الفتوى (11): أيهما أصح: (مظاهرة) أم (تظاهرة)؟


الفتوى (11): أيهما أصح: (مظاهرة) أم (تظاهرة)؟


السائل (مسلم الشمري): 

سمعت من أحد الأخوان ان كلمة تظاهرة غير صحيحة كونها مصدرًا غير قابل للتأنيث وبالتالي لا يجمع بالالف والتاء والصحيح استخدام كلمة مظاهرة دائما

ارجو إفادتنا للوجه الصحيح وفقكم الله

الإجابة:

تظاهرة
السؤال:
سمعت من أحد الإخوان أن كلمة تظاهرة غير صحيحة كونها مصدرًا غير قابل للتأنيث وبالتالي لا يجمع بالألف والتاء والصحيح استخدام كلمة مظاهرة دائما:
الجواب له وجوه:
أوّلا: أنّ مظاهرة مصدر أيضا. فظاهر لها مصدران مُظاهرة وظِهارا، مثل قاتل مُقاتلة وقِتالا.
ثانيا: أن التأنيث يكون في المصادر كثيرا كما في مظاهرة، واستعانة، وإجابة، وضَرْبة للمرّة، وضِرْبة للهيئة، ولم يمرّ عليّ من يمنع تأنيث المصدر.
ثانيا: أن قاعدة منع تثنية وجمع المصدر، ليست متحققة في الاستعمال إلا في حالة أن يأتي المصدر مؤكدا لفعله لا غير، وذلك أنه مؤكدٌ للفعل، والفعل لا يثنّى ولا يجمع، وأنه من قبيل اسم الجنس المبهم كالماء والتراب ونحوهما، واسم الجنس يدل على القليل والكثير بسبب كونه يدل على حقيقة هذا الجنس، والحقيقة تشمل القليل والكثير، والمصدر المؤكد مبهم يدل على الحقيقة (راجع حاشية الشيخ محمد محيي الدين في أوضح المسالك 2/ 215. فلو جاء مبينا للنوع أو العدد ثُنّي وجمع، ورأي سيبويه في المبيّن للنوع أنه لا يثنّى ولا يجمع، وأجاز ذلك نحاة كثر منهم ابن مالك مستدلا بمثل قوله تعالى {وتظنُّونَ باللهِ الظُّنُونا}، انظر الحاشية المذكورة قبل قليل.
ثالثا: إذا خرج المصدر من الإطلاق إلى التقييد، ومن المصدرية إلى الاسمية بأن سمّي به حراكٌ ما، أو معنى ما، أو ظاهرة ما، فإنه يأخذ حكم الأسماء ممّا تستحقة من تثنية وجمع ونحو ذلك، جاء في كلام بعضهم عن النحو: وحدُّهُ عندهم أنه علم مستنبط بالقياس والاستقراء من كلام العرب والقياس ألاّ يُثنّى ولا يجمع لأنّه مصدر، ولكنه ثُنِّي وجمع لمّا نُقِل وسُمِّي به.
رابعا: أنَّ جمع تظاهرة أو تظاهر، على جمع السلامة المؤنث ليس بِدْعا، فجمع مصادر الرباعي والخماسي والسداسيّ كثير. ففي مذاهب وآراء للزعبلاوي (منسوخ من الشبكة) «واستسهلوا فيما جمعوه من مصادر ما فوق الثلاثي جَمْع السلامة أو منتهى الجموع، وذلك لظهور القياس فيه. وقد استحبّوا جمع المصادر بالألِف والتاء فيما لم يُسمع جمعه عن العرب، وقد ضمِنُوا سلامة صيغته”
خامسا: أن انطباق مدلول مظاهرة وتظاهرة على هذا النوع من الحراك المسمّى بهما يحتاج إلى تأمل فيما تورده المعاجم من معان التي جاء فيها ما ملخصه:
في مقاييس اللغة: الظاء والهاء والراء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على قُوّةٍ وبُرُوْز.
وفي معاجم شتّى: والمُظاهَرَةُ: المعاونة. والتَظاهُرُ التعاون. وتَظاهروا: تَدابَروا، وتَعاوَنوا، ضِدٌّ. وظاهَرَ الرجلُ امرأَته، ومنها، مُظاهَرَةً وظِهاراً، إِذا قال: هي عليّ كظَهْرِ ذاتِ رَحِمٍ، وقد تَظَهَّر منها وتَظاهَر، وظَهَّرَ من امرأَته تَظْهِيراً كلّه بمعنى. والتَّوافق: الاتفاق والتظاهر.
فلمّا كانت المظاهرات ظهورا وبروزا لجماعة من الناس وتعاونا بينهم وتدابرا مع المتظاهَر عليه، ولما كان المتظاهرون أُولي أَسْرةٍ وقوة، وكانوا مطالِبِين بحقوقهم بطرق سلمية، ولا هدف لهم سوى تنفيذ مطالبهم، وبتنفيذها ينهون نشاطهم – لما كان ذلك كلّه كذلك – كانت تسمية حراكهم ونشاطهم هذا بالتظاهر والمظاهرة والمسيرة هي الأنسب والأقرب للدّقة، ولا يسمى خروجا أو ثورة؛ لأنّ الخروج والثورة عادة يكونان انحيازا ضدّ حاكم أو حكومة، ويكونان مسلحين غالبا ولو بسلاح خفيف، وليس لهم مطالب إلا طلب السلطة والسيطرة، أو إسقاط نظام دون أن يقبلوا منه صرفا أو عدلا، وهذا ما تجنح إليه بعض التظاهرات في كثير من الأحيان، فبقاء تسميتها بالمظاهرات غير مستقيم، وعلى كل حال فالناس كما هو واقع ظاهر في زمننا هذا يسمونها ثورات إذا خرجت إلى العنف.
سادسا: وقد كنت أظنها ترجمة حرفية غير موفّقة لكلمة: demonstration وقد تُرجمت في بعض القواميس (موقع المعاني): بالمظاهرة والثورة والانقلاب.
لكن ظهر لي – ترجمت أو لم تترجم – ارتباطها أعني اللفظة العربية بمعانيها في المعاجم، وإن ببعض التأمل.
سابعا: للفائدة فإنّ التظاهرَ – بهذه الصيغة، وفعلَه تظاهَر – بمعنى إبداء خلاف الحقيقة في شيء ما كالتظاهر بالموت، والصلاح، والنوم، والعلم، والإسلام، ونحو ذلك لم أجده صريحا في المعاجم (لم أبحث في التاج) مع شهرة مثل قولهم: كان يُظْهر الإسلام ويُبْطن الكفر، علما أنّ التظاهر بهذا المعنى هو ما عليه كثير من المتظاهرين والثوار (يطلقون عليهم: المنْدَسّين) لأنهم يظهرون الحرص على المطالب والحرية في حين أنهم يُبطنون مآرب أخرى.
أما ما جاء في اللسان (زوج) عن الأصمعي في النص التالي فلم يظهر لي معناه على الحقيقة والنص هو – مراجعا على طبعة دار العلم للملايين -: (قال بعض النحويين: أَما الزوج فأَهل الحجاز يضعونه للمذكر والمؤَنث وضعاً واحداً، تقول المرأَة: هذا زوجي، ويقول الرجل: هذه زوجي. قال الله عز وجل: {اسْكُنْ أَنتَ وزَوْجُك الجنةَ} و{أَمْسِكْ عليك زَوْجَكَ}؛ وقال: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ}؛ أَي امرأة مكان امرأة. ويقال أَيضاً: هي زوجته؛ قال الشاعر:

يا صاحِ، بَلّغ ذَوِي الزّوْجاتِ كُلَّهُمُ *** أَنْ ليس وصْلٌ، إِذا انْحَلّتْ عُرَى الذّنَبِ

وبنو تميم يقولون: هي زوجته، وأَبى الأَصمعيُّ فقال: زوج، لا غير، واحتج بقول الله عز وجل: {اسكن أنت وزوجُك الجنة}؛ فقيل له: نعم، كذلك قال الله تعالى، فهل قال عز وجل: لا يقال: زوجة؟ وكانت من الأَصمعي في هذا شِدّة وعُسْر. وزعم بعضهم أَنه إنما ترك تفسير القرآن لأنّ أَبا عبيدة سبقَه بالمجاز إِليه، وتظاهر أَيضاً بترك تفسير الحديث وذكر الأَنواء)
قوله: (وتظاهر بترك تفسير الحديث وذكر الأنواء)، أيفهم منه أنه كان يفسّر الحديث ويذكر الأنواء سرّاً ويتظاهر بتركهما أم أنّ في النصّ تحريفا أو زيادة ما.

أ.د سعد بن حمدان الغامدي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *