المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النقد النحوي عند أبي علي الفارسي(5)


مصطفى شعبان
02-21-2016, 04:29 PM
بين الفارسي والخليل(2)
وصْفُ النَّكِرَةِ بالمعْرِفَةِ
ذهب جمهور النحاة إلى وجوب تبعية النعت لمنعوته تعريفًا وتنكيرًا ، وإنما وجبت الموافقة في ذلك حذرًا من التدافع بين ما هو في المعنى واحد؛ لأن في التعريف إيضاحًا ، وفي التنكير إبهامًا ، والنعت والمنعوت في المعنى واحد فتدافعا .
قال أبو علي في «الإيضاح» :
«الصفة مثل الموصوف في تعريفه وتنكيره ، فصفة المعرفة معرفة ، وصفة النكرة نكرة، ولا يجوز وصف المعرفة بالنكرة ، ولا النكرة بالمعرفة؛ لأن الصفة ينبغي أن تكون الموصوف في المعنى، والنكرة تدل على العموم والشَّيَاع ، والمعرفة مخصوصة ، فمن حيث لم يجز أن يكون الجميع واحدًا ، والواحدُ جميعًا لم يجز أن يوصف كل واحد منهما إلا بما يلائمه وما هو وَفْقُهُ»، وقد انفرد أبو عليٍّ بهذا التعليل فقال الجرجاني مُعقِّبًا على تعليله: «وهذا التعليل الملخص ليس لأحد غيره» .
وذهب الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى أن النكرة قد يسوغ وصفها بالمعرفة في نحو قوله: (لَهُ صَوْتٌ صَوْتُ الحِمَار) ؛ لأن هذا في رأي الخليل تشبيه، والتشبيه يكون بـ (مِثل) ، فكما أنه لو قال : (له صوتٌ مثل صوتِ الحمار) جاز أن يجعله صفة لـ (صَوْتٍ)، فكذلك أجازه مع حذف (مِثلٍ).
فـ(مثلٌ) وإن كان مضافًا إلى معرفة فهو نكرة؛ فلذلك جاز عنده الصفة( ) ،فالخليل إذًا يجيز وصف النكرة بالمعرفة على حذف مضاف وهو (مثل)، وسيبويه يجيز أن يكون (صوتُ حمارٍ) صفة لـ (صَوْتٌ)، وذلك إذا لم تُرِدْ فعلًا ولا إضماره، أي من غير تقدير مضاف .
وكذلك جوَّز الخليل أن تقول: (رجُلٌ أخو زيدٍ) على نية (مثل) .
قال سيبويه : «وزعم الخليل - رحمه الله – أنه يجوز أن يقول الرجل : (هذا رجلٌ أخو زيدٍ) إذا أردت أن تشبهه بأخي زيد، وهذا قبيح ضعيف لا يجوز إلا في موضع الاضطرار».
وذكر سيبويه أن العلة في قبح هذا المذهب أنه يترتب عليه ما هو أشد قبحًا من حيث الاستعمال؛ إذ لو جاز أن يقال (هذا رجلٌ أخُو زيدٍ) على الصفة بنية (مثلُ أخِي زيدٍ) لقلت: (هذا قصيرٌ الطويلُ) تريدُ (مثلُ الطويل)، ولجاز أن تقول: (جاءني زيدٌ أخاك) تريد: (مثلَ أخيك)، وهذا قبيح في الاستعمال فلم يجز هذا ،كما قبح أن تكون المعرفة حالًا كالنكرة إلا في الشعر والضـرورة ، قال سيبويه: «وهو في الصفة أقبح ؛ لأنك تنقضُ ما تكلمتَ به، فلم تجامعه في الحال كما فارقه في الصفة».
وتفسير كلامه : أن الصفة والموصوف كشيء واحد ، فلا يجوز أن يكون أحدهما معرفة والآخر نكرة ، والحال مع الذي منه الحال (صاحبه) ليسا كشيء واحد ، فصار في الصفة أقبح .
أما أبو علي الفارسي فقد وافق سيبويه في تضعيفه لقول الخليل، وأخذ في الاحتجاج له بطريق التعليل وملاحظة المعنى ومراعاته ، ونقل قول أبي عثمان المازني في منعه إجازة قول الخليل بن أحمد ، فقال : «قال أبو عثمان: لا يجوز عندي قول الخليل أن توصف النكرة بالمعرفة بوجه من الوجوه».
يريد أن في قوله : (هذا رجلٌ أخو زيدٍ) كلمة (رجلٌ) نكرة، وقوله: (أخو زيدٍ) معرفة ، فلا يسوغ التبعية على الوصفية هنا .
ويعلل الفارسي هذا القول فيقول : «إنما امتنع وصف النكرة بالمعرفة ؛ لأن النكرة تدل على أكثر من واحد ، والمعرفة مختصَّة تدل على واحد ، فمن حيث لم يجز أن يكون الواحد جمعًا ، لم يجز أن توصف النكرة بالمعرفة ولا المعرفة بالنكرة».
فأبو علي بنى اعتراضه على الخليل بن أحمد على مراعاة المعنى ، إذ ما في النكرة من الشيوع والعموم يجعلها تدل على أكثر من واحد ، أما المعرفة فتدل بوضعها على معين ، فهي مختصة بالدلالة على واحد، فمراعاة المعنى تقتضي أنه كما لم يجز أن يعدَّ الواحدُ جمعًا أو العكس لم يسغ أن توصف النكرة بالمعرفة أو العكس .
وبيان ذلك: أنه لا يجوز أن تصف النكرة بالمعرفة فتقول: جاءني رجلٌ الظريفُ؛لأن (رجلٌ) شائع في أمته غير مخصوص بواحد، والمعرفة من حقها أن تختص بواحد بعينه ،فإذا جعلت المعرفة صفة النكرة كنت جعلتَ المخصوصَ هو الشائعَ وذلك محال؛لأن الذي يكون شائعًا لا يكون مخصوصًا في حال واحدة،كما أن المفرد لا يكون جمعًا في حال واحدة.
وقد تبع رضي الدين الاستراباذي سيبويه،والمازني والسيرافي، والفارسي في تضعيف مذهب الخليل ، فقال:
«وأجاز غير سيبويه رفع هذا المصدر المنصوب ،أعني نحو : (صوتَ حمارٍ) و (صراخَ الثكلى) إما على البدل، وإما على الوصف ، وذلك على أحد وجهين ، قال الخليل : على حذف المضاف ؛ أي: مثل صوت الحمار ، فيجيز إذن تعريفه؛ مع كون الموصوف غير معرفة ؛ لأن (مثل) لا يتعرف بالإضافة، وبنى عليه أنه يجوز : (هذا رجلٌ أخو زيد) على الوصف أي : مثل أخي زيد، ورد عليه سيبويه وقال: لو جاز هذا لجاز : (هذا قصيرٌ الطويلُ) ؛ أي: مثل الطويل».
فاعتمادًا على ما قرره سيبويه ومن تبعه،لا يجوز وصفُ النكرة بالمعرفة، مراعاة للمعنى وأصل الوضع.