الفتوى (14): ما أسباب عدم الاستفادة من مقررات اللغة العربية في مدارسنا وجامعاتنا؟


الفتوى (14): ما أسباب عدم الاستفادة من مقررات اللغة العربية في مدارسنا وجامعاتنا؟


السائل (عبدالعزيز حسن):

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سعادة د. عبدالعزيز الحربي .
سؤالي هو:لماذا لا نستفيد من مقررّات اللغة العربية في مدارسنا وجامعاتنا ؟
وجزاكم الله خيرا.

 

الإجابة:

(1)
هذا سؤال يدور على ألسنة الغيارى، يعتلج في صدورهم، وسأجيب عنه بتوسّع، وأضع في الإجابة الداء والدواء، والمشكلة والحلّ، بحسب ما أفهم وعلى قدر ملكتي وغاية علمي .
إنّ شكوى أبنائنا وبناتنا بلسان حالهم وقالهم من صعوبة مقرّرات النّحو، أو من ضعف أساتذتها، أو من سوء طريقتهم في تدريسهم، أو من جفائهم في تعاملهم، أو قلّة اعتنائهم بها وبطالبيها، أو الجهل بأسرار جمالها ومخبوء محاسنها، أو كلّ ذلك، أو جلّه، أو غيره .. إن شكواهم من ذلك كله قائمة مرفوعة في ديوان جليل، في محكمة سيبويه والخليل، ولقد أذكرني سؤالك هذا بسؤال سَألتُه منذ سنين وطرحته مرات، وهو : ما بالنا نعلم أبناءنا مادة النحو من السنة الرابعة الابتدائية إلى آخر سني تعليمه، ولا يخرج منها بشيء، أو لا يخرج منها إلا بتحصيل قليل لا يوصله إلى مرتبة نصف نحويّ (ونصف نحويّ يفسد اللّسان) كما قيل، وربّما خرج حانقا عليها، أو وصمها بالعقم ؟! وقلت لأحد الطلبة : أيُّما أيسر لديك، تعلّم اللّغة العربية أم تعلّم لغة أخرى ؟ فبادرني بالجواب ولم يتلكَّأ، قائلا : إنّ تعلّم لغة بل لغتين أجنبيَّين أيسر عليّ وأنفع، وبالأمس القريب سألت طالبًا عربيًّا ممن كان أجداده يستشهد بكلامهم، قلت له :كيف علمك باللّغة ؟! قال لي : أيّ لغة .. قلت : العربية، خطر بباله لغة أخرى؛ لأن العربية صارت بعيدة عن الأذهان لا تتبادر إليها إلا بقرينة أو وصف ،ولا ينصرف إليها عند الإطلاق، ونحن لا نعيب على من تعلّم أيَّ لغة من اللغات الأخرى إذا كان في تعلمه ما ينفعه في دينه أو دنياه، فاللّغات كلها من خلق الله، واختلاف الألسنة من آياته، وإنما نصبّ أنواع العتاب على من زهد في لغته ولغة دينه وكتاب ربّه الذي يزداد معرفة به وإيمانًا حين ينوخ ببابها، ويغوص في لجج بحارها وعُبابِها، ويذوق حلوَ فراتها وعِذابِها، ويرشف من ماء ظَلْمها ورضابها، ولهذه المسألة تتمة جواب، من ثمانية أبواب .

(2)
إنه لما كان السؤال كبيرا احتاج إلى جواب كبير، وقد وصفنا في جزء الجواب الأول حال أبنائنا مع النحو والصرف، وكيف صرفت أبصارهم وبصائرهم عن وجهها النَّاضِر وجمالها الباهر .. وتشخيص الداء هنا في ثلاثة مواطن : (الطالب، والمعلم، والمنهج)، فأمّا المنهج فقد اجتهد من وضعه وحاول التيسير فيما وضع، ولكنّه حين وضعه لم ينظر إلى المنهج في جميع المراحل بتدرّج دقيق، والواضع في المراحل الأولى غير الواضع في المرحلة المتوسطة وما بعدها، فاجتهدوا مأجورين في شرح المسائل وبسطها بتغيير في الأمثلة وشيء من البسط في الشرح، واعتنوا بتلوين الكلمات إلى خضراء أو حمراء أو زرقاء، وبأساليب مختلفة، وصرفت الأذهان جملة وتفصيلا عن تصانيف النحو القديمة، فلمّا ارتقى الطالب إلى مرحلة الجامعة نظر إلى ما حصّله في دراسته فيما مضى فلم يجده شيئا، ووجد شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك في النحو والصرف، لم يسمع به من قبل، أو سمعه ولم يقرأه، ولم يعتد على قرءاة النظم وأسلوب المتقدِّمين، وأبصر فجوة واسعة بينه وبين ما بين يديه من هذه الكتب التي يقول له من يدرِّسها : لا بدّ أيضا من الرجوع إلى هذه الكتب، كتاب كذا لابن خروف، وكتاب كذا لابن عصفور، وكتاب ابن جنّي، وكتاب ثعلب، وربّما كلَّفه ببحث أو بحثين في فصل دراسيّ يذهب ربعه في حذف وإضافة، وربعه في تحضير وتغييب وتقريع وتوبيخ، وربعه في اختبارات لاداعي لها، وقد يذهب ربعه الباقي في تأخر الأستاذِ وغيابه بعذر أو بغير عذر، وربما كان عدد الطلبة في قاعة الدّرس سبعين أو ثمانين أو أكثر، ولدى الطالب البائس عشر موادّ أخرى، يروح من أجلها ويجي، ويستجيش ويلتجي، فإذا جاء موعد الاختبار –ويكون غالبا مصاحبا لمباراة في كرة القدم عالمية أو محلية أو إقليمية– عمد إلى الكتاب المقرر فنزعه من جلده، وانتزع أوراقه التي قيل له : هي المطلوبة في الامتحان، فذهب –إن كان من الجادّين- يعكف عليها يتجرّعها ولا يكاد يسيغها.

(3)
إنّ ذلك الذي دَرَس النحو والصَّرف على نحو ما ذكرته في الحلقة الثانية ونجح بالمذاكرة الجاهدة، أو الفطنة إلى ما نبه عليه مدرِّس المادة، أو بالحظ، أو بإعادة المادة .. إنه هو الذي أصبح مدرِّسا، احتاج إلى الوظيفة، ووسيلته لأكل العيش شهادته في تخصّصه الذي قد يكون ملجأ إليه، ولسان حاله يقول وهو يدخل إلى كليته چ ﭥ ٹ ٹچ [الأعراف:88 ] ؟ وهم يقولون له : (ادخلنّ مع الداخلين) ألم تعلم – ياعبدالعزيز بن حسن- أن في بعض جامعتنا يُزَجّ بالطالب الذي يعشق التاريخ إلى قسم التربية، ويحشر محب اللغة مع طالبي التاريخ، ويزجّ بطالب الشريعة إلى قسم التربية الفنية ؟ وربما قيل للطالب : ليس أمامك إلا قسم القراءات، فانظر في أمرك .. هكذا تقتل المواهب، ويُقضى على الملَكات، وتصفع الوجوه، وبعبارة مختصرة : سياسة تلك الجامعات هي النظر إلى حاجة القسم لا إلى حاجة إلى الطالب ورغبته، فما كان من الأقسام فارغا أو ناقصا قذف بالطالب أو الطالبة فيه، فيخرج بذهن فارغ، وعلم ناقص، وإخواننا التربويّون –عفا الله عنا وعنهم- لم نجد من كثير منهم إلا كثرة الكلام في غير فائدة،ولم نجد منهم عملا يفرض الخطط بقوةجدواه وصدق دعواه، لاسيما ما كان عن تجربة منقولة عن غيرنا، فمنهج التربية والتعليم في بريطانيا –مثلا- يراقب فيه الطالب منذ أن يكون في الروضة إلى المرحلة التي بعدها، يتابع الموجّهون والمربّون ملكات الطفل ويقرءون مواهبه، وترفع التقارير عنه إلى مرحلة التخصص ثم يضع نفسه في المكان المناسب، فإذا رأى المربّون أنه لا يصلح للتحصيل وأنه يصلح للعمل المِهْني نصحوه به ووجهوه إليه، فأعطى هذا مما عرف، وأعطى ذاك مما غرف، وانتفع البلاد والعباد، فلا ترى إلا مصانع تصنع، ومطابع تدفع، والحكيم الخبير أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فمن اهتدى إلى الأسباب وعبر بها إلى درْبه، ظفر بإرْبِهْ، ومن تركها أو وضعها في غير موضعها تعس وانتكس، وكان من الخاسرين.


(4)
لا علينا أن نعذِل من يعذُر المدرِّس الّذي وضع نفسه في مكانٍ ليس له، وارتقى مرتقى ليس له أهل، وفي اختلاق الأعذار له بأنه ثمرة منهج وتدريس لا يخرِّجان إلا مثله إلا ما ندر، وعذلنا- أي لومنا – له بسبب أنه أخل بالأمانة، لأنه يعلم قدره وحصيلته فآثر الحياة الدنيا وقدّم مصلحة المعيشة على مصلحة الناس، فضاع وضيّع، أو كان كفيئًا ولكنه لم يؤد الأمانة التي اؤتمن عليها وأهمل واجبه في إفهام تلاميذه وترغيبهم وتحبيب اللّغة العربية إلى أنفسهم وتزيينها في قلوبهم، وفي النوع الأول يقول الشاعر :
تصـــدّر للتدريس كلُّ مهوِّس بليدٍ يسمَّى بالفقيه المـــــدرِّس
وحُقَّ لأهل العلـــم أن يتمثلوا ببيت قريص شاع في كل مجلس
وقد هُزِلت حتى بدا من هُزالها كُلاهـــا وحتّى سامها كلّ مفلسِ
ذكر هذه الأبيات ابن الأثير في الكامل في التاريخ .
وأما النوع الثاني فأقول فيه :
إذا كنت تــدرِي أنَّ علــــمكَ قاصرٌ عـــن النحو والتصريف والفقه فاجلسِ
ببيتك أو فـتِّـش عن العمــــل الذي يناسب مـــا تهــــــواه غير مُــــدلِّسِ
نعَــــمْ وارتقبْ مالا حلالا أو اتَّجرْ أو احمل أو احرُثْ هذه الأرضَ واكنِسِ
فذلك خـــــير من خيــــانتك التي سترديك في وادٍ مــن السُّحت أمـــلسِ
يراك بــــــه يوم التغــــابن ثُلَّــــةٌ رأوا فيك ذا عـــــــلمٍ وشيخَ تفـــرُّسِ
تناديـهم والرّجـــل تَزلَـــقُ والورى بــــــه بين مَن يكـــــبو وبين منكِّـسِ
ومن يتَّق المـــــولى يجدْ مخرجًا له ويَرزُقْـــــه ربّي وهـــو لم يتوجَّــــسِ
وما نقله صاحب الكامل، صادق على كل زمان، ولعله في زماننا أكثر، وفي أزماننا وبلدنا أكفاء كرام .


(5)
إن أشدّ ما يلاقيه الطالب في دراسته لقواعد النحو والصرف هو الانفصام بين ما يدرسه في فصله وبين ما يسمعه ويتخاطب به في بيته ومجتمعه، بل في مدرسته، بل في فصله، بل من أستاذ اللّغة العربية نفسه، كأنما يدرس لغة أخرى في غير موطنها، واللغة بنت المحاكاة، ولقد تنادى رجال من الغيارى بالالتزام بالفصحى في ميادين العلم وفصول الدّرس، فلم يستجب لهم عند ذاك مجيبُ، فأصبحت دراسة اللّغة وجدواها كمن يتعلّم السّباحة في الماء في كتاب يقرأه، ولم يَسْبح قطّ، ولا غمر نفسه في ماء، أو كمن يتعلم قيادة السَّـيَّارة، ولا يعرف منها إلا ركوبها .
ولو فزع المعلمون إلى تلقين الطلاب نصوص ما تيسر لهم من كلام الله وكلام رسوله، وكلام البلغاء بفصاحة وإعراب لوصلوا إلى الغاية من أقرب طريق وأخصر سبيل، ولأحبوا لغتهم حبّ غرام، فإن الوسيلة إذا كانت عسيرة ثقيلة لم يستطع أن يسلك بها صاحبها إلى غايته ومراده، وتربية هذا الحسّ في الطفل وتنشئته عليه يرقى به إلى درجة الفصاحة والبيان، ألا ترى أن الناس يتفاوتون في مسألة السلامة من الخلل في الإعراب حين التكلّم مع استوائهم في عدم معرفتهم بقواعد الإعراب ؟ وكم من إنسان يعرف تفاصيل قواعد الإعراب ويحفظ فيها كلاما ومتونًا، ولكنه خائب غائب عن السلامة في النطق، وقد ضربت مثلا لذلك منذ زمن لبيان أنّ اللّغة ما هي إلا محاكاة، وقلت : لو جمعنا عددا من الأطفال من أبناء العجم قبل نطقهم وعزلناهم في مأوى لايخالطهم فيه أحد من الناس، سوى نفرٍ من الفصحاء الحاذقين باللّغة، ولم يسمع أولئك الصِّبية إلا ما طرق آذانهم من كلام العرب المثبوت في أشعار الجاهليين ومنثورهم، فإنهم سوف يخرجون كما خرج أبناء العرب الأقحاح في عصر الجاهليين.. إنّ عامًا واحدا يكفي للوصول إلى الغاية بدل هذا الحشو الذي يرهق الأذهان، ويضعف الولدَان، ويطيل الزمان، ولا يتيقظ به الوسنان .


