المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النقد النحوي عند أبي علي الفارسي(2)


مصطفى شعبان
02-16-2016, 04:42 AM
بين الفارسي وعيسى بن عمر:
حُكي عن عيسى بن عمر أنه كان يقرأ قوله تعالى : (أرأيتَ)، و(أرأيتَكُم)، و(أرأيتُم) بحذف الهمز ، وكذلك كان الكسائي يقرؤها بغير همز، وللقراء مذهبان في الهمزة التي هي عين (رَأَى) : التحقيق، وهو أن تُخرجها نَبْرة لا تنحو بها نحو حرف من حروف اللين، والتخفيف: وهو أن تجعل الهمزة بين الهمزة المفتوحة وبين الحرف الذي حركتها منه وهو الألف، فإذا خفَّفْتَ (رَأَى) قلت: (رَاَى).
ومحل النزاع هنا أن حَذْف عيسى للهمزة ليس بتخفيف قياسي ، ولكنه يحذف الهمزة حذفًا كما تحذف الحرف حذفًا للتخفيف ، وإن لم يوجب القياس المطرد، لذا قال أبو علي الفارسي عن هذا النوع من الحذف:
«وهذا أيضًا ليس بمطرد في القياس»، وعلل هذا «بأن الهمزة إنما تحذف على جهة القياس إذا كان ما قبلها ساكنًا فتلقى حركتها على الساكن ،كما حكى سيبويه عن عيسى أن أهل التخفيف يقرؤون قوله تعالى: ((ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء)) بالتخفيف هكذا : (الخَبَ)، وإذا كان الحذف القياسي في الهمزة إنما هو من الوجه الذي ذكرنا، ولم يكن ما قبل الهمزة من قوله : (أريْتُمْ) ساكنًا ثبت أن حذفها ليس على القياس».
ثم فسر تعليله بأن التخفيف القياسي في مثل هذا أن تجعلها بَيْن بَيْنَ ، ولا تحذفها ولا تقلبها قلبًا، وحتى القلب إنما موضعه الضرورة الشعرية، ولم يبلغ القلب عنده في هذا أن يكون سائغًا عند الجميع مطردًا ، وقد سمع في بعض الأشعار فكيف بالحذف ، وقال الراجز :
أَرَيْتَ إنْ جِئْتُ به أُمْلُودا مُرَجَّلا ويلبسُ البُرودا
ويدعم قوله في عدم قياسية هذا التخفيف بأن «هذا الحذف في «أَرَأَيْتَ» إنما جاء في الأمر الشائع في «رأيت» الذي بمنزلة «عَلِمت» ولم نعلمه جاء في التي معناها إدراك الحاسة».
إذًا فمذهب عيسى بن عمر في حذف الهمزة من «أرأيت» وأخواتها مذهب لا يقوى قياسًا، ولا يطرد استعمالًا في نظر أبي علي لهذه الحجج التي استعرضها ، وعلى الرغم من ذلك فإنه ساق في «الحجة» شواهد تقوي مذهب عيسى والكسائي في التخفيف وإن كان على غير قياسه ، فقال :
«ومما يقوي ذلك من استعمالهم قول الشاعر:
فمن رَا مِثْلَ مَعْدَانَ بن ليلى..... إذا ما النِّسْعُ طالَ على المطِيَّهْ
فهذا على أنه قلب الهمزة ألفًا كما قلبها في قوله:
*لا هَنَاكِ المرْتَعُ*
فاجتمعت مع المنقلبة عن اللام ، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فهذا يقوي قول عيسى والكسائي.. »، ثم ذكر البيت الذي سقناه أول القضية ، والمستخلَصُ من ذلك أن طريق تخفيف الهمزة في «أرأيت» أن تجعل بين بين ، ويجوز حذفها أو قلبها ألفًا على غير قياس .