نِظَامُ الْإِيقَاعِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ=11 – أ.د. محمد جمال صقر


نِظَامُ الْإِيقَاعِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ=11 – أ.د. محمد جمال صقر



نِظَامُ الْإِيقَاعِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ=11
سجلتها وفرغتها وهذبتها
الأستاذة نهاد مجدي
gaheza584@yahoo.com
بمرحلة الماجستير
قسم النحو والصرف والعروض، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
************************************************** ***************
في النهاية أوصى بتوصيات لنا لابد أن نراعيها :
الأداء ، لأنك إذا أديت أداء قراء لن تصل إلى شيء ، وكان أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين كان يعكس في بعض المحاضرات ، يعكس يتندر على حملة القرآن حين يؤدون الشعر، وبالله ، مازلت أذكره في المدرجات الكبيرة يُجَوِّد معلقة امرئ القيس :

قفا نبْكِ منْ ذكرى حبيبٍ وَّمَنْزل .

والدكتور عبد الصبور من حملة القرآن والمُحَكَّمين ، فكأنه يقول لك انتبه ، للشعر إنشاد، وللقرآن تجويد ، وللنثر خطابة ، ولكلٍّ من هذا طريقه ، فأستاذنا يقول لك إذا أردت أن تنتبه إلى هذه الأنغام فلابد من أن تؤدي القرآن أداء الشعر بطريقة ما، أما أداؤه على الطريقة المعهودة فهذه كما ترى ، أستاذنا نفسه قرأ بعض الآيات بالطريقتين ؛ بطريقة (فمنْ شاء فليؤمن وَّمنْ شاء فليكفر) مستحيل أن تصل إلى الطويل ، مستحيل !

كذلك أوصانا بالفريق ، وهذا الذي كنا نتمناه ، يا شيخ محمود ، في أول الفصل كنا نقسم القرآن على الشباب ، وفشلنا ، وانتهينا في النهاية إلى الاكتفاء بسورة البقرة التي زعموا أنها ليس فيها شيء ، فجئتكم برأس الأمر وملاكه وذروة سنامه يدلكم على مئات المواضع في البقرة، إلا إذا جاءونا بأسئلة بني إسرائيل ، إلا إذا استشكلوا علينا بأسئلة بني إسرائيل ؛ ما هي ، إن البقر تشابه علينا ، فإذن حاجتنا إلى فريق حاجة مؤكدة .

ثم من أطرف ما ختم به – وهو ختم على طريقة المحاضرين الكبار طبعا – قدم هذه الطرفة للدكتور السمان في النهاية ، هذا الكتاب مدهش هذا الكتاب ! تدرون ما الذي تذكرت ؟ تذكرت تخميس الشعر ، لدينا في الشعر شيء يسمى التخميس ، يعني يأتي إلى بيت مثلا:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل .

فيقدم بين يديه ثلاثة أشطار على طريقته ، كأنها حاشية بين يدي الملك ، هكذا كنا نشبهها ، حاشية بين يدي الملك ، ثم يأتي البيت ، فأستاذنا الدكتور السمان كأنه خمس الآيات ، فيقدم أربعة أشطر من عنده ، ليكون الخامس جزء الآية .

أ.د. سالم عياد :
وليس ملتزما بالأعداد ، كما قلت ، بما فتح الله عليه به ، بيتين ، ثلاثة ، أربعة ، خمسة ، الله أعلم .

أ.د. محمد جمال صقر :
حتى هذا عندنا ، عندنا تثليث وتربيع وتخميس ، كل هذا يسمى عندنا شعر المشطرات ، شعر المشطرات يا جماعة المبني على هندسة الأشطر وكما يتفق ، طبعا هذا تجلى وتطور وتألق في الموشحات، وكل هذا لم ينجح كثيرا ، فوضع الدكتور السمان منه ديوانا كاملا بهذا الحجم يدل على عزم وهمة ، ويبدو أنه من أهل الله ، من أهل الإحساس الخاص بالآيات ، رأينا هذا في أهل الله الذين يحسون بالقرآن إحساسا خاصا ، فيزينون به الشعر .
أ.د. سالم عياد :
الجزآن شعر ديني .

أ.د. محمد جمال صقر :
رأيتم ! يعني فيه معاني الصوفية .

أ.د. سالم عياد :
لا فيه غزل ولا مدح ولا هجاء إلا المدح لسيدنا رسول الله وآل البيت .

أ.د. محمد جمال صقر :
يعني هذا متبع – يبدو – عند المتصوفة ، من كبار الصوفية الذين قرأت لهم أبو مسلم العماني، هذا مشهور ، وكتبت عنه ، مثلا يكتب لك قصيدة في ألف وخمسمئة بيت ، كل بيت آخره لا إله إلا الله ، كل بيت ! آخره لا إله إلا الله ، هذا معروف عند الصوفية عند السالكين، أبو مسلم البهلاني ، ويقال العماني أبو مسلم، هذا من عصر شوقي ، ليس بقديم ، هو من عصر شوقي ، وهو أكبر شعراء عُمان على الإطلاق ، وكان يتدفق بالشعر ، وعاش في زنجبار ، تعرفون زنجبار هذه التي كانت تملكها عمان ، وفتحتها ، وحكمتها ، وتنقل بينها وبين عمان ، ولعمان مدرسة في التصوف ، للعمانيين مدرسة في التصوف ، هذا من كبارها، فانظروا ، يبدو أن الدكتور السمان من هؤلاء كذلك .

الآن أنا أريد أن أسمع ، لكي لا أستولي على المحاضرة . تفضل أستاذ محمد كمال .

أ.محمد كمال (أحد الطلاب) :
أشكر أستاذنا الدكتور محمد جمال على استضافته أستاذنا الدكتور سالم ، وأعتقد أن هذه المحاضرة كانت مغنية وممتعة ومفيدة في نفس الوقت ، ولم نشعر فيها بالوقت بصراحة ، لكن لي سؤال واحد ، أنا أعتقد ، وهذا رأيي ، ربما أكون مخطئا ، إذا قرأنا القرآن بالوزن العروضي أعتقد أننا بذلك أخرجناه عن كونه قرآنا ، وإذا قرأناه بترتيل وتجويد أخرجناه عن كونه شعرا .

أ.د. سالم عياد :
القارئ للقرآن الكريم المؤمن مهما تملكته الشاعرية ، وقرأ القرآن بأداء شعري لا يخرجه عن كونه قرآنا ، أنا بدأت كلامي بأن البيان العربي ثلاثة أنواع : شعر ، ونثر فني، وقرآن كريم ، ليس قرآنا فقط بل قرآن كريم ، فلا أعتقد أن القارئ للقرآن الكريم أو الذي يؤدي القراءة أداء شعريا أخرجه عن كونه قرآنا ، كيف ! هو قرآن قبل كل شيء ، لكنه يتميز بأنه جمع فنية الشعر وفنية النثر الفني معا ، فأنت تقرؤه بروح القارئ للنثر الفني وهو ليس نثرا فنيا ، أليس كذلك ؟ أليس قرآنا كريما متفردا ، نص متفرد من الذات العلية – سبحانه ، وتعالى! – فلا هو نثر فني ، ولا هو شعر ، اقرأه كما شئت ، لكن لا يخرج عن كونه قرآنا كريما ، والمسألة مسألة عقدية ، ليست مسألة ميول فحسب ، لا ، العقيدة هي التي تحكمني وتحكمك ، العقيدة ، وأنت تقرأ القرآن الكريم لِمَ تُدهَش حينما تقرأ نصا قرآنيا وتكتشف فيه أمرا ما ! ومن العلماء الدكتور زغلول النجار قرأ القرآن ، فاستوعبه، فأخرج منه ما لم يخرجه أحد من علماء الكون ، هل هو أخرجه عن كونه قرآنا !

الطالب نفسه :
لكن هذا استنباط ، الدكتور زغلول النجار هو يستنبط .

أ.د. سالم عياد :
طيب ، ما الذي أوحى إليه بهذا الاستنباط ؟

أحد الطلاب :
لكنه لم يتطرق إلى اللفظ القرآني .

أ.د. سالم عياد :
لا ، وقف عند اللفظ وقوفا جيدا .

أ.د. محمد جمال صقر :
على أية حال ، يا جماعة ، حتى الشعر نفسه أشاروا فيه إلى مذهبين من مذاهب أداء الشعر ، مذهب الفصحاء الذين لا يشعرون بالموسيقى ، ومذهب المغنين ، فأما الفصحاء فيعنيهم ضبط اللغة وإجادتها ، فإذا اختلف لديهم وضعان للكلمة بين زحاف يخرجها عن اللغة وتسليم اللغة آثروا الوضع ، وقد أشار إلى هذا ، مثلا ، المعري :

أبيت على معاريَ فاخرات بهن مُلَوَّب كَدَمِ العِباط .

قال فأما الفصحاء فيقولون : أبيت على معارٍ ، وأما المطربون المغنون فيقولون : أبيت على معاريَ ، كذلك القرآن ، أنت تؤدي ، أنت لاتَكْرُب نفسك ، أنت تؤدي ، فحيثما اتجهت نفسك اتجه الإيقاع ، وأحيانا يستقيم هل محمد رفعت مثلا – رضي الله عنه! – في أسلوبه الأدائي هذا يؤدي كما يؤدي سائر الناس ! أحيانا يتكون لديه أداء يثير موسيقى غير معهودة عند الناس ، ثم لماذا تنسى ما يسمى بالإعجاز! الآية يختلف الناس فيها ، فهي تثبت نفسها ، تثبت خصوصيتها ، تثبت استقلالها عن الشعر باختلاف الناس الشديد فيها واختلاف الميول. رأيت !

ثم من ؟ تفضل .

أحد الطلاب :
تخوفنا عندما سمعنا العنوان ، لكن بعد المحاضرة أنا أظن أن دراسة القرآن من جانب الإيقاع فيه تدليل على إعجاز القرآن ، بدراسة القرآن من جهة الإيقاع نثبت نفي الشعرية عن القرآن .

أ.د. سالم عياد :
جانب آخر من جوانب الإعجاز البياني كما قلت .

الطالب نفسه :
وكنت أقرأ الآية أو الآيات التي تحدى الله – عز ، وجل ! – فيها الكفار بأن يأتوا بمثل القرآن ولم يستطيعوا ، ربما زاد فهمي لها الآن .

أ.د. محمد جمال صقر :
الله يكرمك ! صحيح ، عبد الرحمن .

أ.د. سالم عياد :
الله يبارك فيك ، تسلم يا ابني !

عبد الرحمن (أحد الطلاب) :
أولا أشكر أستاذي على هذه المحاضرة ، وأريد أن أقول إن ذكر القرآن الكريم للشعر والشعراء ليس فيه ذم بل هو تنزيه للشعر عن سائر فنون القول عند العرب.

أ.د. محمد جمال صقر :
تنزيه للشعر أم تمييز للشعر ؟

الطالب نفسه :
تمييز وتنزيه للشعر عن سائر فنون القول ، فلم يكن الشعر وحده هو الفن الموجود عند العرب، كانت الخطابة ، وغيرها .

أ.د. سالم عياد :
وقبل الشعر وقبل الخطابة سجع الكهان ، أول الفنون العربية .

أ.د. محمد جمال صقر :
نظرية أستاذنا الدكتور في هذا الكتاب أن الأمور صارت على هذا النحو : سجع كهان ، ثم رجز ، ثم شعر ، توالدت ، هذا شيء مثير ، اختلف الناس طوال السنين الماضية كيف نشأ الشعر؟ وحاروا ، وأنا لي كلام في هذا ، لكن هذا لطيف جدا من أستاذنا ، بارك الله فيك !

أ.د. محمد جمال صقر : سارة ، المذيعة !

سارة (إحدى الطالبات) :
بسم الله ، أولا أشكركم على حسن المحاضرة . الشيء الذي كان يؤرقني منذ سنتين أني فكرت في أمر قوله- تعالى! – : “بلسان عربي مبين” ، فقلت سبحان الله ، مادام القرآن أنزل بلسان عربي مبين فما مقومات اللغة العربية التي أنزل بها القرآن ؟ فاستوقفني قول الله- تعالى ! – “وإذا مروا بهم يتغامزون” ؛ فوزنته على الوافر ، فقلت إذن فمن ضمن مقومات اللغة العربية النظام الإيقاعي ، لكني تحاشيت أن أبحث هذه المسألة ، أنا الآن أقدم لكم الشكر وجزيل الشكر لأني أصبحت أكثر شجاعة لكي أخوض مثل هذا البحث ، ولكني أتساءل فقط هل لي مثلا أن أُوَثِّق هذا بكلام بعض الأدباء مثلا ؟ وأنا فعلت هذا ، واستخرجت ، عندما كنت أقرأ في كتب الأدباء ، وجدت بعض الجمل والمقتطعات التي تكون موزونة تماما ، وخرجت من هذا بنتيجة ، هي إذا كثر العروض في كلام فلان فهو فصيح متأدب .

أ.د. سالم عياد :
والله معنى جديد ! أشكرك يا ابنتي لأنك وضعت أيدينا على أمر كنا غافلين عنه ، هو أن الخطيب مثلا حينما يخطب أو المتحدث أو الكاتب حينما ينغم ما قال نستحسن منه ذلك ، فلم نستحسنه من الناس ولانقبله في القرآن الكريم ؟

الطالبة نفسها :
لكني وجدت أن المقارنة بالقرآن قياس مع الفارق ؛ فانصرفت عن هذا ، فهل في انصرافي هذا شيء ؟

أ.د. سالم عياد : لا ليس فيه شيء .

الطالبة نفسها :
كيف أُقْدِمُ على توثيق الكلام العربي ومدى فصاحته بزيادة التراكيب العروضية فيه؟

أ.د. سالم عياد :
التراكيب العروضية إذا وجدتِها في القرآن الكريم هي تزيدنا حبا فيه ، وتعلقا به ، وحفظا له، هذه هي الميزات في هذه المسألة فقط ، لكن القرآن أعلى قدرا من الأنغام الشعرية ، وأعلى قدرا من أي علم آخر ، فتأصيل هذه الموسقة بالقرآن الكريم يفيد الموسقة أكثر مما يفيد القرآن.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *