أ.د عبد الرحمن بو درع
03-31-2012, 08:55 AM
حَلقات في مَوضوع: غُربة العربية من غُربة الدّين
تقديم:
ما زال اللّسان في كل أمةٍ جلاءَ الأذهان وصقلَ الخواطر و ديوانَ الأخبار والآثار. وإن لسان العرب المبين، من أبين الألسنة دلالةً، وأوسعِها معجمًا، وأذهبِها في فنونِ القولِ والبلاغةِ، وصنوفِ البيان والفصاحةِ، ممّا خدم الكتابَ المنزلَ، وكلامَ نبيّه المُرْسَل، وكان عوْنًا على فهمِهما. ولقد عُني به العلماء منذ القديم وخصُّوه بعنايةٍ لم يَحْظَ بها لسانٌ آخر ؛ فوضعوا له الضوابط، خشية تفشّي اللّحن فيه، وجمعوا مفرداته وعباراته من البوادي و مظانِّ الفصاحة، جمعوا الشعر من رُواته، والأمثالَ والخُطبَ من القبائلِ، وأسّسوا علوم النحو والصرف والبلاغة والعروض. لقد أنفقوا الأعمارَ في خدمةِ اللّغة، وبذلوا أنفسَهم لحمايةِ حواشيها من أعاصيرِ الزّمن. فظلّت لغةُ العربِ إلى قِدَمِها، متجددةً متطوِّرةً، متّصلةً اتِّصالاً عضويًا بالطبيعة والحياة، وشؤون العبادةِ.
ومرّت بهذا اللّسان القرون، تقلَّب فيها بين الصّعودِ والهبوطِ، والغزارةِ والنّزارة، وأتى عليه حينٌ من الدّهرِ عصفت به رياحُ "الحداثةِ" والتّغيير، وتبيَّن للعاقل – في زماننا هذا – تغيُّرُه، ولاح للّبيب تبدّلُه؛ حيث كاد ييبس ضرعُه بعد الغزارة، ويذْبُلُ فرعُه بعد النّضارةِ، ويَنْحَلُ عودُه بعد الرِّيِّ والرُّطوبة، واعترتْه بين أهلِه وذويه حالَةٌ شديدةٌ من الغُرْبَة، وهمومٌ وكُرْبة. ولا غَرْوَ، فإن هذ اللّسان المبين، اعتراه من الفتن ما اعترى هذا الدّين، من النّوى والغربة، في وطنِه وعُقرِ دارِه .
هذا، وينبغي الاهتمامُ باللّغةِ العربيّةِ اليومَ أكثرَ من أيّ وقتٍ مَضى، وإحياؤُها، وذلِكَ من خلالِ:
- النّظر في بعض القضايا التي تربِط العربيّةَ بالواقع، وما تعرَّضت له على مرِّ السّنين من حملاتِ حربٍ وعداءٍ، بسببِ صلتِها بالدّين، فابتُلِيتْ بما ابتُلِيَ به، من غربةٍ وامتحانٍ عسيرٍ، خرجت منه – و ما زالت تخرُجُ – سالمةً مُعافاةً لا يَذْعَرُها عائِقٌ، ولا يَصْرِفُها عن رسالتِها الحضاريّةِ صارِفٌ، ولا تُفَزِّعُها صيحاتُ الخُصوم .
- و للإسهامِ، من النّاحيةِ اللّغويّة، في التّوعية الحضارية، والحصانةِ الثّقافيّة، التي تردّ للمسلمِ بين الأمم اعتبارَه، وتُعيدُ بِناءَ شخصيّتِه، بعدَ الذي أصيبَت به من تصدُّع واستلابٍ، وتُعيدُ للعربيّة مكانَتَها العالمية في توطينِ العلمِ والثّقافةِ والفكرِ والفنّ؛ إذ إنّ المعاصَرةَ الحضارية والتواصل الثقافيَّ، يقتضِيانِ المُشارَكَةَ الفَعّالةَ والحُضورَ الجادَّ بين الأمم. ولا سبيلَ إلى ذلك إلا بتطوير اللغة العربية وتزويدِها بالمفردات الجديدة للعبارةِ عن الدّلالات الجديدةِ والمفاهيمِ الجديدة.
أ.د عبد الرحمن بودرع
أستاذ التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ تطوان ـ المغرب
تقديم:
ما زال اللّسان في كل أمةٍ جلاءَ الأذهان وصقلَ الخواطر و ديوانَ الأخبار والآثار. وإن لسان العرب المبين، من أبين الألسنة دلالةً، وأوسعِها معجمًا، وأذهبِها في فنونِ القولِ والبلاغةِ، وصنوفِ البيان والفصاحةِ، ممّا خدم الكتابَ المنزلَ، وكلامَ نبيّه المُرْسَل، وكان عوْنًا على فهمِهما. ولقد عُني به العلماء منذ القديم وخصُّوه بعنايةٍ لم يَحْظَ بها لسانٌ آخر ؛ فوضعوا له الضوابط، خشية تفشّي اللّحن فيه، وجمعوا مفرداته وعباراته من البوادي و مظانِّ الفصاحة، جمعوا الشعر من رُواته، والأمثالَ والخُطبَ من القبائلِ، وأسّسوا علوم النحو والصرف والبلاغة والعروض. لقد أنفقوا الأعمارَ في خدمةِ اللّغة، وبذلوا أنفسَهم لحمايةِ حواشيها من أعاصيرِ الزّمن. فظلّت لغةُ العربِ إلى قِدَمِها، متجددةً متطوِّرةً، متّصلةً اتِّصالاً عضويًا بالطبيعة والحياة، وشؤون العبادةِ.
ومرّت بهذا اللّسان القرون، تقلَّب فيها بين الصّعودِ والهبوطِ، والغزارةِ والنّزارة، وأتى عليه حينٌ من الدّهرِ عصفت به رياحُ "الحداثةِ" والتّغيير، وتبيَّن للعاقل – في زماننا هذا – تغيُّرُه، ولاح للّبيب تبدّلُه؛ حيث كاد ييبس ضرعُه بعد الغزارة، ويذْبُلُ فرعُه بعد النّضارةِ، ويَنْحَلُ عودُه بعد الرِّيِّ والرُّطوبة، واعترتْه بين أهلِه وذويه حالَةٌ شديدةٌ من الغُرْبَة، وهمومٌ وكُرْبة. ولا غَرْوَ، فإن هذ اللّسان المبين، اعتراه من الفتن ما اعترى هذا الدّين، من النّوى والغربة، في وطنِه وعُقرِ دارِه .
هذا، وينبغي الاهتمامُ باللّغةِ العربيّةِ اليومَ أكثرَ من أيّ وقتٍ مَضى، وإحياؤُها، وذلِكَ من خلالِ:
- النّظر في بعض القضايا التي تربِط العربيّةَ بالواقع، وما تعرَّضت له على مرِّ السّنين من حملاتِ حربٍ وعداءٍ، بسببِ صلتِها بالدّين، فابتُلِيتْ بما ابتُلِيَ به، من غربةٍ وامتحانٍ عسيرٍ، خرجت منه – و ما زالت تخرُجُ – سالمةً مُعافاةً لا يَذْعَرُها عائِقٌ، ولا يَصْرِفُها عن رسالتِها الحضاريّةِ صارِفٌ، ولا تُفَزِّعُها صيحاتُ الخُصوم .
- و للإسهامِ، من النّاحيةِ اللّغويّة، في التّوعية الحضارية، والحصانةِ الثّقافيّة، التي تردّ للمسلمِ بين الأمم اعتبارَه، وتُعيدُ بِناءَ شخصيّتِه، بعدَ الذي أصيبَت به من تصدُّع واستلابٍ، وتُعيدُ للعربيّة مكانَتَها العالمية في توطينِ العلمِ والثّقافةِ والفكرِ والفنّ؛ إذ إنّ المعاصَرةَ الحضارية والتواصل الثقافيَّ، يقتضِيانِ المُشارَكَةَ الفَعّالةَ والحُضورَ الجادَّ بين الأمم. ولا سبيلَ إلى ذلك إلا بتطوير اللغة العربية وتزويدِها بالمفردات الجديدة للعبارةِ عن الدّلالات الجديدةِ والمفاهيمِ الجديدة.
أ.د عبد الرحمن بودرع
أستاذ التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ تطوان ـ المغرب