المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السياقُ مقياسٌ للتفسير المعجميّ


أ.د عبد الرحمن بو درع
09-10-2015, 09:01 PM
تُعدُّ الكلِمَةُ وَحْدَةً لُغويّةً مُؤَلَّفَةً من سِلْسِلةٍ من الأصواتِ المتّصِلَةِ، لَها بِدايةٌ ونِهايةٌ، ولها وظيفةٌ تركيبيّةٌ، وتدلُّ عَلى مَعْنىً في ذاتِها (1). ويدورُ المُعْجَمُ حولَ الكلمةِ إيضاحًا وشرْحًا، ليجْلُوَ المعنى المعجميَّ (2)؛ لأنّ مدارَ المَعاجِمِ على كَشفِ مَعاني الكَلِماتِ، التي تدورُ معها في الاسْتِعْمالاتِ المُخْتلِفةِ. ولا شكَّ أنّ المَعْنى المُعْجميَّ معنى لُغويٌّ، لأنّه قابلٌ لأن يُعَرَّفَ بِه في المداخلِ المعجميّةِ، وخاضِعٌ لمقاييسِ الشّرحِ اللّغويّ، ولكنّه، قبلَ ذلكَ، مَعْنىً ذو طابعٍ اجتماعيٍّ تَداوُلِيٍّ؛ لأنّه المعنى الذي يفهمُه الفردُ في مُجْتمعِه من ألفاظِ لغتِه، و يُوافقُه عَلى ذلِكَ بَقيّةُ الأفْرادِ .
لكنّ هذه الكَلِمَةَ كانَت تعدُّ نَواةَ المُعْجَمِ، بَل نَواةَ اللّغةِ كلِّها، ووحدتَها الأساسَ، وبُنيَت مَعاجمُ الألفاظِ على هذا المَنهجِ منذُ القَديم، غيرَ أنّه لا يَخْفى أنّ هذه الألفاظَ لَيست مَحْدودةَ المَعاني حدًّا قاطِعًا في كلِّ لِسانٍ، وليست الجملُ المركَّبةُ من تلك الألفاظِ بمَحدودةِ المَعاني والأساليبِ والوُجوه، بينَما بَنَت المَعاجمُ العربيّةُ مَنهجَها في ترتيبِ الموادّ على ترتيب الألفاظِ ترتيباً مخصوصاً، واعتمَدَت طريقةً معيّنةً في التّرتيب، هي اعتمادُ نَواةِ الكلمةِ المُفرَدَةِ، فترسَّبَ التأليفُ المعجميّ على هذا النّهجِ، وغَدا الباحثونَ يسترشِدونَ بِه في البَحثِ عن دلالات الكلماتِ.

* والحقيقةُ أنّه لا يَنْبَغي أن يَنحصرَ التأليفُ المعجميّ العربيّ في الصّناعَة المعجميّة المَعروفَة، وما بُنيَت عليه المَعاجمُ من ترتيبِ الموادّ اللغويّة والكلماتِ وفقَ منهجِ نواةِ الكلمةِ المُفرَدَة، في تحديد المَداخلِ المعجميّة، ولكنّ التأليفَ المعجميَّ العربيّ يُمكن أن يُتصوَّرَ فيما هو أوسعُ من ذلكَ، فالمصنّفاتُ والكتبُ اللغويّةُ والرّسائلُ وغيرُها من مصادرِ اللغةِ ويُمكنُ أن نعُدَّها أصنافاً مخصوصةً من المعاجم تُلتَمَسُ فيها اللُّغَةُ، لأنّها لم تكتفِ بعَرْضِ الكَلماتِ وفقَ ترتيبٍ صوتيّ صرفيّ أو ترتيب هجائيّ أو أيّ ضربٍ من ضُروبِ التّرتيبِ، بل جاوَزَت ذلكَ إلى حَشدِ المادّةِ اللغويّة الفصيحَةِ التي اتُّخِذَت فيما بعدُ أساساً للاستدلالِ على القَواعدِ النّحويّة والصّرفيّة ومُعتَمَداً في بناء المَعاجمِ الصّناعيّةِ ومَصدراً للأقيسَة الأدبيّةِ والنّقديّة ومرجعاً لأخبارِ العربِ وأيامهم وأنسابهم وأحوال الشعراءِ والفُصَحاء.

* أمّا الذي يَعْنينا من هذه المَوادِّ اللغويّةِ الغَزيرَةِ المَعروضَةِ في كُتب اللغة ذواتِ الأنواعِ والأقسامِ والفُنونِ، التي ظلّت في مُتَناوَل الدّارسينَ، يستخرجونَ منها نظراتٍ وأفكاراً ويستنبطونَ منها خصائصَ لغويّةً وأدبيةً ونقديّةً، الذي يَعنينا منها في هذا البحثِ الموجَز، فهو أن نرصدَ منها ظَواهرَها اللّغويّةَ بمُقاربةٍ دلاليّةٍ مَعروفةٍ، هي نظريّةُ الحقول الدلالية(3)، وهي نظريّةٌ تُفيدُ أنّ للكلمةِ علاقةً بكلماتٍ أخرى تُشاركُها جزءاً من الدّلالَةِ، وأنّ البحثَ عن معنى الكلمةِ يَعتمدُ على استقراءِ الكلماتِ التي تُشاطرُها المَعْنى أو جَوانبَ منه، ويقتضي شَرحُ الكلمةِ الوافي وتعريفُها الكافي الرّجوعَ إلى الحقلِ العامّ الذي يَفتَحُ أمامَ الباحثِ أحيازاً دلاليّةً أوسَعُ من تلك التي يُتيحُها التّعريفُ المفرَدُ المجرّدُ. ويَعْني هذا الرّصدُ لعلاقةِ الكلمةِ بالكَلماتِ المُشاطِرَة، أنّ مُراعاةَ السّياقِ شرطٌ في اعتمادِ الحَقْلِ الدّلاليّ للكلمَة، فالكلماتُ المُترابطةُ دلاليّاً تؤلِّفُ ميدانَ التّعريفِ المعجميّ وتُخرجُ اللفظَ عن عزلته المعجميّة إلى نسيجٍ دلاليّ يكشفُ أبعادَها.

وتأتي أهميةُ اعتمادِ فكرةِ الحُقول الدّلاليّة من ضَرورَة مُراعاةِ بيئةِ الكلمَة وعَدَم الاقتصارِ على ذاتِ المَعْنى فيها؛ فالاعتمادُ على بيئةِ الكلمَة يبلُغُ بالباحثِ ومُستعمِلِ المُعجَم بهذا المنهَح، إلى معرفَة الدّلالات المختلفَة للكلمَة الواحدَة، والدّلالات المتقاربَة التي تشتركُ فيها كلماتٌ أخرى، فالبيئةُ اللغويّةُ الحاضنةُ للكلمَة، تُعطينا عن الكلمةِ الدّقّةَ الدّلاليّةَ، وما يدخلُ في دلالةِ الكلمةِ من دلالاتٍ أخرى لازمةٍ أو مُضَمَّنَة أو مُتّصلةٍ بوجهٍ من وُجوه الاتّصالِ. وليسَت البيئةُ الدّلاليّةُ التي تُتَداولُ فيها الكلماتُ المعجميّةُ سِوى النّصوص الأدبيّة واللّغويّة؛ ففي بُطونِ النصوصِ والمًصادرِ تُلتمَسُ دلالاتُ الكلماتِ قبلَ أن تُلتمَسَ في المَعاجم الصّناعيّة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

1- انظر ما ذكرَه د. أحمد أبو الفرج في كتابه: المعاجم اللّغويّة في ضوءِ دراسات علم اللّغة الحديث: ص:9... دار النّهضة العربية للطّباعة و النّشر ، ط.1 / 1966 ، عن الكلمةِ و تَعاريفِها و مُشْكِلاتِ هذِهِ التّعاريفِ و قُصورِ بعضِها ...

2- انظر كتاب د. تمّام حسّان: مناهج البحثِ في اللّغة:158 وما بعدها، في خصوصِ بعضِ الإشكالاتِ المتعلِّقة بتعريف الكلمة قديمًا و حديثًا ... (مناهج البحث في اللّغة ، دار الثّقافة، الدّار البيضاء، المغرب، 1400-1979 )

3- تَرى نظريّةُ الحُقول الدّلاليّة Semantic field أنّه "لكي تفهم معنى كلمة يجب أن تفهم كذلك مجموعة الكلمات المتّصلة بها دلاليا" علم الدلالة، الدكتور أحمد مختار عمر، ط 4، عالم الكتب، القاهرة 1993، ص 79-80

عبدالله بنعلي
09-11-2015, 11:28 AM
من موقع منتدى اللسانيات العربية :أ.د عبد الرحمن بو درع
عندما نتحدث عن المفردة فإننا نتحدث عن مفهوم تتداخل فيه وتتقاطع مجموعةٌ من المفاهيم الأخرى: المفردة كيانٌ لغوي، له مكوّنات صوتية وله كيانٌ صرفي مورفولوجي وهيئة دلالية ومعجمية...
وتختلف اللغات في تحديد المفردة، فمن اللغات ما هو تركيبي ومنها ما هو اشتقاقي كالعربية التي نميز فيها بين الجذر المعجمي وبين الزوائد الدّاخلة، وكلّ هذه الإشكالات تؤثّر في تصور المفردات وفي اصطناع الأدوات الواصفة والمفسِّرة، وبالإضافة إلى ذلك يؤثّر تصوّر المفردة في كلّ لغة في طريقة ترتيب المداخل المعجمية في معجم كلّ لغةٍ، فكلّ لغة لها طريقةٌ مخصوصة في ترتيب وحداتها، والمتكلّم بهذه اللغة يعرف كيف يبحث في شرح المفردات
يمكن أن نلتمس في الدراسات اللسانية العربية والأجنبية، تعريفا بالمستويات اللسانية، ومن هذه المستويات مستوى المفردة أو الكلمة، وتعريف هذا المستوى خاضع لطريقة كل لغةٍ في تفكيك وحداتِها وترابُطِها فيما بينها، كما يتأثّر التحليل اللساني بطريقة النّظر إلى بنية الكلمة
وللحديث تفاصيل ومجالس حديث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فالمُفْرَدَة قد تعني الوحدة من وحداتِ التَّركيب (Word)، وقد تعني الوحدةَ المعجميّة (Lexical Item)، وقد تعني المصطَلَح أو الكلمة التقنية (Technical Term)، وقد تعني الوحدة الصّرفيّة (Morphem)، فإذا دلّت على الوحدة المعجميّة فهي الكَلِمَة (Item) بالمعنى المعجميّ، فالمفردةُ لها هذه الاحتمالات كلُّها، وهذا إشكالٌ مطروح، هل من السهل تعريفها؟ أو لا تُعرَّف إلا من خلال السياق الذي وردت فيه؟ وإذا حددنا كيانها، هل نستطيع تحديد بدايتها ونهايتها؟ هل تعدّ الملحقاتُ بالكلمات كلماتٍ مستقلّةَ أو أجزاء من الكلمات (وأقصد بالمُلحَقاتِ ما يتّصل بالكلمة على سبيل الزّيادة لإدخال معنى جديد، مثل استفهم التي تدل الزّيادة فيها على الطّلب)
المعجم باعتبارِه جزءا من اللغة، يحتوي على الكلماتِ، والفرد حينما يتكلّم فإنّما يغترِف من هذا المعين الذي هو المعجم اللغوي الذّهني المُستقِرّ في ذهن الجماعة المتكلّمة.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ الكلماتِ المعجميّةَ ليست متحقّقةً ظاهرةً للعيان، ولكنّها صامتةٌ في ذاكرة المجتمع أو في المعجم الذّهني، والمتكلّم حين يستعملُ الكلمةَ فهو لا يستخدم كلماتٍ مُعطاةً ولكنّه يُحوِّلُها إلى ألفاظٍ محدّدة الدّلالة داخل سياق النّصّ . أما الكلمة فهي جزء من نظامٍ صامت، ولمّا كانت كذلك فهي صورة صوتية مفردةٌ في ذهن المجتمع أو صورة كتابية مفردة في الكتب والأوراق. الصّورة انعكاسٌ لحقيقة الشيء وليست إياه، والمتكلّم له دور كبير في التقاطها من النظام وتحويلِها إلى شكل صوتي أو خطّي، فالكلمة نظام ذهني اجتماعي صامت، واللفظ نظام حسي منطوق أو مكتوب، اللفظ نظام حسي لأنّه من "لَفَظَ يَلْفظُ لَفْظاً" أي نطقَ .
وفي إطارِ الكلمة يمكن وضع مباحثَ ذات صلة بالمعجم، مثل:
-التّعدّد والاحتمال في المعنى المعجمي للكلمة،
-ومنهج الشّرح المعجميّ للكلمة (وهذا مبحث له علاقة بالصناعة المعجمية)،
-وصلة المعنى المعجمي بالنّظام الصّوتي والنّظام الصّرفي والنّظام النّحويّ...
وللحديث تفصيل وصلة وتكملة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالطّبع للثقافة تأثير واضح في اللغة، ويدخل هذا في ما يعرف بعلم الاجتماع اللغوي أو اللسانيات الاجتاعية، ومن خلاله يظهر تأثير المجتمع في اللغة، وفي تصور الأفراد للكلمات، بل في تصورهم للحياة والواقع، والمعروف في تاريخ اللسانيات أنّ هناك فرضية تُدعى فرضيّة وورف-سابير، التي تذهب إلى أنّ الإنسان يقسّم الواقع أو يُجزئه أو على الأقلّ يُدرِكه وفقا لما تمنحه اللغة الخاصّة، من طريقة مخصوصة في التقسيم، فاللغات تختلف في تقسيم الألوان، والعدد (مفرد-مثنى-جمع، أو مفرد وجمع فقط) والجنس (مذكر-مؤنث، أو مذكر-مؤنث-محايد)... تختلف اللغات في تقسيم الواقع وإدراكه.
أمّا الكلمة التي هي نواة التصنيف المعجمي، فهي ابنة بيئتِها أيضا، وهناك فرق بين اللفظ ومن خصائصه النطق، وبين الكلمة، ومن خصاصها الذّهن أو النّظام...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا شكّ أنّ الاختلافَ النظريّ مردّه إلى أسبابٍ عديدة من جملتِها اختلافُ ثقافةِ الباحِثِ اللّسانيّ، واختِلافُ النّظريّةِ المنطَلَقِ منها أو النّموذَجِ النّظرِيّ المُعالَجِ بِه، وعلى رأسِ أسبابِ الاخْتِلافِ اخْتِلافُ اللغاتِ .
يُمكن أن نقدّم تعريفاً للمفرداتِ أو الكَلِماتِ يَتَناسَب وطبيعةَ اللغةِ العربيّةِ ،مثلا قد نقولُ إنّّ الكَلِمَةَ نواةُ المُعْجَم و مادَّتُه الأصلِيّةُ، فالمعجم يتّخذ من المفرداتِ مادّتَه الأساسَ
تُعدُّ الكلِمَةُ وَحْدَةً لُغويّةً مُؤَلَّفَةً من سِلْسِلةٍ من الأصواتِ المتّصِلَةِ ، لَها بِدايةٌ و نِهايةٌ، و لها وظيفةٌ تركيبيّةٌ ، و تدلُّ عَلى مَعْنىً في ذاتِها. و يدورُ المُعْجَمُ حولَ الكلمةِ إيضاحًا و شرْحًا ، ليجْلُوَ المعنى المعجميَّ ؛ لأنّ مدارَ المَعاجِمِ على كشفِ مَعاني الكَلِماتِ، التي تدورُ معها في الاسْتِعْمالاتِ المُخْتلِفةِ. و لا شكَّ أنّ المَعْنى المُعْجميَّ معنى لُغويٌّ ، لأنّه قابلٌ لأن يُعَرَّفَ بِه في المداخلِ المعجميّةِ ، وخاضِعٌ لمقاييسِ الشّرحِ اللّغويّ ، و لكنّه ، قبلَ ذلكَ ، مَعْنىً ذو طابعٍ اجتماعيٍّ تَداوُلِيٍّ ؛ لأنّه المعنى الذي يفهمُه الفردُ في مُجْتمعِه من ألفاظِ لغتِه ، و يُوافقُه عَلى ذلِكَ بَقيّةُ الأفْرادِ .
إنّ الكَلِمَةَ نَواةُ المُعْجَمِ، بَل نَواةُ اللّغةِ كلِّها، و وحدتُها الأساسُ، واللغةُ أداةُ إدراكٍ و مَعرِفةٍ و تَفكيرٍ ، و وَسيلةٌ للبيانِ و التّعبيرِ ، و هذِه صِفاتٌ مألوفةٌ مَعروفةٌ ، تتلقّاها النّفوسُ بالقَبولِ . و تتألّفُ اللّغةُ مِن جُملٍ دالّةٍ ، مُركَّبةٍ من ألفاظٍ دالّةٍ، لكنّ هذه الألفاظَ ليست محدودةَ المعاني حدًّا قاطِعًا في كلِّ لِسانٍ، وليست الجملُ المركَّبةُ من تلك الألفاظِ بمحدودةِ المعاني و الأساليبِ و الوجوه، و هذا أمرٌ يتعارضُ و قُدرَةَ اللّغاتِ على البيانِ و الإيضاحِ ، و يُخالِفُ البداهةَ التي توجِبُ أن يكونَ اللّفظُ الذي نستعمِلُه محدودًا في دلالتِه ؛ إذ كيفَ تكونُ كذلكَ ، وألفاظُها وجُمَلُها تحتمِلُ أكثرَ من مَعنى ، و أكثرَ من وجهٍ ، و يختلفُ عليها النّاسُ على اسْتِعْمالِهم له؛ فلم يمنعْهم اختِلافُهم على مَعاني ألفاظِ اللّغةِ و جُمَلِها أن يَستعمِلوها مِنْ أجلِ البَيانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