفاظ الفصيحة والدارجة ومثال الفصيح قوله: “فازع: فازعا، والفازعُ هو الـمُنْجِدُ لغيره، الـمُجِيبُ لِصَريخِه، فصيحة. والمعنى: أنّ كُلَّ رأسِ انسانٍ تقطعه في الحرب، يكفيك عناءَ مُدافعةِ رَجُلٍ مِنْ أعدائك قد يجيء إليك مرةً ثانية فازعًا لغيره من خصومك، مُنْجِدا له”(8).
ومثال الدارجة:
“قال راشد الخلاوي:
قِـــــطْــــــبٍ جِلِـــــــيْلٍ لا تِعِيْبِــــــهْ بْـــزَلَّـــــهْ … حَظِــــــيٍّ مْــــنَ الأَرْيَـــــــــا بْهَـــــــــــاديْهْ صَايْبَهْ
تَلْقَاهْ في الطَّاعَاتْ فَسْل وُكَاسِل … وعلى الدُّوْنْ سِرْحَانَ الغَضَا ما يْواثْبِهْ”(9)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  
(1) إبراهيم بن عبدالرحمن التركي، تعادلية النص والشخص .. العبودي أنموذجًا، موقع الشيخ محمد العبودي عميد الرحالين، مقالات https://alo****.net/?p=4430
(2) نشرته دار الثلوثية، ١٤٣٧ه/2016م.
(3) محمد بن ناصر العبودي، معجم بلاد القصيم، 1: 18.
(4) محمد بن ناصر العبودي، معجم بلاد القصيم،1: 17.
(5) محمد بن ناصر العبودي، معجم بلاد القصيم، 1: 16.
(6) محمد بن ناصر العبودي، معجم بلاد القصيم، 6: 2194.
(7) محمد بن ناصر العبودي، معجم بلاد القصيم، 6: 2229.
(8) محمد بن ناصر العبودي، الأمثال العامية في نجد، 2: 560
(9) محمد بن ناصر العبودي، معجم الحيوان عند العامة، 2: 476.
(للموضوع بقية)


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *