أ.د. محمد جمال صقر
02-08-2013, 01:06 PM
الْعُصْفُورُ الْعُمَانِيُّ الْمُغَرِّدُ
(أَنَاشِيدُ الصَّقْرِيِّ لِلْأَطْفَالِ)
للدكتور محمد جمال صقر
في احتفال خريجي اللغة العربية بجامعة السلطان قابوس (دفعة 2001م)، قُدِّمَ إليَّ صندوقُ هديةٍ خفية، أطبقتُ عليه بيديَّ خوفا عليها حتى أتمكن منها، فإذا هي عصفور مغرد أخضر معقوف المنقار مما نسميه بمصر "عصافير الجنة"، حاول أن يتفلت من بين يدي -وهيهات!- فأحكمت إغلاق صندوقه، وحملته لأُطلع عليه أطفالي؛ فكره ذلك مني بعض تلامذتي متمنيًا عليَّ إطلاقه، وعجب بعض زملائي قائلا: عُصفورٌ لِصَقْرٍ! فتمنيتُ أنْ لو قلتُها حين عرفتُه من شقوق الصندوق، وأضفت: يا وَيْلَه ويا سوادَ لَيْلِه! ولم يُقَدِّر أحدٌ عندئذ أنني سآخذه إلى أطفالي، لِنَخرج به جميعا معا إلى حديقة بيتنا، فنضم أيدينا بعضها إلى بعض مِعْراجًا يعرج عليه بأغاريده إلى سماء الحرية!
ولم يكن أطفالي ليرضوا مني غير ذلك!
كيف وقد كنت أُحَفِّظُهُمْ عندئذ قول أحمد شوقي في قصيدة "اليَمَامة والصَّيَّاد":
"يَمَامَةٌ كَانَتْ بِأَعْلَى الشَّجَرَهْ آمِنَةً فِي عُشِّهَا مُسْتَتِرَهْ
فَأَقْبَلَ الصَّيَّادُ ذَاتَ يَوْمِ وَحَامَ حَوْلَ الرَّوْضِ أَيَّ حَوْمِ
فَلَمْ يَجِدْ لِلطَّيْرِ فِيهِ ظِلَّا وَهَمَّ بِالرَّحِيلِ حِينَ مَلَّا
فَبَرَزَتْ مِنْ عُشِّهَا الْحَمْقَاءُ وَالْحُمْقُ دَاءٌ مَا لَهُ دَوَاءُ
تَقُولُ جَهْلًا بِالَّذِي سَيَحْدُثُ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَمَّ تَبْحَثُ
فَالْتَفَتَ الصَّيَّادُ صَوْبَ الصَّوْتِ وَنَحْوَهُ سَدَّدَ سَهْمَ الْمَوْتِ
فَسَقَطَتْ مِنْ عُشِّهَا الْمَكِينِ وَوَقَعَتْ فِي قَبْضَةِ السِّكِّينِ
تَقُولُ قَوْلَ عَارِفٍ مُحَقِّقِ مَلَكْتُ نَفْسِي لَوْ مَلَكْتُ مَنْطِقِي".
وأمثِّله لهم تمثيلا وأنا أخو اليمام القديمُ، فيأمنون أولا، ويتمنون لو كانوا يماما لا تحدهم حدود ولا تحبسهم قيود- ويفزعون أخيرا، ويتمنون لو شهِدُوا فنبَّهوا اليمامة، أو عَمِيَ الصيادُ فارتدَّ عليه سهمُه!
ثم ها هو ذا صاحبنا الصَّقْرِيُّ (الأستاذ سعود بن ناصر بن علي الصقري الشاعر العُماني الطَّروب الحَنون)، يتجرَّد من خَلْبة الصَّقْر (أَخْذَتِه) ومن صَرَّته (صَرْخَتِه)، لتصفو له طبيعةُ الطائر الباطنة، ويتجرَّد من سَطْوَة الرَّجُل ومن حِيلته، لتصفو له طبيعةُ الإنسان الباطنة، وتمتزج لديه طبيعتا الطائر والإنسان الباطنتان جميعا معا، ليصفو له أصل خلق الله الواحد؛ فإذا أغاريد العصافير وأناشيد الأطفال شيء واحد!
لقد تجاوز الصقري في أثناء النظم للأطفال إلى نظم ما يتغنون به في خَلَوَاتهم وجَلَوَاتهم، من حيث يعلم أنهم لا يستغنون عن الغِناء، فإذا لم يَسُدَّ لهم هذا المسد بما يُرَبِّيهم ويُعَلِّمُهم، سَدَّهُ غيره بما لا يُرَبِّيهم ولا يُعَلِّمهم، فَرْض كفاية ينهض له بعضنا -وإلَّا أَثِمَنا جميعا- ينبغي أن نحمده لهم، ونشكرهم عليه.
وإذا وازنَّا مثلا بين "ديوان الأطفال" لأحمد شوقي الذي منه القصيدة السابقة و"العصفور المغرد" للصقري الذي جَدَّدَ لنا الذكرى، وقفنا في النظم للأطفال -وهو في هذا كالنظم للكبار- على نوعين مختلفين مؤتلفين: "الشِّعْر" الذي منه "ديوان الأطفال"، و"النَّشِيد" الذي منه "العصفور المغرد"، وفي فوارق اختلافهما وجوامع ائتلافهما كانت أبحاث علمية عمانية وغير عمانية، ولا يمتنع أن تكون أبحاث أخرى؛ إذ لا يخلو المشهد مِنْ منافذ للنظر بِعَدَد عيون الناظرين!
من ذلك مثلا الخصائص العروضية؛ فقد اجتمع في "ديوان الأطفال" الشعر العَمُوديّ (المعروف منذ العصر الجاهلي، ذو الأبيات المتفقة الأوزان والقوافي)، والشعر المُشَطَّر (المعروف منذ العصر الأموي، ذو مجاميع الأشطر المتفقة الوزن المهندسة القوافي) على سواء، وانفرد بـ"العصفور المغرد" الشعر المشطَّر إلا فَلَتاتٍ كانت من شعر المُقَطَّعات (المعروف في العصر الحديث، ذي مجاميع الأبيات المتفقة الوزن المختلفة القوافي)، وهو مُتَوَسِّط التَّبَسُّط بين الشعرين العَمودي والمشطَّر.
وقد اقتضت طبيعة الغناء في "العصفور المغرد" دون "ديوان الأطفال"، أن تُختار للأناشيد الأوزان القصار، وأن تقسم أبياتها على قسمين: أولهما دَوْر مغني النشيد، والآخر قُفْل جَوْقَتِه (جماعة المردِّدين من خلفه)، كما في قوله من أنشودة "ما أجمل العصفور":
"يُرَدِّدُ النَّشيدْ بِصَوْتِهِ الْفَرِيدْ
فَيَمْلَأُ الْمَكَانْ بِأَعْذَبِ الْقَصِيدْ
مَا أَجْمَلَ الْعُصْفُورْ
يُغَازِلُ الشَّجَرْ وَالْوَرْدَ وَالزَّهَرْ
وَيُنْعِشُ الْوُجُودْ كَزَخَّةِ الْمَطَرْ
مَا أَجْمَلَ الْعُصْفُورْ
نَرَاهُ فِي الْفَضَاءْ يَطِيرُ فِي صَفَاءْ
يَقُولُ فِي حُبُورْ مَا أَجْمَلَ السَّمَاءْ
مَا أَجْمَلَ الْعُصْفُورْ".
فكلُّ شطر من خمسةِ أشطرِ كلِّ مجموعة، ثُلُثُ بيتٍ رَجَزِيٍّ، أما "مَا أَجْمَلَ الْعُصْفُورْ"، فهو القسم الآخِر الذي تُردِّده الجَوْقَة. ولا تخفى هندسة الأشطر المستولية عليه وعلى ما قبله (أ-أ-ب-أ-ج، د-د-هـ-د-ج، و-و-ز-و-ج)، التي تستولي على ما بعده كذلك، ويتميز بها الشعر المشطر، ويَتَأَلَّقُ النشيد. لقد تعددت العناصر وتركبت في البيت الواحد من أبيات أنشودة "العصفور المغرد"، على حين لم تتجاوز الازْدِواجَ في البيت من قصيدة "ديوان الأطفال". ولقد اضطربت هذه الهندسة بين يدي الصقري من ثماني عشرة أنشودة (مادة "العصفور المغرد")، ثلاث مرات (أناشيد "أنا طالب"، و"نشيد الشمس"، و"نشيد القمر")، وانصرف عنها مرتين (أنشودتَيْ "معلمتي"، و"سأبقى نظيفا")، إلى شعر المقطعات، وإن اجتهد أن يَشُدَّ شعر المقطعات فيهما إلى الشعر المشطر بترديد بعض اللوازم بين القطع!
ومن ذلك كذلك الخصائص اللغوية؛ فإنه إذا اجتمع "ديوان الأطفال" و"العصفور المغرد" على إيثار المفردات والأبنية العامة الاستعمال، افترقا في التراكيب؛ فتمسك العصفور المغرد فيها بمثل ما جرى عليه في المفردات والأبنية، واحتفى ديوان الأطفال بالتراكيب الخاصة الاستعمال، كما في "حَامَ حَوْلَ الرَّوْضِ أَيَّ حَوْمِ"، من قصيدة اليمامة والصياد السابقة، حتى بلغ مبلغ تركيب الحكمة بقوله منها: "وَالْحُمْقُ دَاءٌ مَا لَهُ دَوَاءُ"، وقوله: "مَلَكْتُ نَفْسِي لَوْ مَلَكْتُ مَنْطِقِي"!
ولكن لو اطلع أحمد شوقي أمير الشعراء على "العصفور المغرد"، وما فيه من طباعة كل أنشودة على صفحتين وتَحَرِّي رسم مجالها الدلالي خلفها على أرض الصفحتين -وإن كان الصقري قد أَخَلَّ بهذا الأسلوب الصائب أحيانا معذورا وغير معذور- لَأَبَى عَلَى مطبعته القديمة إلا أن تجمع نسخ "ديوان الأطفال" -مهما كان موضعه من ديوانه الكامل- لتعيد طباعته على طريقة "العصفور المغرد"، التي أنعم الله بها علينا من إمكانات التِّقَانة الحديثة، فيما يحاول به الكتاب الورقي الذي لا غنى عنه، أن يُنَاصِيَ الكتاب الرَّقْمِيَّ الذي لا حيلة في انتشاره.
ربما خَطَرَ لبعض الناس أنَّ نَظْمَ الشعر للأطفال أَعْلَقُ بالمُبْتَدِئين، ونَظْمَه للكبار أَعْلَقُ بالمُتَقَدِّمين، حتى إذا ما بحثوا في تاريخ الشعر العربي وجدوا الأمر على عكس ذلك، ثم إذا ما تَأَمَّلُوهُ مَلِيًّا وقفوا على ما يأتي:
1 أن المُتَقَدِّمين ينظمون للأطفال ما كانوا يتمنون أن يُنْظَم لهم من قبل، وما يتمنون أن يُنْظَم لهم من بعد؛ وهل يعيشون كما نعيش إلا بين طُفُولَتَيْنِ!
2 أن المُتَقَدِّمين ينظمون للطبائع السليمة من قبل أن تفسد، بعد أن يئسوا من تثقيف الطبائع الفاسدة!
3 أن المُتَقَدِّمين يتلطفون بالكبار في أثناء النظم للأطفال، فيُسَرِّبون إليهم كبائر المعاني خِلْسَةً، ويتَّقون منهم صغائرَ المِرَاءِ!
وما زلت أذكر كيف قام في أحد محافل الشعر مَنِ اسْتَماحَ الحاضرين أن يُسْمعهم من شعر الأطفال، فاستَنْكَرَ بعضهم، وأَطْرَقَ بعضهم، حتى إذا ما أنشدهم "حِوَارٌ خَاصٌّ بَيْنَ الدَّجَاجِ" غَلَبَتْهُمُ الحُجَّةُ، واسْتَأْسَرُوا للمعاني!
(أَنَاشِيدُ الصَّقْرِيِّ لِلْأَطْفَالِ)
للدكتور محمد جمال صقر
في احتفال خريجي اللغة العربية بجامعة السلطان قابوس (دفعة 2001م)، قُدِّمَ إليَّ صندوقُ هديةٍ خفية، أطبقتُ عليه بيديَّ خوفا عليها حتى أتمكن منها، فإذا هي عصفور مغرد أخضر معقوف المنقار مما نسميه بمصر "عصافير الجنة"، حاول أن يتفلت من بين يدي -وهيهات!- فأحكمت إغلاق صندوقه، وحملته لأُطلع عليه أطفالي؛ فكره ذلك مني بعض تلامذتي متمنيًا عليَّ إطلاقه، وعجب بعض زملائي قائلا: عُصفورٌ لِصَقْرٍ! فتمنيتُ أنْ لو قلتُها حين عرفتُه من شقوق الصندوق، وأضفت: يا وَيْلَه ويا سوادَ لَيْلِه! ولم يُقَدِّر أحدٌ عندئذ أنني سآخذه إلى أطفالي، لِنَخرج به جميعا معا إلى حديقة بيتنا، فنضم أيدينا بعضها إلى بعض مِعْراجًا يعرج عليه بأغاريده إلى سماء الحرية!
ولم يكن أطفالي ليرضوا مني غير ذلك!
كيف وقد كنت أُحَفِّظُهُمْ عندئذ قول أحمد شوقي في قصيدة "اليَمَامة والصَّيَّاد":
"يَمَامَةٌ كَانَتْ بِأَعْلَى الشَّجَرَهْ آمِنَةً فِي عُشِّهَا مُسْتَتِرَهْ
فَأَقْبَلَ الصَّيَّادُ ذَاتَ يَوْمِ وَحَامَ حَوْلَ الرَّوْضِ أَيَّ حَوْمِ
فَلَمْ يَجِدْ لِلطَّيْرِ فِيهِ ظِلَّا وَهَمَّ بِالرَّحِيلِ حِينَ مَلَّا
فَبَرَزَتْ مِنْ عُشِّهَا الْحَمْقَاءُ وَالْحُمْقُ دَاءٌ مَا لَهُ دَوَاءُ
تَقُولُ جَهْلًا بِالَّذِي سَيَحْدُثُ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ عَمَّ تَبْحَثُ
فَالْتَفَتَ الصَّيَّادُ صَوْبَ الصَّوْتِ وَنَحْوَهُ سَدَّدَ سَهْمَ الْمَوْتِ
فَسَقَطَتْ مِنْ عُشِّهَا الْمَكِينِ وَوَقَعَتْ فِي قَبْضَةِ السِّكِّينِ
تَقُولُ قَوْلَ عَارِفٍ مُحَقِّقِ مَلَكْتُ نَفْسِي لَوْ مَلَكْتُ مَنْطِقِي".
وأمثِّله لهم تمثيلا وأنا أخو اليمام القديمُ، فيأمنون أولا، ويتمنون لو كانوا يماما لا تحدهم حدود ولا تحبسهم قيود- ويفزعون أخيرا، ويتمنون لو شهِدُوا فنبَّهوا اليمامة، أو عَمِيَ الصيادُ فارتدَّ عليه سهمُه!
ثم ها هو ذا صاحبنا الصَّقْرِيُّ (الأستاذ سعود بن ناصر بن علي الصقري الشاعر العُماني الطَّروب الحَنون)، يتجرَّد من خَلْبة الصَّقْر (أَخْذَتِه) ومن صَرَّته (صَرْخَتِه)، لتصفو له طبيعةُ الطائر الباطنة، ويتجرَّد من سَطْوَة الرَّجُل ومن حِيلته، لتصفو له طبيعةُ الإنسان الباطنة، وتمتزج لديه طبيعتا الطائر والإنسان الباطنتان جميعا معا، ليصفو له أصل خلق الله الواحد؛ فإذا أغاريد العصافير وأناشيد الأطفال شيء واحد!
لقد تجاوز الصقري في أثناء النظم للأطفال إلى نظم ما يتغنون به في خَلَوَاتهم وجَلَوَاتهم، من حيث يعلم أنهم لا يستغنون عن الغِناء، فإذا لم يَسُدَّ لهم هذا المسد بما يُرَبِّيهم ويُعَلِّمُهم، سَدَّهُ غيره بما لا يُرَبِّيهم ولا يُعَلِّمهم، فَرْض كفاية ينهض له بعضنا -وإلَّا أَثِمَنا جميعا- ينبغي أن نحمده لهم، ونشكرهم عليه.
وإذا وازنَّا مثلا بين "ديوان الأطفال" لأحمد شوقي الذي منه القصيدة السابقة و"العصفور المغرد" للصقري الذي جَدَّدَ لنا الذكرى، وقفنا في النظم للأطفال -وهو في هذا كالنظم للكبار- على نوعين مختلفين مؤتلفين: "الشِّعْر" الذي منه "ديوان الأطفال"، و"النَّشِيد" الذي منه "العصفور المغرد"، وفي فوارق اختلافهما وجوامع ائتلافهما كانت أبحاث علمية عمانية وغير عمانية، ولا يمتنع أن تكون أبحاث أخرى؛ إذ لا يخلو المشهد مِنْ منافذ للنظر بِعَدَد عيون الناظرين!
من ذلك مثلا الخصائص العروضية؛ فقد اجتمع في "ديوان الأطفال" الشعر العَمُوديّ (المعروف منذ العصر الجاهلي، ذو الأبيات المتفقة الأوزان والقوافي)، والشعر المُشَطَّر (المعروف منذ العصر الأموي، ذو مجاميع الأشطر المتفقة الوزن المهندسة القوافي) على سواء، وانفرد بـ"العصفور المغرد" الشعر المشطَّر إلا فَلَتاتٍ كانت من شعر المُقَطَّعات (المعروف في العصر الحديث، ذي مجاميع الأبيات المتفقة الوزن المختلفة القوافي)، وهو مُتَوَسِّط التَّبَسُّط بين الشعرين العَمودي والمشطَّر.
وقد اقتضت طبيعة الغناء في "العصفور المغرد" دون "ديوان الأطفال"، أن تُختار للأناشيد الأوزان القصار، وأن تقسم أبياتها على قسمين: أولهما دَوْر مغني النشيد، والآخر قُفْل جَوْقَتِه (جماعة المردِّدين من خلفه)، كما في قوله من أنشودة "ما أجمل العصفور":
"يُرَدِّدُ النَّشيدْ بِصَوْتِهِ الْفَرِيدْ
فَيَمْلَأُ الْمَكَانْ بِأَعْذَبِ الْقَصِيدْ
مَا أَجْمَلَ الْعُصْفُورْ
يُغَازِلُ الشَّجَرْ وَالْوَرْدَ وَالزَّهَرْ
وَيُنْعِشُ الْوُجُودْ كَزَخَّةِ الْمَطَرْ
مَا أَجْمَلَ الْعُصْفُورْ
نَرَاهُ فِي الْفَضَاءْ يَطِيرُ فِي صَفَاءْ
يَقُولُ فِي حُبُورْ مَا أَجْمَلَ السَّمَاءْ
مَا أَجْمَلَ الْعُصْفُورْ".
فكلُّ شطر من خمسةِ أشطرِ كلِّ مجموعة، ثُلُثُ بيتٍ رَجَزِيٍّ، أما "مَا أَجْمَلَ الْعُصْفُورْ"، فهو القسم الآخِر الذي تُردِّده الجَوْقَة. ولا تخفى هندسة الأشطر المستولية عليه وعلى ما قبله (أ-أ-ب-أ-ج، د-د-هـ-د-ج، و-و-ز-و-ج)، التي تستولي على ما بعده كذلك، ويتميز بها الشعر المشطر، ويَتَأَلَّقُ النشيد. لقد تعددت العناصر وتركبت في البيت الواحد من أبيات أنشودة "العصفور المغرد"، على حين لم تتجاوز الازْدِواجَ في البيت من قصيدة "ديوان الأطفال". ولقد اضطربت هذه الهندسة بين يدي الصقري من ثماني عشرة أنشودة (مادة "العصفور المغرد")، ثلاث مرات (أناشيد "أنا طالب"، و"نشيد الشمس"، و"نشيد القمر")، وانصرف عنها مرتين (أنشودتَيْ "معلمتي"، و"سأبقى نظيفا")، إلى شعر المقطعات، وإن اجتهد أن يَشُدَّ شعر المقطعات فيهما إلى الشعر المشطر بترديد بعض اللوازم بين القطع!
ومن ذلك كذلك الخصائص اللغوية؛ فإنه إذا اجتمع "ديوان الأطفال" و"العصفور المغرد" على إيثار المفردات والأبنية العامة الاستعمال، افترقا في التراكيب؛ فتمسك العصفور المغرد فيها بمثل ما جرى عليه في المفردات والأبنية، واحتفى ديوان الأطفال بالتراكيب الخاصة الاستعمال، كما في "حَامَ حَوْلَ الرَّوْضِ أَيَّ حَوْمِ"، من قصيدة اليمامة والصياد السابقة، حتى بلغ مبلغ تركيب الحكمة بقوله منها: "وَالْحُمْقُ دَاءٌ مَا لَهُ دَوَاءُ"، وقوله: "مَلَكْتُ نَفْسِي لَوْ مَلَكْتُ مَنْطِقِي"!
ولكن لو اطلع أحمد شوقي أمير الشعراء على "العصفور المغرد"، وما فيه من طباعة كل أنشودة على صفحتين وتَحَرِّي رسم مجالها الدلالي خلفها على أرض الصفحتين -وإن كان الصقري قد أَخَلَّ بهذا الأسلوب الصائب أحيانا معذورا وغير معذور- لَأَبَى عَلَى مطبعته القديمة إلا أن تجمع نسخ "ديوان الأطفال" -مهما كان موضعه من ديوانه الكامل- لتعيد طباعته على طريقة "العصفور المغرد"، التي أنعم الله بها علينا من إمكانات التِّقَانة الحديثة، فيما يحاول به الكتاب الورقي الذي لا غنى عنه، أن يُنَاصِيَ الكتاب الرَّقْمِيَّ الذي لا حيلة في انتشاره.
ربما خَطَرَ لبعض الناس أنَّ نَظْمَ الشعر للأطفال أَعْلَقُ بالمُبْتَدِئين، ونَظْمَه للكبار أَعْلَقُ بالمُتَقَدِّمين، حتى إذا ما بحثوا في تاريخ الشعر العربي وجدوا الأمر على عكس ذلك، ثم إذا ما تَأَمَّلُوهُ مَلِيًّا وقفوا على ما يأتي:
1 أن المُتَقَدِّمين ينظمون للأطفال ما كانوا يتمنون أن يُنْظَم لهم من قبل، وما يتمنون أن يُنْظَم لهم من بعد؛ وهل يعيشون كما نعيش إلا بين طُفُولَتَيْنِ!
2 أن المُتَقَدِّمين ينظمون للطبائع السليمة من قبل أن تفسد، بعد أن يئسوا من تثقيف الطبائع الفاسدة!
3 أن المُتَقَدِّمين يتلطفون بالكبار في أثناء النظم للأطفال، فيُسَرِّبون إليهم كبائر المعاني خِلْسَةً، ويتَّقون منهم صغائرَ المِرَاءِ!
وما زلت أذكر كيف قام في أحد محافل الشعر مَنِ اسْتَماحَ الحاضرين أن يُسْمعهم من شعر الأطفال، فاستَنْكَرَ بعضهم، وأَطْرَقَ بعضهم، حتى إذا ما أنشدهم "حِوَارٌ خَاصٌّ بَيْنَ الدَّجَاجِ" غَلَبَتْهُمُ الحُجَّةُ، واسْتَأْسَرُوا للمعاني!