د.ضياء الجبوري
02-14-2016, 10:53 PM
الجموع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فإنَّ الجموع في العربية على نوعينِ: جمع سالم، وجمع تكسير. وجمع التكسير له أوزان كثيرة تبلغ سبعة وعشرين وزنا. وقد يكون للاسم الواحد عدة جموع نحو: ساجد وسجَّد وساجدين.
ويرى الدكتور فاضل السامرائي أنَّ لاختلافِ الجموعِ في العربية لها معان مختلفة؛ نتيجةً لاختلافِ أبنيتِها. فدلالةُ (فَعَلة) على الجمعِ تختلفُ عن دلالةِ (فُعّال). فالكُتَّاب ليس بمعنى الكَتَبة تماماً. وليس (فُعْلاً) كـ(فُعْلان)، فالعُمْي ليس بمعنى العُميان. ولولا اختلاف المعنى ما كان اختلاف الأوزان.
ثمَّ قال: إنَّ القرآن الكريم استعمل الساجدين مثلا والسُّجَّد والسجود، واستعمل الكفار والكفرة والكافرين وغيرها من الجموع المختلفة فهل دلالاتُ هذه الجموعِ المختلفةِ واحدة؟
ويرى النحاة أنَّ لاختلاف أوزان الجموع أسبابا عدة، سوف ألخّصها فيما يأتي – كما بيّنها الدكتور فاضل السامرائي بتصرف -:
اختلاف لغات العرب: فمن العرب من يجمع مفردة ما وزنها (فَعْل) – مثلا - على (أَفْعُل)، ومنهم من يجمعها نفسها على (أفعال). مثال ذلك فَسْل، فجمعها فِسال كما ذكر سيبويه، وقال: " وسمعنا من العرب من يقول: فسلٌ وفسولٌ، فكسروه على فعول كما كسَّروه عليه إذ كان اسماً". وقال: " وبلغنا أنَّ بعضهم يقول: جبلٌ وأجبلٌ". فـ(فسل) يجمع على فسال ولكن سمع على فسول، و(جب) يجمع على جبال وقد سمع على أجبل.
الضرورة الشعرية أو ضرورة السجع: إنَّ لغةَ الشعرِ لغةٌ خاصةٌ، وإنَّ العربَ قد يخرجون الكلامَ عن وضعِه فيجمعون على أوزانٍ أخرى. مثال ذلك قولهم: إنّي لآتيه بالغدايا والعشايا. والغداة لا تجمع على الغدايا ولكنهم كشروه على ذلك ليطابقوا بين لفظه ولفظ العشايا.
اختلاف المعنى: وهذا سبب آخر من أسباب اختلاف أوزان الجموع، فقد تكون اللفظة مشتركة فيفرقُ بينها في الجموع، أو يكون معناها واحدا غير مشترك ولكن جموعها تختصّ بمعانٍ مختلفة مثل لفظة الربيع، فإن ربيع الكلأ يجمع على (أربعة)، وأمَّا ربيع الجدول فيجمع على (أربعاء)، ويجمع خال الرجل على (أخوال)، والخال الذي في الجسد يجمع على خِيلان، والخُفّ يجمع على خِفاف، وأما حُفّ البعير فإنه يجمع على أخفاف. وكالأسرى والأسارى فقد فرق أبو عمرو بينهما فقال: الأسارى الذين في وثاق، والأسرى الذين في اليد. وكالعباد والعبيد فأنّ أكثر ما يقال عبد الله وعبيد الناس.
القلة والكثرة: ذكر النحاة أوزانا للقلة وأخرى للكثرة، فابن مالك ذكر أربعة أوزان للقلة هي: أفعِلة كأغربة، وأفعُل كأشهر، وفِعلة كفِتية وأفعال كأشياخ. والجمع السالم بنوعيه يفيد القلة عند جمهور أهل اللغة، وجمع التكسير يفيد الكثرة.
وقد خص القرآن جموعا لمعان معينة واستعمل أخرى لمعان أخرى، من ذلك جمع لفظة (قاعد)، فقد خص القرآن (القاعدين) بالقعود الحقيقي و(القاعدين) بمعنى القاعدين عن الجهاد. من ذلك قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم). وأما في الجهاد فقال تعالى: (فثبّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين).
ومن ذلك ما خصه باستعمال القيام والقائمين جمع (قائم) فقد خص (القيام) بالقيام الحقيقي و(القائمين) بمعنى القيام بالأمر والعكوف. قال تعالى: (فإذا هم قيام ينظرون) هذا في القيام الحقيقي. وقال تعالى: (والذين هم بشهادتهم قائمون) فدل على القيام بالأمر. وقال تعالى: (وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركّع السجود). فدل على العكوف.
فلأوزان الجموع دلالات مختلفة في العربية، أنشأتها العرب لتخصَّ بكل وزنٍ منها دلالةٍ معينة. ومثلما قال العلماء كل زيادة في المبنى تقابلها زيادة في المعنى، وكذلك قيل: كلّ تغير في المبنى يقابله تغير في المعنى، ولولا اختلاف المعنى لما اختلفت هذه الأوزان. والله تعالى أعلم.
ملخصا من كتاب معاني الأبنية للأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين.
وكتبه
د.ضياء الجبوري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فإنَّ الجموع في العربية على نوعينِ: جمع سالم، وجمع تكسير. وجمع التكسير له أوزان كثيرة تبلغ سبعة وعشرين وزنا. وقد يكون للاسم الواحد عدة جموع نحو: ساجد وسجَّد وساجدين.
ويرى الدكتور فاضل السامرائي أنَّ لاختلافِ الجموعِ في العربية لها معان مختلفة؛ نتيجةً لاختلافِ أبنيتِها. فدلالةُ (فَعَلة) على الجمعِ تختلفُ عن دلالةِ (فُعّال). فالكُتَّاب ليس بمعنى الكَتَبة تماماً. وليس (فُعْلاً) كـ(فُعْلان)، فالعُمْي ليس بمعنى العُميان. ولولا اختلاف المعنى ما كان اختلاف الأوزان.
ثمَّ قال: إنَّ القرآن الكريم استعمل الساجدين مثلا والسُّجَّد والسجود، واستعمل الكفار والكفرة والكافرين وغيرها من الجموع المختلفة فهل دلالاتُ هذه الجموعِ المختلفةِ واحدة؟
ويرى النحاة أنَّ لاختلاف أوزان الجموع أسبابا عدة، سوف ألخّصها فيما يأتي – كما بيّنها الدكتور فاضل السامرائي بتصرف -:
اختلاف لغات العرب: فمن العرب من يجمع مفردة ما وزنها (فَعْل) – مثلا - على (أَفْعُل)، ومنهم من يجمعها نفسها على (أفعال). مثال ذلك فَسْل، فجمعها فِسال كما ذكر سيبويه، وقال: " وسمعنا من العرب من يقول: فسلٌ وفسولٌ، فكسروه على فعول كما كسَّروه عليه إذ كان اسماً". وقال: " وبلغنا أنَّ بعضهم يقول: جبلٌ وأجبلٌ". فـ(فسل) يجمع على فسال ولكن سمع على فسول، و(جب) يجمع على جبال وقد سمع على أجبل.
الضرورة الشعرية أو ضرورة السجع: إنَّ لغةَ الشعرِ لغةٌ خاصةٌ، وإنَّ العربَ قد يخرجون الكلامَ عن وضعِه فيجمعون على أوزانٍ أخرى. مثال ذلك قولهم: إنّي لآتيه بالغدايا والعشايا. والغداة لا تجمع على الغدايا ولكنهم كشروه على ذلك ليطابقوا بين لفظه ولفظ العشايا.
اختلاف المعنى: وهذا سبب آخر من أسباب اختلاف أوزان الجموع، فقد تكون اللفظة مشتركة فيفرقُ بينها في الجموع، أو يكون معناها واحدا غير مشترك ولكن جموعها تختصّ بمعانٍ مختلفة مثل لفظة الربيع، فإن ربيع الكلأ يجمع على (أربعة)، وأمَّا ربيع الجدول فيجمع على (أربعاء)، ويجمع خال الرجل على (أخوال)، والخال الذي في الجسد يجمع على خِيلان، والخُفّ يجمع على خِفاف، وأما حُفّ البعير فإنه يجمع على أخفاف. وكالأسرى والأسارى فقد فرق أبو عمرو بينهما فقال: الأسارى الذين في وثاق، والأسرى الذين في اليد. وكالعباد والعبيد فأنّ أكثر ما يقال عبد الله وعبيد الناس.
القلة والكثرة: ذكر النحاة أوزانا للقلة وأخرى للكثرة، فابن مالك ذكر أربعة أوزان للقلة هي: أفعِلة كأغربة، وأفعُل كأشهر، وفِعلة كفِتية وأفعال كأشياخ. والجمع السالم بنوعيه يفيد القلة عند جمهور أهل اللغة، وجمع التكسير يفيد الكثرة.
وقد خص القرآن جموعا لمعان معينة واستعمل أخرى لمعان أخرى، من ذلك جمع لفظة (قاعد)، فقد خص القرآن (القاعدين) بالقعود الحقيقي و(القاعدين) بمعنى القاعدين عن الجهاد. من ذلك قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم). وأما في الجهاد فقال تعالى: (فثبّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين).
ومن ذلك ما خصه باستعمال القيام والقائمين جمع (قائم) فقد خص (القيام) بالقيام الحقيقي و(القائمين) بمعنى القيام بالأمر والعكوف. قال تعالى: (فإذا هم قيام ينظرون) هذا في القيام الحقيقي. وقال تعالى: (والذين هم بشهادتهم قائمون) فدل على القيام بالأمر. وقال تعالى: (وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والركّع السجود). فدل على العكوف.
فلأوزان الجموع دلالات مختلفة في العربية، أنشأتها العرب لتخصَّ بكل وزنٍ منها دلالةٍ معينة. ومثلما قال العلماء كل زيادة في المبنى تقابلها زيادة في المعنى، وكذلك قيل: كلّ تغير في المبنى يقابله تغير في المعنى، ولولا اختلاف المعنى لما اختلفت هذه الأوزان. والله تعالى أعلم.
ملخصا من كتاب معاني الأبنية للأستاذ الدكتور فاضل صالح السامرائي.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين.
وكتبه
د.ضياء الجبوري