إدارة المجمع
02-15-2016, 12:08 PM
سلسلة (عالم ورأي)
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
http://www.m-a-arabia.com/site/wp-content/uploads/2016/02/%D9%81%D9%81.png
الحلقة الرابعة والعشرون : الأستاذ الدكتور عبد الحميد مدكور – أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة – ورأيه في دور الترجمة في التواصل الحضاري:
يلتقي الدارس للترجمة بنماذج كثيرة يتحقق فيها هذا التواصل والحوار بين الحضارات، ومن بين هذه النماذج ما يتعلق بجزء من تراث اليونان في الفلك والرياضة، فقد قطع هذا الجزء من التراث رحلة طويلة، انتقل فيها بين القارات والحضارات وكان يكتسب في كل شوط من أشواط هذه الرحلة إضافات جديدة، يمكن تشبيهها بما يحدث لساق الشجرة التي تكتسب في كل عام أو في كل بضعة أعوام طبقة من اللحاء، تزداد بها لتلك الشجرة قوة ورسوخًا.
وقد انتقل هذا الجزء من اليونان إلى مدرسة الإسكندرية، ثم غادرها إلى الهند، عن طريق البحر أو عن طريق مملكة بلخ التي أسسها الإسكندر الأكبر وقد كانت طريقًا مفتوحًا بين العالم الإغريقي وأواسط آسيا، وعلى الأخص مدينة مرو. وقد تطور هذان العلمان في الهند تطورًا كبيرًا، ولكنه – كما يقول أوليري-كان تطورًا مبنيًّا على مادة وافدة من الإسكندرية، وما لبث هذا التطور أن وصل عن طريق الهند إلى المسلمين ويمكن لنا أن نتابع مسيرة هذين العلمين لنرى انتقالهما إلى أوروبا فيما بعد، وهما يحملان تلك الإضافات الكثيرة التي أضافها المسلمون إليهما.
وهناك نموذج ثان يتمثل في كتاب كليلة ودمنة، وهو الكتاب الذي وضعه بيدبا، الفيلسوف الهندي، لدبشليم، ثم أن كسرى أنوشروان، المولع بالحكمة سمع بهذا الكتاب فأرسل برزويه في مهمته، وقام بترجمة الكتاب إلى الفارسية، وفي ظل الإسلام وحضارته تمت ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية على يد عبدالله بن المقفع أو على يد عبدالله بن هلال الأهوازي الذي ترجمها ليحيى بن خالد البرمكي، ولم يكتف المسلمون بترجمة الكتاب نثرًا، بل نظمها بعضهم شعرًا ليحيى البرمكي أي فور ترجمتها النثرية، ثم قام أحد ملوك الهند بإهداء هذا الكتاب إلى عبد الرحمن الناصر (ت 350هـ) صاحب الأندلس، الذي كان معنيًّا بالحركة الثقافية، عاملاً على نهضتها في الأندلس والمغرب.
ويتعلق النموذج الثالث بكتاب ديسقوريدوس في النباتات والحشائش وهو كتاب فريد جمع فيه مؤلفه بين الوصف العلمي النظري للنباتات، وتصويرها. ويذكر طاش كبرى زادة أنه كان مصورًا بالتصوير الروسي البديع، وكان مكتوبًا باللغة اليونانية، ثم تُرجم الكتاب من اليونانية إلى اللغة العربية على يد اصطفن بن يسيل في أيام الخليفة المتوكل ببغداد. وقد اجتهد اصطفن في ترجمة الأسماء اليونانية إلى العربية على قدر وسعه. وقد تصفح حنين بن إسحاق هذه الترجمة وأجازه، وأصلح الحسين بن إبراهيم الناتلي هذه الترجمة، ولكنه لم يكن ملمًّا باليونانية فجاء إصلاحه لها لغويًّا فقط، ثم تُرجم الكتاب من السريانية على يد مهران بن منصور.
المصدر: المؤتمر الدولي الأول للفلسفة الإسلامية-القاهرة-دار العلوم-1996م، ص 39، وما بعدها.
إعداد: مصطفى يوسف
تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
http://www.m-a-arabia.com/site/wp-content/uploads/2016/02/%D9%81%D9%81.png
الحلقة الرابعة والعشرون : الأستاذ الدكتور عبد الحميد مدكور – أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة – ورأيه في دور الترجمة في التواصل الحضاري:
يلتقي الدارس للترجمة بنماذج كثيرة يتحقق فيها هذا التواصل والحوار بين الحضارات، ومن بين هذه النماذج ما يتعلق بجزء من تراث اليونان في الفلك والرياضة، فقد قطع هذا الجزء من التراث رحلة طويلة، انتقل فيها بين القارات والحضارات وكان يكتسب في كل شوط من أشواط هذه الرحلة إضافات جديدة، يمكن تشبيهها بما يحدث لساق الشجرة التي تكتسب في كل عام أو في كل بضعة أعوام طبقة من اللحاء، تزداد بها لتلك الشجرة قوة ورسوخًا.
وقد انتقل هذا الجزء من اليونان إلى مدرسة الإسكندرية، ثم غادرها إلى الهند، عن طريق البحر أو عن طريق مملكة بلخ التي أسسها الإسكندر الأكبر وقد كانت طريقًا مفتوحًا بين العالم الإغريقي وأواسط آسيا، وعلى الأخص مدينة مرو. وقد تطور هذان العلمان في الهند تطورًا كبيرًا، ولكنه – كما يقول أوليري-كان تطورًا مبنيًّا على مادة وافدة من الإسكندرية، وما لبث هذا التطور أن وصل عن طريق الهند إلى المسلمين ويمكن لنا أن نتابع مسيرة هذين العلمين لنرى انتقالهما إلى أوروبا فيما بعد، وهما يحملان تلك الإضافات الكثيرة التي أضافها المسلمون إليهما.
وهناك نموذج ثان يتمثل في كتاب كليلة ودمنة، وهو الكتاب الذي وضعه بيدبا، الفيلسوف الهندي، لدبشليم، ثم أن كسرى أنوشروان، المولع بالحكمة سمع بهذا الكتاب فأرسل برزويه في مهمته، وقام بترجمة الكتاب إلى الفارسية، وفي ظل الإسلام وحضارته تمت ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية على يد عبدالله بن المقفع أو على يد عبدالله بن هلال الأهوازي الذي ترجمها ليحيى بن خالد البرمكي، ولم يكتف المسلمون بترجمة الكتاب نثرًا، بل نظمها بعضهم شعرًا ليحيى البرمكي أي فور ترجمتها النثرية، ثم قام أحد ملوك الهند بإهداء هذا الكتاب إلى عبد الرحمن الناصر (ت 350هـ) صاحب الأندلس، الذي كان معنيًّا بالحركة الثقافية، عاملاً على نهضتها في الأندلس والمغرب.
ويتعلق النموذج الثالث بكتاب ديسقوريدوس في النباتات والحشائش وهو كتاب فريد جمع فيه مؤلفه بين الوصف العلمي النظري للنباتات، وتصويرها. ويذكر طاش كبرى زادة أنه كان مصورًا بالتصوير الروسي البديع، وكان مكتوبًا باللغة اليونانية، ثم تُرجم الكتاب من اليونانية إلى اللغة العربية على يد اصطفن بن يسيل في أيام الخليفة المتوكل ببغداد. وقد اجتهد اصطفن في ترجمة الأسماء اليونانية إلى العربية على قدر وسعه. وقد تصفح حنين بن إسحاق هذه الترجمة وأجازه، وأصلح الحسين بن إبراهيم الناتلي هذه الترجمة، ولكنه لم يكن ملمًّا باليونانية فجاء إصلاحه لها لغويًّا فقط، ثم تُرجم الكتاب من السريانية على يد مهران بن منصور.
المصدر: المؤتمر الدولي الأول للفلسفة الإسلامية-القاهرة-دار العلوم-1996م، ص 39، وما بعدها.
إعداد: مصطفى يوسف