الأفعال العماد – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان


الأفعال العماد – أ.د. أبو أوس إبراهيم الشمسان



هذا عنوان كتاب الصديق الزميل الدكتور فايز بن سعد آل لجم، ولعنوان هذا الكتاب صلة فهو “الأفعال العماد في العربيّة الفصيحة القديمة والعربية المعاصرة: دراسة تحليلية مقارنة باستخدام المدونات اللغوية”، وهذا الكتاب في أصله رسالة دكتوراه في جامعة القصيم بإشراف أ.د. عزالدين محمد المجدوب وأ.د. عبدالمحسن بن عبيد الثبيتي. نشرته في 349صفحة دار كنوز المعرفة في عمّان- الأردن، عام 1444ه/ 2022م.
جاء هذا الكتاب في فصلين غير مسميين استغناءًا بتسمية المباحث فيهما إذ قسم كل فصل إلى ثلاثة مباحث، وكان من طريقته أن يختم المبحث بخلاصة، ونجده جعل خاتمة للفصل الأول بعد خلاصة المبحث الثالث منه، وأما الفصل الثاني فلم يذكر له خاتمة كخاتمة الفصل الأول ولعله اكتفى بالخاتمة النهائية العامة لفصلي الكتاب بمباحثهما.
عالج الدكتور فايز في المبحث الأول من الفصل الأول “تعريف الفعل العماد، والمصطلحات المنافسة له”، ولعله يقصد بالمنافسة المرادفة لمصطلح الأفعال العماد. قال المؤلف في (ص25) “يأتي مصطلح (الفعل العماد) ترجمة للمصطلح الفرنسيّ (verbe support) وللمصطلح الإنجليزيّ (light verb)، وهو في الدراسات اللغوية الحديثة امتداد لظاهرة (الأفعال الناقصة) في البحث النحويّ القديم. ولعله يقابل جملة الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر (كان وأخواتها، كاد وأخواتها، وكذلك ظنّ وأخواتها)، وإن تكن كتب النحو اهتمت بعدد قليل من هذه الأفعال فإن هذه الدراسة توسعت فيها على نحو مدهش؛ إذ “بلغت الأفعال العماد في القائمة المستخرجة من المدونة القديمة، والمدونة المعاصرة (ثمانين وأربع مائة فعلٍ)” (ص26). ووقفنا على ما سماه المصطلحات المنافسة وهي (الأفعال المساعدة)، و(الأفعال الناقلة)، و(الأفعال المشبّعة)، و(العبارات المتكلّسة).
أصّل في المبحث الثاني لظاهرة الأفعال العماد في التراث مبيّنًا المصطلح، ووقفنا على ضمير الفصل الذي سماه الكوفيون عمادًا، و(إيّا) التي هي عماد لما اتصل بها من ضمائر نحو (إيانا/إياك/إياه). ووقفنا على الأفعال الناقصة وأفعال المقاربة والشروع والترجي، قال المؤلف “ولم يجعل الباحث (ظن وأخواتها) ضمن الأفعال العماد؛ لأن الأفعال العماد فارغة دلاليًّا، بينما (ظن وأخواتها) تدل على الحدث، وهو الظنّ، وهو حدث قلبيٌّ، كما أن مرفوعها ليس مبتدأ في الأصل، وليست محتاجة لخبرها كما في الأفعال الناقصة مثلًا” (ص90)، ولعلي أتوقف في قوله هذا؛ فصحيح أنَّ (ظن وأخواتها) ليست ناقصة نقصان (كان وأخواتها) لأنها ذات فاعل، ولكنها ناسخة؛ لأنها تغير أحكام المبتدأ والخبر كما غيرتهما (كان)، وهي لا تكتفي بالمبتدأ حتى يُتمَّ بالخبر، فلا تقول: “ظننتُ زيدًا” وتسكت عن خبره ما لم ترد بظنّ الاتهام، ومن هذا الاعتبار يمكن عدّ (ظنّ) ناقصة، لأنها لا تكتفي بالمبتدأ كما لم تكتف (كان) به، وفعل الظن عماد؛ لأنّ معنى الظن لا يكفي بل هو وصلة للمعنى المفهوم من الخبر، ففي قولنا (ظننتُ زيدًا قادِمًا) نجد الحدث الأساسيّ هو القدوم وأما الظنّ فهو عماده. ووقفنا الباحث بما يدل على جودة استقصائه وتتبعه على استعمال (هذا) ونحوه استعمال (كان) بما سُمي بـ(التقريب)، ذكر ابن السراج عمله “واستشهد بقوله تعالى ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: 72]، حيث عملت (هذا) عمل الفعل الناقص بنصب كلمة (شيخًا)، وهذا لا يكون إلا للأفعال دون الأسماء”(ص92). وعرض للعبارات المتكلسة (الأمثال) وحاول أن يبين أن أفعالها استعملت استعمال الأفعال العماد.
وأما المبحث الثالث فكان عن ظاهرة الأفعال العماد في البحث اللغوي الحديث، تحدث فيه عن المحمول الفعليّ وخصائصه، ثم استعرض إحدى عشرة دراسة اهتمت بالفعل العماد في البحث اللغويّ الحديث.
إن صح أن نعد الفصل الأول درسًا تنظيريًّا فإن الثاني هو الدرس التطبيقي، وقد جعله الباحث في ثلاثة مباحث، أولها عن مقاييس بناء صنفي المدونة: العربية القديمة والمعاصرة، وقفنا على تعريف المدونات اللغوية وأنواعها وطرق الإفادة منها، واختيار المدونتبن، فبين ما اختير من القديم والمعاصر وسبب الاختيار وبيانات المدونتين، وخطوات إعدادهما للدراسة من تشذيب وتجزئة وتقطيع وتوسيم واستعمال للأداة (غوّاص).
وأما المبحث الثاني فكان عن تصنيف الأفعال العماد، فوقفنا على معايير اختيار الأفعال العماد ومنها الفراغ الدلاليّ وكثرة التوارد وقابلية الاشتقاق، ووقفنا على آلية إدراج الفعل ضمن قائمة الأفعال العماد.
وأما المبحث الثالث فهو مقارنة بين الأفعال العماد في اللغة العربية القديمة إلى حدود القرن الرابع الهجري ، مع الأفعال العماد في اللغة العربية المعاصرة، فوقفنا على ما ورد في المدونة القديمة ولم يرد في الحديثة، وما ورد في الحديثة ولم يرد في القديمة، ووقفنا على مقارنة بين المدونتين من حيث الوحدة المعجمية واستعمالات الأفعال العماد فيهما، ثم حسب الحقول المعجمية، والوظائف المعجمية، وبيّن بعدُ أسباب الفروق التي ترد إلى الترجمة وتنوع الأوعية، أي (روايات، وصحف، ومجلات، وأنظمة، إلخ.).
كان من حسنات هذا العمل إنجاز قائمتين مهمتين: قائمة بالأفعال العماد وقائمة بالمصطلحات الواردة في الدراسة. وكلل العمل الجليل بسبعة فهارس فنية مهمة، كان سابعها فهرس المصادر والمراجع الذي جعله في خمسة أقسام، وكان الأولى، في نظري، الاقتصار على قسمين: المصادر والمراجع العربية، والمصادر والمراجع الأجنبية.
هذا الكتاب الرائع ثمرة جهد جادّ أصيل مبتكر في بابه، وهو دليل على أن البحث اللغوي يكون عظيم الأثر حين يتضافر القديم والحديث برؤية لغوية حديثة ثاقبة، وفق الله الزميل الدكتور فايز بن سعد آل لجم إلى مزيد من الأعمال النافعة، ونحن ننتظر منه ومن أمثاله كل جديد مفيد. وما كتبته هنا إنما هو لمحة عابرة لا تغني عن قراءة الكتاب قراءة متأنية. 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *