*^* شريفة *^*
03-31-2012, 07:49 PM
اللغات المرجوحة
د: عبدالكريم مدلج
هي مجموعة من اللغات (اللهجات) نطقت بها مجموعة من القبائل العربية، فنُسبت إليها، واختصت بها، وقد درج علماء اللغة القدامى في كتبهم على تسمية هذه اللغات (اللهجات) باللغات المذمومة، أو اللغات الرديئة، أو غير ذلك من الأسماء الأخرى التي لا تليق بها، ومن هؤلاء العلماء أحمد بن فارس (ت 395هـ)، وجلال الدين السيوطي (ت911هـ)، وغيرهما
وقد آثرت أن أطلق عليها اسمًا يليق بمقامها وهو: (اللغات المرجوحة)؛ لأنني لا أذهب مذهب هؤلاء العلماء الأفاضل في هذه المسألة، ولا أميل إلى رأيهم فيها، إذ كيف لنا أن نسمّيها بهذه الأسماء وقد نطق ببعضها رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – فقد رُوي أنّه قرأ (إِنَّا أَنْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) [الكوثر1]، بدلاً من (أَعْطَيْنَاكَ)، وقال: (اللهمّ لا مانعَ لِما أنْطَيتَ ولا مُنطِي لِما مَنَعتَ)، بدلاً من (...أعطَيتَ ولا مُعطِي...)، وقال أيضًا: (اليدُ المُنْطِية خيرٌ من اليدِ السّفلى)، بدلاً من (المُعطِية)، وغير ذلك من الآثار الأخرى على لغة الاستنطاء، ورُوي عنه -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه أجاب اليمني الحميري عن مشروعيّة الصّيام في السّفر بقوله: (ليسَ مِن امْبِرِّ امْصِيامُ في امْسَفَرِ)، بدلاً من (ليسَ مِن الْبِرِّ الْصِيامُ في الْسَفَرِ)، على لغة الطّمطمانيّة، لذلك آثرنا تسميتها بـ(اللغات المرجوحة)، على أنّ اللغة الفصحى (المشتركة) هي (اللغة الرّاجحة).
ومن اللغات المرجوحة:
الاستنطاء: وهي جعل العين الساكنة نونًا إذا جاورت الطاء، مثل أنطى بدلاً من أعطى وقد قرأ الحسن البصري (إنا أنطيناك الكوثر) وروي عنه -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنّه قال: (اللهم لا مانع لما أنطيت، ولا منطي لما منعت). ومن ذلك قول الأعشى:
جِيَادُكَ فِي الْقَيْظِ فِي نِعْمَةٍ تُصَانُ الجِلاَلَ وَتُنْطَى الشَّعِيرَا
ونسبت هذه اللهجة إلى سعد بن بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار، ورُوي أنها لغة أهل اليمن. وهذه الظاهرة ليست مطردة عند القبائل التي ذُكرت، كما أنها ليست مطردة أيضاً في كل عين ساكنة تجاور الطاء، وإنما هي مختصة بكلمة (أعطى).
التَّلْتَلَة: هي كسر حرف المضارعة، فيقال: أنا إِعلم، ونحن نِعلم، وأنت تِعلم، وهو يِعلم، وروى ابن الأنباري بيتً للمرار قوله:
قد تِعْلمُ الخيلُ أيَّاماً تُطَاعِنُها مِن أيِّ شِنْشِنَةٍ أنتَ ابنَ مَنْظُورِ
ونسبت هذه اللهجة إلى قبيلة بهراء، وفي اللسان: أنها لغة كثير من القبائل العربية.
الشَّنْشَنَة: هي جعل الكاف شِيناً مطلقاً. فقد سمع بعض أهل اليمن في عرفة يقول: (لَبَّيْشَ اللهمَّ لَبَّيْشَ)، أي: لبيك، وهذه اللغة ما يزال ينطق بها أهل حضرموت إذ يقولوت: عليش بدلاً من عليك، وتتفق هذه الظاهرة مع الكشكشة من بعض الوجوه.
الطُمْطمانية: هي إبدال لام التعريف ميماً مثل: طاب امْهَواء وصفا امْجوُّ، أي: طاب الهواء وصفا الجوُّ. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، نطق بهذه اللغة فقال: (ليس من امْبرِّ امْصيام في امْسَفَر) يريد: (ليس من البرِّ الصيامُ في السَّفر)، ومن شواهدها قول بُجَير بن عَنَمَة الطائي:
ذاك خليلي وذو يعاتبني يرمي ورائي بِامْسَهْمِ وامْسَلِمَة
وسمع الأخفش من يقول: قام امْرَجُل، يريد: قام الرَّجل. ونسبت هذه اللهجة إلى طيء والأزد وقبائل حمير في جنوبي الجزيرة العربية.
العَجْعَجَة: هي تحويل الياء جيماً، فقد روي أن العجعجة في قضاعة كالعنعنة في تميم، يحولون الياء جيماً، كقول الراجز:
خالي عُوَيْفٌ وأبو عَلِجِّ
المطعمان اللحم بالعشجِّ
وبالغداة كِسرَ البَرْنِجِّ
يَقلع بالوَدِّ وبالصِّيصِجِّ
يريد: عليّ، وبالعشيّ، والبرنيِّ، وبالصِّيصيِّ. ونسبت هذه اللهجة إلى قضاعة.
وهناك عكس هذه الظاهرة، وهو إبدال الجيم ياء عند بني تميم، يقولون: شَيَرَة بدل شَجَرَة، وشَيَرَات بدل شَجَرَات، وفي جنوب العراق يقولون: دَيَاي، أي: دَجَاج.
يتبع ....
د: عبدالكريم مدلج
هي مجموعة من اللغات (اللهجات) نطقت بها مجموعة من القبائل العربية، فنُسبت إليها، واختصت بها، وقد درج علماء اللغة القدامى في كتبهم على تسمية هذه اللغات (اللهجات) باللغات المذمومة، أو اللغات الرديئة، أو غير ذلك من الأسماء الأخرى التي لا تليق بها، ومن هؤلاء العلماء أحمد بن فارس (ت 395هـ)، وجلال الدين السيوطي (ت911هـ)، وغيرهما
وقد آثرت أن أطلق عليها اسمًا يليق بمقامها وهو: (اللغات المرجوحة)؛ لأنني لا أذهب مذهب هؤلاء العلماء الأفاضل في هذه المسألة، ولا أميل إلى رأيهم فيها، إذ كيف لنا أن نسمّيها بهذه الأسماء وقد نطق ببعضها رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – فقد رُوي أنّه قرأ (إِنَّا أَنْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) [الكوثر1]، بدلاً من (أَعْطَيْنَاكَ)، وقال: (اللهمّ لا مانعَ لِما أنْطَيتَ ولا مُنطِي لِما مَنَعتَ)، بدلاً من (...أعطَيتَ ولا مُعطِي...)، وقال أيضًا: (اليدُ المُنْطِية خيرٌ من اليدِ السّفلى)، بدلاً من (المُعطِية)، وغير ذلك من الآثار الأخرى على لغة الاستنطاء، ورُوي عنه -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه أجاب اليمني الحميري عن مشروعيّة الصّيام في السّفر بقوله: (ليسَ مِن امْبِرِّ امْصِيامُ في امْسَفَرِ)، بدلاً من (ليسَ مِن الْبِرِّ الْصِيامُ في الْسَفَرِ)، على لغة الطّمطمانيّة، لذلك آثرنا تسميتها بـ(اللغات المرجوحة)، على أنّ اللغة الفصحى (المشتركة) هي (اللغة الرّاجحة).
ومن اللغات المرجوحة:
الاستنطاء: وهي جعل العين الساكنة نونًا إذا جاورت الطاء، مثل أنطى بدلاً من أعطى وقد قرأ الحسن البصري (إنا أنطيناك الكوثر) وروي عنه -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنّه قال: (اللهم لا مانع لما أنطيت، ولا منطي لما منعت). ومن ذلك قول الأعشى:
جِيَادُكَ فِي الْقَيْظِ فِي نِعْمَةٍ تُصَانُ الجِلاَلَ وَتُنْطَى الشَّعِيرَا
ونسبت هذه اللهجة إلى سعد بن بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار، ورُوي أنها لغة أهل اليمن. وهذه الظاهرة ليست مطردة عند القبائل التي ذُكرت، كما أنها ليست مطردة أيضاً في كل عين ساكنة تجاور الطاء، وإنما هي مختصة بكلمة (أعطى).
التَّلْتَلَة: هي كسر حرف المضارعة، فيقال: أنا إِعلم، ونحن نِعلم، وأنت تِعلم، وهو يِعلم، وروى ابن الأنباري بيتً للمرار قوله:
قد تِعْلمُ الخيلُ أيَّاماً تُطَاعِنُها مِن أيِّ شِنْشِنَةٍ أنتَ ابنَ مَنْظُورِ
ونسبت هذه اللهجة إلى قبيلة بهراء، وفي اللسان: أنها لغة كثير من القبائل العربية.
الشَّنْشَنَة: هي جعل الكاف شِيناً مطلقاً. فقد سمع بعض أهل اليمن في عرفة يقول: (لَبَّيْشَ اللهمَّ لَبَّيْشَ)، أي: لبيك، وهذه اللغة ما يزال ينطق بها أهل حضرموت إذ يقولوت: عليش بدلاً من عليك، وتتفق هذه الظاهرة مع الكشكشة من بعض الوجوه.
الطُمْطمانية: هي إبدال لام التعريف ميماً مثل: طاب امْهَواء وصفا امْجوُّ، أي: طاب الهواء وصفا الجوُّ. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، نطق بهذه اللغة فقال: (ليس من امْبرِّ امْصيام في امْسَفَر) يريد: (ليس من البرِّ الصيامُ في السَّفر)، ومن شواهدها قول بُجَير بن عَنَمَة الطائي:
ذاك خليلي وذو يعاتبني يرمي ورائي بِامْسَهْمِ وامْسَلِمَة
وسمع الأخفش من يقول: قام امْرَجُل، يريد: قام الرَّجل. ونسبت هذه اللهجة إلى طيء والأزد وقبائل حمير في جنوبي الجزيرة العربية.
العَجْعَجَة: هي تحويل الياء جيماً، فقد روي أن العجعجة في قضاعة كالعنعنة في تميم، يحولون الياء جيماً، كقول الراجز:
خالي عُوَيْفٌ وأبو عَلِجِّ
المطعمان اللحم بالعشجِّ
وبالغداة كِسرَ البَرْنِجِّ
يَقلع بالوَدِّ وبالصِّيصِجِّ
يريد: عليّ، وبالعشيّ، والبرنيِّ، وبالصِّيصيِّ. ونسبت هذه اللهجة إلى قضاعة.
وهناك عكس هذه الظاهرة، وهو إبدال الجيم ياء عند بني تميم، يقولون: شَيَرَة بدل شَجَرَة، وشَيَرَات بدل شَجَرَات، وفي جنوب العراق يقولون: دَيَاي، أي: دَجَاج.
يتبع ....