(6)
إنّ الفصل في فصل الدّراسة بين ما يتعلّمه الطالب في فصله وبين ما يمارسه نطقًا وسماعًا في بيته وسوقه وطريقه وسائر الميادين .. إنه فصل يولج الاختلاج في الطبيعة، وليس لذلك من دواء إلا أن يجعل ما يتعلّمه وينطق به في قاعة التّعليم هو الأصل الأصيل، وأن بعض ما يقوله ويسمعه في سوى ذلك يخرج فيه على سبيل التسمّح والمداراة للناس ولنفسه رفعًا للحرج ودفعًا للكُلفة، على أنني لم أشهد في حياتي من يأنف من الاستماع للفصحى ويعذل ملتزمها،سواء في ذلك الخاصّة والعامّة، بل إنها إذا سمعت من لسان يساقط الكلام بسلالة وسهولة، طربت لها الأسماع، وعَذُب فيها الإيقاع، وفهمها المخاطب سواء الحاضرُ في ذلك والباد، وراعي الماشية وصاحب (الآيْ بادْ)، ولن تبهم على السامع ما دامت معرفته بادية، ولتجدنّ أشدّ الناس عداوة للفصحى والفصاحة والفصحاء هم الأدْنين من ركام الثقافة الساخطة على لغة الضّاد، من كل عتلٍّ مضاد، وكلّ من أصابته لوثة الدعوة الناعقة باطراح الفصحى والعدول إلى العامّيّة؛ لأنها في زعمهم هي الأسهل والأيسر، ولا والله ما كانت قط يومًا من الأيام هي الأيسرَ ولا الأسهل؛ إذ كيف يكون الأسهل ما لا تنضبط قواعده، ولا تجمع شوارده، ولا يضَمُّ شمله، فإنّ عامّي الصعيد لا يفقه ما يقوله عامّي المغرب، وعامّي اليمن لا يفقه ما يقوله من بَعُد عنه، وهكذا، ولا حَلَّ لهؤلاء كلهم إلا أن تكون الفصحى لسانا حاضرةً يديرونها بينهم، أولم يكفهم انّ الله أنزل هذا القرآن للناس كلهم والجنّ معهم يتلى عليهم ؟ وأخبر –سبحانه- أنه يسره على اللسان فقال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [سورة الدخان 58] وقال : {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ } [القمر17] قال ذلك (أربع مرات) .
إن الفصحى والالتزام بها هي وسيلة من وسائل اتحاد العرب واجتماع كلمتهم وهي أيضا نذير لنظيرهم من أعدائهم حين يرى دليلا صوتيا يشهد على وحدتهم، وهو نوع من الاعتصام بحبل الله، وحبله هو القرآن، والقرآن باللسان العربي .


(7)
إنّ السبب الأكبر الذي أحدث فجوة أو جفوة بين الطالب وبين ما يدرسه من علوم اللّغة وغيرها هو إهمال التطبيق في التخاطب والكلام، كما تقدّم، والسّبب الكبير هو مزاحمة العلوم وإرهاق الأذهان في يوم واحد بخمس أو ستّ موادّ، وكنّا نقرأ في المرحلة الثانوية ثمانية عشر علمًا في الأسبوع، ولكأنّ كلّ علم يقول للآخر – وهو في ذهن الطالب – : إما أن تضمَّني إليك وحدي أو أخلي لك المكان، ومن المعلوم أن العلوم إذا تزاحمت سقطت كلها، ولابدّ أن يخرج التّوأمان حين خروجهما واحدا بعد الآخر، فإن استبقا الباب فلن يخرجا، وسيموتا قبل موت أمّهما، وتلك الطريقة لا تكسب الرسوخ ولو مارسها من كان من أذكياء العالم، فإنّ الفوضى في طلب العلم لا تخرج إلا علما فوضويّا لا تركيز فيه ولا تأصيل، ومن ينتفع بتلك الطريقة ينتفع بها في بعض العلوم؛ لكمال توجّهه إليها، ويخرج من البواقي بتحصيل قليل .. وكأن الذين وضعوا هذه الجداول والبرامج أرادوا أن يدفعوا وحشة الطالب من غائلة الملل فظنوا أن الإكثار يخرجهم من ذلك، فوقع الطالب في هذه الورطة التي يخرج فيها من الحراج بلا خراج، ومن البيت بلا سراج، وإنّ السائل ليسأل : لماذا لا تجرَّب طرق أخرى جريئة في التّدريس والمناهج ؟ ولماذا تُجرى في كل بضعة أعوام مرّة أو مرّتين تجارب مشابهة تمشي على استحياء ؟
لماذا – لو أردنا النّصح والنفع لأبنائنا وبناتنا – لا نكتفي في كلِّ عام بثلاثة علوم أو أربعة متشابهة يدرسها الطالب ويجتهد فيها، فيخرج آخر العام وقد هضمها، ثم يعود لدرسها في مرحلةٍ ثانية فيتقرّر لديه ما تكرّر، فإذا درسها في الجامعة درسها دراسة الراسخ الواثق بما حصله فيما خلا، وانتفع بذلك انتفاعا تامّا .. ولن تمشي هذه المقررات بهذه الطريقة على استحياء، بل سوف تجري بهم في موج كالجبال، وتستوي بهم على شاطىء النجاة .


(8)
إنّ الهمّ فيما سألت عنه لكبير، وما هو بكبير إذا جمعت الإرادات وصدقت العزائم، وروعي في المنهج والطريقة ما نعيشه اليوم في عصرنا هذا من تزاحم العلوم، وتفجر المعارف، وتوسع الثقافة .. إنّ أكبر خطإ يرتكبه المسئول في تدريس هذا العلم هو التشديد والظنّ بأنّ الطالب لا يكثر تحصيله إلا بأن يَغلُظَ عليه المعلّم ويشدّ وطأته عليه ويريه العين الحمراء، ويطلب منه أن يكون مثاليًّا، ولا يرضى بأن يدخل فصل الدراسة بعد دخوله، ثم يطرده إذا هو غفل عن درسه، كما يُطرد ابن آوى، وربّما أمره بإخراج كرسيّه معه كي لا يذكّره به، وإذا أراد أن يعتذر قال له : اسكت ورفع صوته، فلم يعتذر عذر البريء ولم تزل به حُبسة بل غُصّة، ولم يدر كيف يجيب، فمثل هذا الطالب يخرج من المرحلة التي درس فيها وهو ناقم على لغة الضاد وأستاذها، والمشاهد لذلك الموقف لابدّ أن يؤثر فيه ويُقذَفَ في نفسه طائفة من عاطفة نحو زميله ويبقى في ذهنه مشهدٌ أسود وصورة دميمة، وأما من أعجبه ذلك فسيقلّد أستاذه حين يَكبرَ ويصنع كما صنع، وهل كان أستاذه إلا مقلّدا لأستاذه، ولانتكلّم ههنا بإطلاق ولاتعميم، فقد يكون في الواقع صورة نادرة يجد فيها الحليم نفسه قاسية أمام طالب قلّ حياؤه وقلت الحيلة في تربيته، وكلامنا عمن اتخذ ذلك منهجا وقانونا، وقد قال الله لنبيه :” وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ” [آل عمران: 159] والقصد أن الأصل في نجاح التعليم وانتفاع الطالب يعود إلى أمرين: منهج ميسّر يضمّ جوامع القواعد في تدرّج، وعلى طريقة يُحفظ بها مسائل العلم كما يحفظ رأس المال، ومعلّم خبير يطلع على الأفئدة ويفطن إلى معرفة قدرة كل طالب وملكته واستعداده، فيغرس فيها محبة هذا الفن غرسًا مثمرًا ولعل في هذا الجواب المقتصد ما يسكَّن اللوعة التي يجيىء عنها هذا السؤال وأمثاله.
والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا به.

أ.د. عبد العزيز بن علي الحربي

رئيس المجمع

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *