كلمة معالي أ.د عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس إمام وخطيب المسجد الحرام


كلمة معالي أ.د عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس إمام وخطيب المسجد الحرام


عبدالرحمن-السديس

الحمد لله الذي جعلنا من أمة القرآن، وخصنا ببليغ البيان وبديع التبيان، وأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمَّد بن عبد الله الذي شرفه ربه فجعله مسك الرسالات وختامها، وبلغه من جوامع الكلم ذروتها وسنامها، ومن البلاغة كمالها وتمامها. وعلى آله وصحبه، الآخذين من اللغة زمامها وخطامها، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن المستقرئ لأحوال الشعوب والمجتمعات، والمتأمل في أمجاد الأمم والحضارات، يلفي أنَّ اللغة أداة الرُّقي والتَّواصل بين الشعوب، ومتى فرَّطوا فيها كان أمرهم إلى شَعوب، لأنها قوام الحضارات والأمم، وملاك كل أمر أمم. وأسنى تلك اللغات باتفاق، وأجلها على الإطلاق: اللغة العربية، حُجة المفاخر، وأعظم المفاخر بين لغى الأوائل والأواخر؛ لغة القرآن الكريم، والرسالة الخاتمة الربانية، والشهادة العالمية، زهرة التاريخ العابقة،ومزنة النور الوادقة، وإشراقة الدنيا الصادقة، والينبوع الثر الذي ترتوي منه العقول الصادية، والسراج الذي يضيء المجتمعات العاشية.
و هي الأصل الأصيل من أصول الدين المتين، وبيانه الجلي المبين، الذي أظهر للعالمين حكيم أسراره، وأفاض على الأمم هداياته وأنواره.يقول شيخ الإسلام بن تيمية ~ (إن اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض، فإن فهم الكتاب والسُّنة فرض، ولايفهمان إلا باللغة العربية، وما لايتم الواجب إلابه، فهو واجب). ومامعنى اللغة العربية، إلا: العقيدة، والشريعة، والتاريخ، والحضارة. وهذه اللغة الخالدة، ؛ قد تضمنت المعاني الجليلة السامية التي تعنو لنفحاتها وإشراقاتها الأرواح، في شدَهٍ وفتون، ويتورَّد لرقَّتها ماحِل الحُزون.وهي بعد الوحيين الشريفين – قطعا – عِماد عِزَّتنا، وأصالتنا، وطُنْب جماعتنا ووحدتنا، ما صَحَّت مِنَّا النوايا والعزائم، وتحدَّينا – بعون الله – مآسي الإحباط والهزائم.
لغة إذا وقعت على أسماعنا كانت لنا بردا على الأكباد
ستظل رابـطة تؤلف بيننا فهي الرجاء لناطق بالضـاد
أخي القارئ الكريم: وإذا سألت عن صِلَة اللغة العربية السنية، بذات الإنسان، فإنها منه: شعاع النفس، وأرج الروح، ونضح العواطف،ووقدة الخاطر، وعبقرية الحياة، بل هي: المعراج الروحي الندي لمناجاة الرحمان – سبحانه – وإنها لَلِسان الإنسان المعبِّر عن آماله وأشواقه، آلامه وأذواقه، عن مكنونات نفسه، ولواعج حِسِّه… إلى غير ذلك مما يكتنزه الفؤاد، ويجلُّ دون سَطْره اليراعة والمداد، فَلِلَّه ما أزكى ثمرها، وأروع أثرها!!
وصفها الإمام ابن كثير ~ فقال:(أفصح اللغات، وأجلاها، وأحلاها، وأعلاها، وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات).
وفي هذه اللغة الأم، ولها وبها، أبدع علماء المسلمين في شتىَّ الفنون والعلوم، حيث كانت مصباحهم، ومفتاحهم، ومنهم الأصوليون المبرِّزون، وليست تخفى رسالة الشافعي رحمه الله وما حَوَتْه من البيان والبلاغة، والإيجاز والبراعة، ذلك وسواه براهين ساطعة على شمول اللغة وجمال تركيبها، ورونق ترصيعها، والحمد لله .
فما أهوى سوى لغة سقاها قريش من براعتها شِهَادا
وطـوقها كتاب الله مجـدا وزاد سنا بلاغتها اتِّقادَا
إلا أن هذه اللغة الشريفة، ذات المقاصد المنيفة، والخصائص الوريفة، هبَّت عليها ريح ذات إعصار في هذه الأعصار،حتى غدت رباعها مجفوة، ورقاعها غير مرفوة، بعد أن كانت عذبة التغاريد، حسنة المفاريد، فنبذها كثير من أهلها وراءهم ظهريا، وعَدُّوا حِذْقها أُواما لا رِيَّا، وذلك لزهادتهم فيها،وسيطرة الأساليب البكيئة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولاستحواذ اللغات الأجنبية وآدابها على ألسنة وفر مِنَ الكتاب والإعلاميين، وعقول جم من الأدباء والصحافيين، الذين أُشربت قلوبهم ألسنة الآخرين ومذاهبهم، فَفُتنوا عن حياض لغتهم، وطرائق آدابها، ومشارع النقد فيها، بل رَمَوْا مَن هام بها، بالتعصُّب والتخلف، ومَن تعهَّدها، بالتَّوعُّر والتكلُّف،وأعلنوا عليها حربا ضروسا، وأظهروا لها وجها عبوسا، وتلك ولا شك أنها دعاوى دُهْم حواطم، تقوِّض من شموخ اللغة، كل راسخ ومكين، ولتلك المسالك، أشنع الخطر، على رونق اللسان العربي وجلاله، وسحره وبهائه، وأبلغ الضرر على نفوس الأجيال الناشئة، أن تلجَّ في هجران ركازها اللغوي النفيس.
ولكن – بفضل الله ومنّه – ما هم بضائريها ما أطَّتِ الإبل!! لأن ما أَتَوه، شنشنة ضعاف الملكة، من الذين أعيتهم القريحة عن بديع القول وعيونه، ورائعه وفنونه.
وسِعتُ كتاب الله لفظا وغاية وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنســيق أسماء لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدُّر كامن فهل ساءلوا الغوَّاص عن صدفات؟
وعليه، فإن على الأمة الإسلامية عامة – وقد شرفها الله بهذه الثقة المميزة-: في وزاراتها، جامعاتها، معاهدها، مدارسها، مؤسساتها، وسائل إعلامها، والمجامع اللغوية خاصة، أن يَهبُّوا لإحياء اللغة ومكانتها الشرعية والتأريخية في النفوس، وأن يبوئوها مكانتها السامقة الرفيعة، وزبيتها الشماء المنيعة، في شتى الميادين: العلمية والدعوية، والإعلامية،وأن يجتثوا الضعف الذي اعتراها، جرَّاء تفريطهم واثِّقالهم دون نصرتها، لتحقيق آلق نضرتها، واثقين بكل مُنَّة، ودون مِنَّة، أن لنا مجدا لغويا يجب أن يعود، وسؤددا لسانيًّا ينبغي أن يسود.
أئمة اللُّغة الفصحى وقادتها ألا بِدارًا فإن الوقت كالذهب
رُدُّوا إلى لغة القرآن رونقها هيَّا إلى نصرها في جَحْفل لجب
ولأجل هذا المقصد العظيم، وهذه الأمنية المجيدة، (انبرت نخبة من الغُيُر وكوكبة من المحبين للغتهم وشريعتهم لإحياء هذا المجد المؤثل عبر عمل مؤسسي مؤصل، ومنهم) الأخ الكريم الدكتور/ عبدالعزيز بن علي الحربي – الذي بادر في همة فولاذية – لإحياء ما دَرس من لغة الضاد وآثارها، ولانتشالها من وهدة الأخطاء الشائعة وعثارها، يدافع عنها ويذود، ذَوْدَ الأم الرؤوم عن وليدها المروم، من خلال تأسيسه لمجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية، الذي تنكَّب بفكرته الرائدة ، كلَّ مَهْيَع مطروق، وأتى فيه بكل ما يبهج ويروق. وإنه –وفقه الله- لأهل لذلك، إذ خصَّه المولى – عز وجل – بِعُلُوِّ الكعب في اللغة العربية وعلومها، مع مُكنته ورسوخه في كثير من الفنون – نفع الله به (وبارك في جهوده).
وإذ أشكر لفضيلته جهوده الوثابة، وأقدِّر غيرته الوهاجة على لغة القرآن العزيز، (لأقدم من الدعاء أوفره، ومن الشكر أعطره لولاة أمرنا الميامين وعلمائنا الربانيين الصادقين، كما أشكر كل من أسهم في دعم هذا المجمع المبارك، وأخص) رجل المآثر الخيرية، والأعمال السنية، الأستاذ/ مشعل بن سرور الزايدي – وفقه الله – سائلا المولى – تبارك وتعالى – أن يجعل ذلك في موازين حسناته. داعيا الجميع لشد أزر هذا المجمع الفتي، بقوة: – كي يجعل بين الأمة وضعفها اللغوي ردما – : قوة العون والتسديد، والرفد والتأييد؛ ليسمو المجمع إلى معارج الإفادة والإمتاع، ومدارات التفوق والإبداع، وليس ذلك من باب: تسألني بِرَامَتَيْن سَلْجَمَا، ولكن : وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا.
وفَّق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وسدَّد الخطى، وبارك في الجهود، وكلَّل الطموحات بالتوفيق والنجاحات، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه. وصلَّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب
أ.د/ عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس

إمام وخطيب المسجد الحرام


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *