المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا جرم


د.ضياء الجبوري
02-21-2016, 05:36 PM
لا جَرَمَ
الْجَرْمُ: الْقَطْع، يُقَال: جَرَمَه يَجْرِمُه جَرْماً إِذا قَطَعه(1). وتركيبُ (لا جرمَ) يوحي للناظرِ أنه مركبٌ من لا النافيةِ للجنسِ، وجرمَ اسمها.
ولكنَّ النحاةَ اختلفوا في تحليلِ هذا التركيبِ، فمنهم من يرى أنَّ لا زائدة، وجرم فعلٌ ماضٍ بمعنى حقَّ، وهذا قول سيبويه. فيفسَّرُ قوله تعالى: (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) [هود: 22]، أنَّ لا زائدة، ومعنى الآية: حقٌّ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ.(2).
وأمَّا الخليلُ فيرى أنَّ لا نفي لما قبلها من الكلام، وجرمَ فعل ماضٍ. أي: نفي ما يظنونه وما يتوقعونه.(3).
وأمَّا الفَرَّاءُ فيرى أنَّها بمعنى لا بدَّ ولا محالةَ ثمَّ كثر استعمال العربِ إياها حتى صارت بمعنى حقّاً. قال: وقوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ) [22] كلمة كانت فِي الأصل بِمنزلة لا بُدَّ أنَّك قائمٌ ولا محالة أنَّك ذاهب، فجرت على ذَلِكَ، وكثر استعمالهم إيَّاها، حَتَّى صَارت بِمنزلة حقًّا ألا ترى أن العرب تَقُولُ: لا جَرَمَ لآتينك، لا جرمَ قد أحسنت. وكذلك فسّرها المفسرونَ بِمعنى الحقِّ.(4).
وقال ابن دريد: وَتقول: لَا جرم لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ حَقًا لَأَفْعَلَنَّ. وَاحْتج بقول الشَّاعِر (كَامِل):
(وَلَقَد طعنت أَبَا عُيَيْنَة طعنة ... جرمت فَزَارَة بعْدهَا أَن يغضبوا).(5).
قال الطبري: الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} [هود: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: حَقًّا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ، الَّذِينَ قَدْ بَاعُوا مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجِنَانِ بِمَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ؛ وَذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ، جَرَمْتُ: كَسَبْتُ الذَّنْبَ، وَأَجْرَمْتُهُ، أَنَّ الْعَرَبَ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا إِيَّاهُ فِي مَوَاضِعِ الْأَيْمَانِ، وَفِي مَوَاضِعَ «لَا بُدَّ» كَقَوْلِهِمْ: لَا جَرَمَ أَنَّكَ ذَاهِبٌ، بِمَعْنَى: لَا بُدَّ، حَتَّى اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِ التَّحْقِيقِ فَقَالُوا: لَا جَرَمَ لَيَقُومَنَّ، بِمَعْنَى: حَقًّا لَيَقُومَنَّ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: لَا مَنَعَ عَنْ أَنَّهُمْ، وَلَا صَدَّ عَنْ أَنَّهُمْ.(6).
وقال ابن عطية: ولا جَرَمَ لفظة مركبة من: لا، ومن: جَرَمَ بُنيتا. ومعنى لا جَرَمَ: حق. هذا مذهب سيبويه والخليل. وقال بعض النحويين: معناها: لا بد ولا شك ولا محالة وقد روي هذا عن الخليل.(7).
قال ابن عاشور: و(لَا جَرَمَ) كَلِمَةُ جَزْمٍ وَيَقِينٍ جَرَتْ مَجْرَى الْمَثَلِ، وَأَحْسَبُ أَنَّ (جَرَمَ) مُشْتَقٌّ مِمَّا تُنُوسِيَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَرْكِيبِهَا، وَأَظْهَرُ أَقْوَالِهِمْ أَنْ تَكُونَ (لَا) مِنْ أَوَّلِ الْجُمْلَةِ وَ (جَرَمَ) اسْمٌ بِمَعْنَى مَحَالَةَ أَيْ لَا مَحَالَةَ أَوْ بِمَعْنَى بُدَّ أَيْ لَا بُدَّ. ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَهَا أَنَّ وَاسْمُهَا وَخَبَرُهَا فَتَكُونُ (أَنَّ) مَعْمُولَةً لِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ. وَالتَّقْدِيرُ: لَا جَرَمَ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَا. وَلِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّحْقِيقِ وَالتَّوْثِيقِ وَتُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْقَسَمِ فَيَجِيءُ بَعْدَهَا فِي مَا يَصْلُحُ لِجَوَابِ قَسَمٍ نَحْوَ: لَا جَرَمَ لَأَفْعَلَنَّ.(8).
قال الدكتور فاضل السامرائي(9): ومن الصعب البتّ بترجيح أحد الأقوال على ما عداه، غير أنّ الذي تميل إليه نفسي ترجيح قول الفراء لأكثر من سبب من ذلك:
1- ما ذكره النحاة من أنّ همزة (أنّ) بعد لا جرم يجوز فيها الفتح والكسر، فلو كانت فعلا لامتنع الكسر.
2- ما روي عن العرب من أنّهم يقولون أيضا (لا جُرم) بالضم، والجُرم مصدر فيستدل من هذا أنّ الجَرم مصدر أيضا.
3- ما ورد عن العرب أنّ لا جرم تنزّل منزلة اليمين فتقول: لا جرم لآتينّك.
4- ما ذكره قسم من اللغويين والمفسرين أنَّ معناها حقّا.
5- لا أرى في نفسي اطمئنانا إلى أنّ (لا) زائدة في (لا جرم) وبخاصة أنّه يمكن حملها على غير الزيادة، وذلك إذا جعلت نافية للجنس.
ولذلك وغيره أراني أميل إلى ما رآه الفراء، والله أعلم.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
(1) تهذيب اللغة (11/ 45).
(2) ينظر: معاني النحو: 1/350، والكتاب: 1/469.
(3) ينظر: معاني النحو: 1/351، والكتاب: 1/469.
(4) معاني القرآن للفراء: 2/ 8 - 9.
(5) جمهرة اللغة (1/ 465).
(6) تفسير الطبري (جامع البيان): 12/ 373.
(7) تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز): 3/ 161.
(8) التحرير والتنوير: 12/ 38 - 39.
(9) معاني النحو: 1/350 – 353. (بتصرف).