المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نِظَامُ الْإِيقَاعِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيم=8


أ.د. محمد جمال صقر
02-25-2013, 05:06 PM
نِظَامُ الْإِيقَاعِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيم=8
سجلتها وفرغتها وهذبتها
الأستاذة نهاد مجدي
gaheza584@yahoo.com
بمرحلة الماجستير
قسم النحو والصرف والعروض، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
************************************************** **********
أما إذا انتقلنا إلى وزن الرجز – هذا بعد الوافر بسرعة - نجده أكثر انتشارا في القرآن الكريم من غيره ، حتى لفت ذلك نظر أحد العلماء الأجلاء تصوروا من يكون ؟ هو فضيلة الشيخ محمود محمد خطاب السبكي ، شيخ الجمعية الشرعية الأول ، لفت نظره هذا ، فراح يتتبع إيقاعات الرجز في كتاب الله – تعالى !- ، وأنا تعرضت لهذا وأنا أكتب كتابي عن الرجز ، سبحان الله! له كتاب رائع جدا اسمه "المقامات العلية" ، فجمع فيه سبعا وأربعين آية جاءت على هذا الوزن ، وقد راجعت ذلك على فضيلته ، لا أخفي عليكم ، فوجدته صدقا وحقا، لكن أنا لو أني الذي بدأت كنت أخرجت عشرين أو ثلاثين ، لكنه أخرج سبعة وأربعين، ويمكن أن يخرج أحدكم أكثر ، الله أعلم ، لأن المسألة تحتاج لفيفا من الشعراء أو من المهتمين بالموضوع ، لفيف من الشعراء يضعون الفكرة في أذهانهم ، ويقرؤون أداء شعريا ، وأنتم تعرفون الفرق بين الأداء الشعري والأداء القرآني .
انظروا هذه الأمثلة السريعة :

• { يُثَبِّتُ اللهُ الّذينَ آمَنوا } إبراهيم: ٢٧.
• { حَتّى يَخوضوا في حَديثٍ غَيْرِهِ } النساء: ١٤٠ ، في النساء والأنعام .
• { تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ } البقرة: ٢٥٦.
• { في لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَما أَدْراكَ ما } القدر: ١ ، مستفعلن مستفعلن مستفعلن .
• { يُريدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ } الأعراف: ١١٠.
• { وَرَبُّكَ الْغَفورُ ذو الرَّحْمَةِ لَوْ } الكهف: ٥٨.
• { لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا } الحج: ٦٧.
• { يا أَيُّها الّذينَ آمَنوا اصْبِروا } آل عمران: ٢٠٠.
• { إِنْ يَنْتَهوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قدْ سَلَفَ } الأنفال: ٣٨.

كثير جدا ، سبعة وأربعين ، وتفعيلة مستفعلن يا أولادي ، معروف انتشار فن الرجز في العصور الأدبية القديمة ، وهذا قلته في كتابي ، فهو أصل الشعر ومبتداه ؛ أولا كان الشعر سجع كهان ، ثم رجز ، ثم تطور ، فأصبح شعرا ، هذا الكلام في كتابي بالتفصيل .

تفعيلة (مستفعلن) سببين خفيفين ووتد مجموع ، ما سر انتشارها في الشعر وفي القرآن كله ؟ لأن تفعيلة (مستفعلن) التي يبنى عليها وزن الرجز اشتركت في التشكيل الموسيقي لسبعة أبحر ، مثل البسيط والسريع والخفيف والمنسرح والمقتَضَب والمُجْتَث والكامل . الكامل! الكامل (متفاعلن) ، إذا أُضمِر يعني دخله زحاف الإضمار تسكين الحرف الثاني (متَفاعِلُن) تصبح (مُتْفاعِلُن)- فتساوي (مُسْتَفْعِلُن) ، وانتبهوا ، ظاهرة موسيقية في قراءة الشعر بعامة أتحدى لو أن شاعرا كتب قصيدة في بحر الكامل فلم يُضْمِرْ فيها ، بل يمكن – أستغفر الله إن قلت – في كل بيت ، بل أستغفر الله إن قلت في كل بيت أكثر من تفعيلة ، ولا يُثبت أن هذا البيت أو أن هذه القصيدة من الكامل إلا ورود (متَفاعِلُن) مرة واحدة، يعني ورود فاصلة صغرى مرة واحدة ثلاث متحركات فساكن فمتحرك فساكن ، لم ؟ لأنه في البيت يجوز تسكين المتحرك ، ولا يجوز تحريك الساكن ، نحن اتفقنا أن الحركة ثقيلة والسكون خفيف، فكلما أراد الشاعر أن يخفف زاد النص جمالا في الجرس ، في الموسيقى ، في الإيقاع في الأذن ، فهو يسكِّن دائما، يُضْمِر ، يسكن المتحرك ولا يحرك الساكن ؛ لو حرك الساكن لانكسر الوزن ، لأجل ذلك لا توجد قصيدة – أعتقد – قصيدة كاملة من الكامل تخلو من الإضمار ، بل يمكن في كل بيت ، والشاعر لا يقصد ، وإنما يأتي الإضمار عفويا .

أما إذا انتقلنا من الرجز إلى الكامل فهو أقل انتشارا من سابقيه ، من الوافر ومن الرجز ، لا يوجد منه إلا ثلاث أو أربع شَطَرات ، أو هكذا ما أعرفه ، لوقرأتم أنتم بتأنٍّ ربما تستخرجون نصوصا أخرى .

• { وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصيرًا } الفرقان: ٣١.
• { أَمّا ثَمودُ فَأُهْلِكوا بِالطّاغِيَةِ } الحاقة: ٥ .
• { إِنَّ الّذينَ يُبايِعونَكَ إِنَّما } الفتح: ١٠.
• { وَاللهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ } البقرة: ٢١٣ .

نقول عنه مجزوء ، تعرفون أن التام ست تفعيلات ، إذا بني على أربع صار مجزوءا ، وعلى ثلاث صار مشطورا ، وعلى اثنتين صار منهوكا .
مما بُني على اثنتين :
• { فَيَقولُ رَبّي أَكْرَمَنِ } الفجر: ١٥ ، متَفاعلن متْفاعلن .
• { وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَديدٍ } الحج: ٢١ ، مُتَفاعِلُن مُتَفاعِلُن أو مُتَفاعِلاتُنْ وهذا تَرْفيل ، الترفيل زيادة حرفين .

• { مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجيلَ } آل عمران: ٣ ، هذه قراءة القارئ العادي ، أما القارئ الشاعر فيقرأ : مصدقا لما بين يدي/ هِ وَأَنْزَلَ التَّوراةَ والإنْجيلَ ، متفاعلن متْفاعلن متْفاعلن ، ثلاث تفعيلات ، الأولى فيهن متفاعلن ، والاثنتين الأخريين فيهما إضمار.
• { وَلِيَعْلَمَ اللهُ الّذينَ آمَنوا } آل عمران: ١٤٠ ، لام التعليل وليست لام الأمر ، لتعطيني فاصلة صغرى ، لو (وَلْيَعْلَمَ) لصارت من الرجز .
الاثنتين :
• { وَلِتَبْتَغوا مِنْ فَضْلِهِ } النحل: ١٤.
• { وَأُتوا بِهِ مُتَشابِهًا } البقرة: ٢٥ .
• { يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ } البقرة: ٢٢٥ ، اثنتين أيضا .

لو انتقلنا إلى الأبحر الطويلة مثل المتقارب ذو التفاعيل الثمانية الصافية ، ولكنه لم يرد في القرآن إلا مصراعا ، أربع تفعيلات على الأكثر .

• { أَقيموا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكاةَ } البقرة: ٨٣ ، في البقرة 83 و43 و 110 ، وفي الحج 88 .
• { فَذوقوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرونَ } آل عمران: ١٠٦ ، في آل عمران .

وما يكون مصراعا ورد كثيرا ، مصراع يعني شطرا :
• { وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ في السَّماواتِ وَالْأَرْضِ } الرعد: ١5 ، يقف عند واو السماوات ، لكي تكمل التفعيلة .
• { وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقونَ } البقرة: ٣ .

وقد يرد على هيئة بيت تام ، لولا أن لفظ الجلالة في وسطه قد أخرجه من هذا الوزن، وهو قوله تعالى ، انتبهوا ، المسألة فصل وعمد من المولى – عز ، وجل! - ، انتبهوا، كيف سيستقيم ! لذلك نريد شاعرا يقرأ النص ، انظروا معي :

• { ولِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ} فسد الشطر الثاني تعرفون لو أن لفظ الجلالة هذا استبدل - أستغفر الله - في غير القرآن الكريم بضميره : (ولله ملك السماوات والأرض و(هو) على كل شيء قدير) - لاستقام الوزن ، فلو ناب عن لفظ الجلالة ضميره (هو) لاستقام الإيقاع ، ولكن لم يشأ الله ذلك– سبحانه ، وتعالى!.

من الأوزان الصاخبة أيضا وزن السريع ، فلا يرد في القرآن إلا على وزن مصراع واحد ، مثل قوله : { يا أَيُّها النّاسُ اعْبُدوا رَبَّكُمُ } البقرة: ٢١ . لو قرأناها قراءة القرآن : بسم الله الرحمن الرحيم { يا أَيُّها النّاسُ اعْبُدوا رَبَّكُمُ } لن يخطر على بال أي قارئ للقرآن أن فيها موسقة شعرية إطلاقا ، إنما لو قرأتها بميزان الشعر العربي : يا أيها النْ/ناسُ اعْبدوا/ ربكمُ.

وعلى وزنها أيضا : { يا أَيُّها النّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ } النساء: ١ ، ومثل ذلك في النساء والمؤمنون ، ولم أقف هنا كثيرا ، لأجل الوقت فقط .

من الأوزان الصافية المنتشرة في الشعر الهزج لأنه وزن ، أستغفر الله إن قلت وزن راقص ، مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن ، يصلح للأناشيد و الغزل ، فقد وافقت بعض الآيات القرآنية هذا الإيقاع مشطورا ، يعني تفعيلتين اثنتين فقط مثل : { يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ } البقرة: ٢٨٤ ، مفاعيلن مفاعيلن .
قد يرد مرة على أربع تفعيلات ، أيضا قضية كسر الوزن ، { الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْروفٍ أَوْ تَسْريحٌ بِإِحْسانٍ } البقرة: ٢٢٩ ، أليس كذلك ؟ تصوروا فإمساكٌ/ بمعروفٍ/ وتسريحٌ/ بإحسان. لكن فسد المعنى كذلك – أستغفر الله العظيم - لأن (أو) غير (و) ؛ (أو) للتخيير ، والأخرى للعطف ، يعني أريد أن أقول لكم فقط إن الله – سبحانه ، وتعالى!- هو الذي يعمد إلى كسر الوزن ، يعمد عمدا إلى كسر الوزن ، لئلا يكون القرآن شعرا ، لكن به موسقة الشعر ، وأنغام الشعر ، وتفاعيل الشعر ، وإيقاعات الشعر .

وعلى نفس المنوال يجري وزن المتدارك ، وهو صاف أيضا ، مبني على فاعلن ، كان أصل المتدارك فاعِلُن فاعلن فاعلن فاعلن ، ماذا حدث فيه ؟ سقطت الألف ، فصار فَعِلن، ماذا نقول عنه ؟ نعم خبن ، أو يدخله قطع يُحَوِّل الوتد الأخير إلى سبب خفيف ، أو سببين خفيفين ، وقد يختلطان معا فعِلن فعْلن ، فمما يوافقه في القرآن مصراع فقط ، يعني ليس بيتا كاملا ، هو :{ لَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ} البقرة: ٢٢٠ ، فعْلن فعْلن فعِلن فعِلن.
ومما يُبنى على ست :
• { ثُمَّ ازْدادوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } آل عمران: ٩٠ ، انظروا : ثُمَّ از/دادوا/كُفرًا/لنْ تُقْ/بَلَ تَوْ/بَتُهُمْ ، كلها إما فَعِلُن أو فَعْلُن.
وما يبنى على ست تفعيلات يعد حدا أقصى ، في مثل قوله – تعالى !- :
• { وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ } آل عمران: ١٤٠ ، ستة ، فعْلن فعْلن فعِلن فعِلن فعْلن فعْلن ، ومثله :
• { إِنْ تُبْدوا ما في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفوهُ } البقرة: ٢٨٤ ، فعْلن فعْلن فعْلن فعِلن فعْلن فعْلن ، هذه الأوزان الصافية .

محب العربية
02-27-2013, 10:27 AM
شكر الله لكم ، وجزاكم خيرا،،