الفتوى (141): ما نوع (ال) في المؤمنين بقوله -تعالى-: “ويتبع غير سبيل المؤمنين”؟


الفتوى (141): ما نوع (ال) في المؤمنين بقوله -تعالى-: “ويتبع غير سبيل المؤمنين”؟


السائلة (تألق):

 سؤال للأفاضل

بالنسبة لــ ال الداخلة على الجمع في قوله تعالى:
(…ويتبع غير سبيل المؤمنين…) النساء/115
راجعت كثيرا من كتب التفسير فوجدتهم يعرفون السبيل
لكن لم أجد ما أبتغيه وهو: هل ال هنا في المؤمنين تدل على العهد؟ فيكون المقصود الصحابة رضي الله عنهم، أم تدل على الاستغراق فيدخل الصحابة رضي الله عنهم من باب أولى؟
طبعا أنا لا أشك في وجوب اتباع سبيل الصحابة رضي الله عنهم إطلاقا لكن أريد دلالة اللغة هنا على ال الداخلة على الجمع؛ لأني راجعت ما درسته في النحو من باب ال فلم أجد إلا ال الداخلة على المفرد فقط، فما شـأن ال الداخلة على الجمع
كما هنا؟
أرجو الإفادة، زادكم الله من فضله.
الإجابة:
(سبيل المؤمنين)
(أل) الداخلة على الجمع مثل (أل) الداخلة على المفرد ، في العهد والحقيقة ، والاستغراق ، وفي كونها موصولة إلا في فروق يسيرة ، وبين النحاة نزاع عريض في بعض أنواعها ، فمنها ما لا يراد به العموم ولا الحقيقة ولا فرد بعينه ، بل يراد به فرد واحد غير معين ،كقوله سبحانه: قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ  [ يوسف: 13 ]..
و(أل) في قوله تعالى : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [ النساء: 115 ] .
يصح أن تكون موصولة ، أو معرِّفة عهدية جنسية ، أو استغراقية ؛ لأن سبيلهم واحد ، وأيَّا ما كانت فلا ثمرة للخلاف فيها فيما أرى ؛ لأن الله جل وعلا لم يقل (ويتبع غير المؤمنين)
بل قال :، وسبيل المؤمنين هو الإسلام ،وهو الصراط المستقيم ، وهو الهدى الذي قال الله فيه : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123 ]
فيصير معناه : ويتبع غير الإسلام ، أو : ويتبع غير الهدى ، وأضيف إلى المؤمنين ؛ لأنه طريقهم ، ويشمل كل مؤمن ، سواءٌ كان من الصحابة أو من بعدهم ، ومن أخطأ منهم لم يخرج عن مسمّى الإيمان ولكنه ضل السَّبيل ، وغيره مأمور باتباع السبيل واتباع من سار عليه ، إذ من شأن السائر عليه أن لا يضل ، ومن ثم كان الاستدلال بهذه الآية على الإجماع ضعيفا لدى كثير من المحققين ، ولكنهم لم يذكروا – فيما أعلم – هذا القادح ، وذكروا شيئا آخر في الآية ، وهو اقتران اتباع غير سبيل المؤمنين بمشاققة الله ورسوله ، فالوعيد في الأصل هو على من نازع الله ورسوله ، واتباع سبيل المجرمين من المشاققة ، وعطف عليه كما يعطف البعض على الكل ، والخاص على العام ، كقوله تعالى : ( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا)[ التغابن: 9 ]، والعمل الصالح إيمان تطبيقي ، وشرح ذلك هو يطول .. ولنعد إلى (أل) في ” المؤمنين” فنقول : القرآن حمّال أوجه ، والاحتمالات كلها مقبولة تبعا لصحة المعنى ، إذ يمكن أن يكون المراد كلَّ المؤمنين ، أو حقيقتهم ،
أو المعهودين حضورا ، أو علما ، فتكون للاستغراق ، أو للجنس ، أو للعهد الحضوري ، أو الذهني ، ولا أثر لذلك كما تقدم ، والذي منع الأثر كونه مضافا إليه ومعمول الاتباع هو المضاف ، وليس فيه مفهوم مخالفة إذا لم نقل بالاستغراق ؛ لأن السبيل واحد ، وسبيل أبي بكر هو سبيل عمر وصالح المؤمنين ..
وفي معاني (أل) وأقسامها يقول أحد نحاة شنقيط ، واسمه : عبدالودود:

عرِّفْ بـ(ال) أو(لامه) وصل وزد ***** واقسمْ على عشرين قِسمًا تَستَفِدْ
عرِّفْ بسِــتٍّ نصفُـهـــا للعــهد ***** ونِصفُهـــــا جنسيّةٌ في العــــدِّ
وصــل بأربــعٍ مع اسمِ فاعـــلِ ***** وصنــوه والوصف والممـــاثل
و زِدْ بعشــــرٍ التزم بأربعــــــه ***** وغيـــــرُ لازمٍ يُرى ستًّا مَعَـــهْ

ومعنى الأبيات الأربعة إجمالا : اجعل (ال) أو اللام فقط للتعريف ، وموصولة ، وزائدة ، وجملة ذلك عشرون قسما ، منها ستة أقسام تكون فيها للتعريف ، ثلاثة منها للعهد بأنواعه ، وثلاثة للجنس بأنواعه . وتكون موصولة في أربعة أسماء ؛ اسم الفاعل واسم المفعول والوصفُ المُشْبهُ اسمَ الفاعل ، و أظنه أراد بـ(المماثل) الفعل المضارع ، وفيه وفي الصفة المشبهة خلاف معروف ، وتكون زائدة زيادة لازمة في أربعة أقسام ، وزائدة غير لازمة في ستة . نسأل الله أن يزيدنا علما.

 

د. عبدالعزيز بن علي الحربي

رئيس المجمع


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *