المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=2


أ.د. محمد جمال صقر
03-04-2013, 05:16 PM
فِي مَقَامِ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ=2
للدكتور محمد جمال صقر
أَسْئِلَةُ الِاسْتِمَاعِ وَالتَّحَدُّثِ
ينبغي ألا يجوز العبث بين الاستماع والتحدث، إلا على الغَفَلَة الهازلين، فأما العاقلون الجادون فمشغولون بتحديد رسالة الكلام المستمع إليه المتحدث به، داخل مجاله، بضوابط معاييره.
وفيما يأتي أتحدث إليكم بكلام جديد عليكم -أو ينبغي أن يكون جديدا عليكم حتى تستقيم التجربة- أحب من خلاله أن أقيس درجة مهارتي بالتحدث، ودرجة مهارتكم بالاستماع، بالأسئلة الآتية التي لا تمنع اقتراح غيرها:
- أَلِمُعلِّمٍ هَذَا الْكَلَامُ أَمْ متَعَلِّمٍ؟
- أَوَاضِحٌ أَمْ غَامِضٌ؟
- أَمُقْنِعٌ أَمْ قَاهِرٌ؟
- أَمُجَهَّزٌ أَمْ مُرْتَجَلٌ؟
- أَعِلْمِيٌّ أَمْ فَنِّيٌّ؟
- أَنَثْرٌ أَمْ شِعْرٌ؟
- أَقَدِيمٌ أَمْ حَدِيثٌ؟
- أَلِذَكَرٍ أَمْ أُنْثَى؟
- أَقَوِيٌّ أَمْ ضَعِيفٌ؟
- لِمَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ؟
ولا ريب لديَّ في أنه تختلط في أجوبة هذه الأسئلة أساليبُ التفكير (حركة أفكار المتحدث)، والتعبير (حركة عبارات المتحدث)، والتقويم (حركة أحكام المستمع)، ولا عَجَبَ؛ فهي واحدة الأصل (العَقْل). ولكنني مضطر فيما يأتي إلى تمييز بعضها من بعض، تَوْسيعًا لنفسي، وتَيْسيرًا عليكم، بحيث أتحدث إليكم بالكلام نفسه ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لأسألكم بعد المرة الأولى عن أسلوب التفكير، وبعد المرة الثانية عن أسلوب التعبير، وبعد المرة الثالثة الأخيرة عن أسلوب التقويم.
فَاسْتَمِعُوا أَوَّلًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّفْكِيرِ:
"اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْتَشَارَ لَيْسَ بِكَفِيلٍ، وَأَنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ. بَلِ الرَّأْيُ كُلُّهُ غَرَرٌ لِأَنَّ أُمُورَ الدُّنْيَا لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِثِقَةٍ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهَا يُدْرِكُهُ الْحَازِمُ إِلَّا وَقَدْ يُدْرِكُهُ الْعَاجِزُ. بَلْ رُبَّمَا أَعْيَا الْحَزَمَةَ مَا أَمْكَنَ الْعَجَزَةَ!
فَإِذَا أَشَارَ عَلَيْكَ صَاحِبُكَ بِرَأْيٍ، ثُمَّ لَمْ تَجِدْ عَاْقِبَتَهُ عَلَى مَا كُنْتَ تَأْمُلُ- فَلَا تَجْعَلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَلَاْ تُلْزِمْهُ لَوْمًا وَعَذْلًا بِأَنْ تَقُولَ: أَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِي، وَأَنْتَ أَمَرْتَنِي، وَلَوْلَا أَنْتَ لَمْ أَفْعَلْ، وَلَا جَرَمَ لَا أُطِيعُكَ فِي شَيْءٍ بَعْدَهَا؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ ضَجَرٌ وَلُؤْمٌ وَخِفَّةٌ.
فَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمُشِيرَ، فَعَمِلَ بِرَأْيِكَ، أَوْ تَرَكَهُ، فَبَدَا صَوَابُكَ- فَلَا تَمُنَّنَّ بِهِ، وَلَا تُكْثِرَنَّ ذِكْرَهُ -إِنْ كَانَ فِيهِ نَجَاحٌ- وَلَا تَلُمْهُ عَلَيْهِ -إِنْ كَانَ قَدِ اسْتَبَانَ فِي تَرْكِهِ ضَرَرٌ- بِأَنْ تَقُولَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ افْعَلْ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا مُجَانِبٌ لِأَدَبِ الْحُكَمَاءِ".
أَلِمُعلِّم هَذَا الْكَلَامُ أَمْ مُتَعَلِّمٍ؟
يحرص المستمعون على كل كلام يستفيدون منه ما ينفعهم، ويرضون عما يبذلونه له من أوقاتهم التي لا تُعَوَّضُ. ولا يخفى أن هذا الكلام السابق إنما هو لمعلِّم يفيض على غيره مما علمه الله -سبحانه، وتعالى!- وهو يعلم أن زكاةَ العلم (تطهيرَه وتنميتَه) تعليمُه؛ فأَيُّما عالمٍ لم يُعَلِّم غيره علمه يَنْسَهُ، وإن سئل عنه فكتمه باء بإثم الكتمان في الدنيا والآخرة؛ فَإِنَّه "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" .
وعلى رغم أن الحكمة فضل الله -سبحانه، وتعالى!- يؤتيه من يشاء -"وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا" - نُرَجِّحُ أن الكلام لإنسان كبير السن قد حَنَّكَتْهُ تجارب العمر الطويل، إلى إنسان أصغر منه سنا وأقل تجربة. ومهما يكن الإنسان مجرِّبا فلن يعدم حوله إذا تَأَمَّل، مَنْ لا يستغني عن تجربته، "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" .
أَوَاضِحٌ هَذَا الْكَلَامُ أَمْ غَامِضٌ؟
إذا لم يحظ الكلام بمثل ما بذل فيه من تفكير، لم يخرج المستمعُ منه بفائدته -مهما كان واضحا- فلا وضوح مع غفلة أو كسل أو إعراض أو إهمال.
وعلى رغم حكمة ما في أسلوب الكلام السابق من تفكير، لا يغمض على من أصغى إليه، بل يستطيع أن يميز فيه ثلاث فقر بثلاث فكر:
1 فقرة أولى في طَبِيعة الرَّأْي على العموم: "اعْلَمْ (...) الْعَجَزَةَ".
2 فقرة ثانية في أَدَب الِاسْتِشَارَة على الخصوص: "فَإِذَا أَشَارَ (...) وَخِفَّةٌ".
3 فقرة ثالثة في أَدَب الْإِشَارَةِ على الخصوص: "فَإِنْ كُنْتَ (...) الْحُكَمَاءِ".
مثلما يستطيع أن يميز أن رسالته في "الأَدَب" (التَّهْذيب الخُلُقِي)، على حسب اصطلاح القدماء بكلمة أَدَب على كل ما أنار بصيرة الإنسان من الكلام- وأنه لا يجوز أن تُحَدَّد رسالته بأنها في طبيعة الرأي على حسب فكرة الفقرة الأولى، ولا في أدب الاستشارة على حسب فكرة الفقرة الثانية، ولا في أدب الإشارة على حسب فكرة الفقرة الثالثة، بل ينبغي أن تُحَدَّد بما يشمل الثلاثة جميعا معا. وليس أَسَدَّ من تحديدها وعنونتها بـ"أَدَب التَّشَاوُر"؛ ففي التشاور تختلط الاستشارة بالإشارة في كلمة واحدة من كلمات التشارك، يجوز أن يكون كل طرف من أطرافها فاعلا ومفعولا، أي مشيرا ومستشيرا (مشارا عليه).
أَمُقْنِعٌ هَذَا الْكَلَامُ أَمْ قَاهِرٌ؟
ليس حتما إذا تحدث إلينا من يَفْضُلُنا علما وخبرة أن يقهرنا بالأمر -وإن كان بخير- أو النهي -وإن كان عن شر- من غير أن يجادلنا في ذلك، بل مِنْ فضل الفاضل أن يُحْسِنَ التَّأَتِّيَ إلى التفضُّل على غيره بأمره أو نهيه.
ومن حسن التأتي إلى تعليم الآخرين وتنبيههم، أن نجادلهم فنستمع إليهم كما استمعوا إلينا، ونبين لهم وجوه الصواب فيما نقول، ووجوه الخطأ فيما يقولون، وهو ما جرى عليه الكلام الذي تحدثتُ به إليكم؛ فقد مَهَّدَ الطريق إلى إقناع المستمعين بضرورة التشاور، بتأليف قلوبهم؛ إذ أرضاهم عن أعمالهم أولا بأنه ليس في الدنيا رأي مضمون، وهو ما يعفيهم من ذنب التقصير. ثم نَقَدَ حالين متضادتين إذا كان أَيٌّ المستمعين في إحداهما لم يكن في الأخرى؛ فأشعرهم بالإنصاف الذي يُوَلِّد الثقة التي تُغْري بالانْتِصَاح (قبول النصيحة).
ولا يغيِّر من طبيعة هذا الكلام الإقناعية، ما ذُيِّلَتْ به فِقَرُهُ من أحكام ساخرة؛ فهي محمولة على الأوضاع المحذَّرة المستبعدة من أفعال المستمعين.
أَعِلْمِيٌّ هَذَا الْكَلَامُ أَمْ فَنِّيٌّ؟
إِنَّ الْعِلْمَ نِظَامُ أَفْكَارٍ مَبْنِيٌّ عَلَى وَفْقِ بَحْثٍ تَجْرِيبِيٍّ، وَإِنَّ الْفَنَّ سِيَاقُ أَفْكَارٍ مَبْنِيٌّ عَلَى وَفْقِ تَدَاعٍ نَفْسِيٍّ. ولقد جرى الكلام الذي تحدثت به إليكم، على خلاصة ما أَدَّتْهُ مُعاشرةُ الناس والخبرةُ بأحوالهم، ثم تنظيمِ دقائق هذه الخلاصة في نظام مُحْكَم ينقل وجهة نظر محددة ويقتضي الأخذ بها؛ فهو مِنْ ثَمَّ كلامٌ علمي، مهما كانت تعبيراته مثقفة تثقيفا كاملا يَتَجَلَّى هنا في أجوبة الأسئلة الأخرى؛ فإن التثقيف طريق ينبغي أن يسلكه الكلامُ كُلُّه ليصل إلى غاية الإتقان، فأما ما نطلع عليه في بعض كتب العلم العربية المعاصرة من رَكَاكَاتٍ تُخَالِفَ عن طريق التَّثْقِيف إلى طريق التَّسْخِيف، فمَظْهَرٌ من ضياع العلم بين أيدي بعض مُدَّعيه، ينبغي ألا يُسْكَتَ عليه.
ثُمَّ اسْتَمِعُوا ثَانِيًا، لِتُمَيِّزُوا أُسْلُوبَ التَّعْبِيرِ: ...
أَلِذَكَرٍ هَذَا الْكَلَامُ أَمْ أُنْثَى؟
"إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الْأَقْوَامِ (الرجال)" كما قال المثل الشعري العربي القديم، أي مُكَمِّلاتهم؛ فلا تقوم حياة ولا تستمر بأيٍّ من الذكور والإناث دون الآخر؛ ومن ثم يتطلع المستمعون كلما بلغهم نَبَأ حوار، إلى معرفة نوع طَرَفَيْه، حتى يضعوه في موضعه من التكامل المطلوب.
ولقد ذَكَّرَ الكلام السابق من كَلِمَاته، ما يدل على أن المخاطب به ذَكَر -والذكورة والأنوثة ظاهرتان حَيَويَّتان طبيعيتان، أما التذكير والتأنيث فظاهرتان لغويتان عُرْفيَّتان- على النحو التالي:
- لقد قال: "اعْلَمْ"، ولو كان لأنثى لقال: اعْلَمِي.
- وقال: "عَلَيْكَ"، ولو كان لأنثى لقال: عَلَيْكِ.
- وقال: "صَاحِبُكَ"، ولو كان لأنثى لقال: صَاحِبُكِ.
- وقال: "لَمْ تَجِدْ"، ولو كان لأنثى لقال: لَمْ تَجِدِي.
- وقال: "كُنْتَ" مرتين، ولو كان لأنثى لقال: كُنْتِ.
- وقال: "تَأْمُلُ"، ولو كان لأنثى لقال: تَأْمُلِينَ.
- وقال: "لَا تَجْعَلْ"، ولو كان لأنثى لقال: لَا تَجْعَلِي.
- وقال: "لَا تُلْزِمْهُ"، ولو كان لأنثى لقال: لَا تُلْزِمِيهِ.
- وقال: "بِأَنْ تَقُولَ" مرتين، ولو كان لأنثى لقال: بِأَنْ تَقُولِي.
- وقال: "أَنْتَ"، ولو كان لأنثى لقال: أَنْتِ.
- وقال: "الْمُشِيرَ"، ولو كان لأنثى لقال: الْمُشِيرَةَ.
- وقال: "بِرَأْيِكَ"، ولو كان لأنثى لقال: بِرَأْيِكِ.
- وقال: "لَا تَمُنَّنَّ"، ولو كان لأنثى لقال: لَا تَمُنِّنَّ.
- وقال: "لَا تُكْثِرَنَّ"، ولو كان لأنثى لقال: لَا تُكْثِرِنَّ.
- وقال: "لَا تَلُمْهُ"، ولو كان لأنثى لقال: لَا تَلُومِيهِ.
فأما المتحدث المختبئ في أسلوب الكلام خلف حكمته، فقد جرت العادة أن يتحدث بكلام نفسه لا كلام غيره حتى يَثْبُتَ للمستمع أنه نَقَلَه عن غيره؛ فإذا لم يكن في أسلوب هذا الكلام ما يمنع حَمْله على مَنْ تَحَدَّثَ به وَجَب حَمْلُه عليه. ولكن إذا حُمِلَ أسلوب الكلام على التَّجْرِيد (تمييز المتكلم لنفسه من نفسه وتوجيه الكلام إليها وكأنها شخصٌ آخر)، اتضح من تَذْكِير كلمات الكلام على النحو السابق، أن طرفي الحوار ذَكَران، بل ما هما إلا ذَكَرٌ واحد!
أَقديمٌ هَذَا الْكَلَامُ أَمْ حَدِيثٌ؟
تتطور اللغة الحية فأما اللغة الجامدة فلغة ميتة؛ ومن ثم يستطيع المتأمل أن يميز في أساليب الكلام التي يستمع إليها قديمَها أو قَدَامِيّها المتشبِّه بقديمها، من حديثِها أو حَدَاثِيّها المتشبِّه بحديثها- بمقياس الاستعمال غير المنظور فيه إلى أَفْضَلِيَّة قديم أو حديث؛ فما يجده فيما يستعمله فهو حَدِيث أو حَدَاثِيّ -وإن تواترت على استعماله أجيال الناس- وما يفتقده فيما يستعمله فهو قَديم أو قَدَامِيّ، وإن قاله أخوه ابن أمه وأبيه! ثم يظل في الإمكان مكانُ ما لم يُسْتَعْمَلْ قَطُّ، للمُسْتَقْبَلِيّ الذي يطمح به بعض المتكلمين إلى ما يَمَسَّه أحد!
وفي أسلوب الكلام السابق قَدَامَةٌ واضحة في اختيار بعض المفردات، على النحو التالي:
- "غَرَر"، والشائع بمعناها في الكلام الحديث "احْتِمَال".
- "أَعْيَا"، والشائع بمعناها في الكلام الحديث "أَتْعَب".
- "دَيْن"، والشائع بمعناها في الكلام الحديث "حَقّ".
- "العَذْل"، والشائع بمعناها في الكلام الحديث "اللَّوْم".
- "لَا جَرَمَ"، والشائع بمعناها في الكلام الحديث القَسَم.
وفي اختيار جمع تكسير "الحَازِم" على صيغة "الحَزَمَة"، والشائع في الكلام الحديث جمع التسليم "الحَازِمُون".
وكذلك تتجلى قدامة أسلوب الكلام في اختيار بعض التركيبات، على النحو التالي:
- "(...) لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ (...)"، فتركيب ضمير شأن (الهاء) الذي يفتقر بعده إلى جملة كاملة تعبر عن المضمر فيه، قليل الاستعمال في الكلام الحديث.
- "إِنَّ هَذَا كُلَّهُ ضَجَرٌ وَلُؤْمٌ وَخِفَّةٌ (...) إِنَّ هَذَا مُجَانِبٌ لِأَدَبِ الْحُكَمَاءِ"؛ فإن الإشارة بـ"هذَا" إلى التفاصيل الكثيرة السابقة، والتزام تأخير التعليل عنها، نمط من التركيب قليل الاستعمال في الكلام الحديث.
- "إِنْ كُنْتَ (...) فَعَمِلَ (...) أَوْ تَرَكَهُ (...) فَبَدَا (...) فَلَا تَمُنَّنَّ (...) وَلَا تُكْثِرَنَّ (...) وَلَا تَلُمْهُ (...)"؛ فإن تفريع جمل الشرط والجواب على هذا النحو المُهَنْدَس المُؤَنَّق، قليل الاستعمال في الكلام الحديث.

عبد الرحمن
03-05-2013, 01:35 PM
مشكووووور يا سعادة أ.د. محمد جمال صقر